السودانيون في «الجنوب الجديد»... وثمن «لعنة الجغرافيا»

نائب رئيس الوزراء لـ «الشرق الأوسط»: سنفاوض الحركة الشعبية بشقيها

السودانيون في «الجنوب الجديد»... وثمن «لعنة الجغرافيا»
TT

السودانيون في «الجنوب الجديد»... وثمن «لعنة الجغرافيا»

السودانيون في «الجنوب الجديد»... وثمن «لعنة الجغرافيا»

اشتق ساسة سودانيون مصطلح «الجنوب الجديد» باعتباره «مكان حرب» جديدة في البلاد، وذلك عقب نهاية الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه، التي انتهت بعد قرابة 40 سنة من القتال إلى انفصال «الجنوب القديم»، وولادة دولة جديدة من رحم السودان في التاسع من يوليو (تموز) 2011، ويشير مصطلح «الجنوب الجديد إلى اندلاع حرب جديدة في المنطقة الجنوبية من دولة السودان، بعد تغيّر ديموغرافيتها، وسكوت البنادق المتقاتلة المتقاطعة بتوقيع اتفاقية السلام السودانية الشامل المعروفة بـ«اتفاقية نيفاشا» يوم 9 يناير (كانون الثاني) 2005، وكانت الاتفاقية قد أقرت إجراء استفتاء في الجزء الجنوبي من البلاد، ولدت عنه دولتان متجاورتان ونشأ معه واقع جغرافي جديد. وبعدما كانت دولة «السودان» القديمة محادة لدولتي كينيا وأوغندا جنوباً، أصبحت حدودها الجنوبية تقف عند كردفان الجنوبية والنيل الأزرق وجنوب دارفور.
خلق مصطلح «الجنوب الجديد» في الآونة الأخيرة التباساً «جيو - سياسي» بين السودان وجمهورية «جنوب السودان»، وما عاد بمقدور أهل السودان الشمالي أن يصفوا جنوب بلادهم بـ«جنوب السودان»، لأن «جنوب السودان» غدت دولة تتمتع بعضوية الأمم المتحدة، ومع أنها انفصلت عن البلد الأم، لكنها احتفظت بالاسم «جنوب السودان».
ولا يقف الارتباك هنا في حدود كونه جغرافياً، بل يتضمن أبعاداً سياسية وأمنية وإثنية، ويختزن سيرة «الحرب الأهلية» السودانية التي انتهت بانفلاق البلد إلى بلدين يحمل كل منهما اسم «السودان». إذ في السادس من يونيو (حزيران) أو قبل إعلان استقلال «الجنوب القديم» بوقت قصير، اندلعت الحرب مرة أخرى بين القوات الحكومية وقوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال»، في «الجنوب الجديد»، تحديداً في ولاية جنوب كردفان. ودوّت المدافع والبنادق وحلق الطيران الحربي في سماء مدينة كادوقلي، حاضرة ولاية جنوب كردفان، وردّت قوات «الحركة الشعبية» النار بالنار، وذلك فور إعلان نتيجة الانتخابات التكميلية لاختيار حاكم الولاية، التي أجريت في أجواء ملتهبة.
ووفقاً لما دوّنته الناشطة المدنية زينب بلندية في صفحتها على موقع «فيسبوك» للتواصل الاجتماعي، بصفتها شاهد عيان، فإن الانتخابات جرت في أجواء مشحونة بين الحزبين المتنافسين «المؤتمر الوطني» الحاكم في السودان و«الحركة الشعبية لتحرير السودان». وتقول بلندية إن حملة مرشح الحزب الحاكم أحمد هرون الدعائية أطلقت جملة «فوز هرون أو القيامة تقوم»، وردت عليها حملة «الحركة الشعبية» بجملة: «النجمة أو الهجمة»، والنجمة هي رمز علمها.

اتهامات بتزوير الانتخابات
ووفق بلندية، تسببت اتهامات بتزوير الانتخابات وتصعيد عسكري وتعبوي في إطلاق شرارة الحرب بجنوب كردفان بمجرد إعلان فوز مرشح الحزب الحاكم بمقعد الوالي في الولاية الجنوبية. وترجع الخرطوم تجدد القتال إلى أن قوات تابعة لـ«الجيش الشعبي» هاجمت مركز شرطة واستولت على أسلحة، فيما يرجعه «الجيش الشعبي» إلى أن الخرطوم تحاول نزع سلاحه بالقوة. لكن الحرب كانت قد اشتعلت هناك منذ ذلك التاريخ ولم تتوقف بعد.
من جهة أخرى، في ولاية النيل الأزرق، اندلعت المعارك في آخر مطلع سبتمبر (أيلول) 2011 بعد أكثر من شهر من اندلاعها في جنوب كردفان، وهنا استطاعت القوات الحكومية طرد قوات «الجيش الشعبي» الموالية لحاكم الولاية مالك عقار من مدينة الدمازين، حاضرة الولاية، كما أصدر الرئيس عمر البشير مرسوماً أعفاه بموجبه من منصبه، لتلتحق قوات «الجيش الشعبي» برصيفتها في جنوب كردفان في الحرب المستمرة منذ ذلك الوقت.

تركيبة الجيش الشعبي
تتكوّن قوات «الجيش الشعبي لتحرير السودان» من جنود من مجموعات سودانية اختارت الانحياز لجنوب السودان أثناء الحرب الأهلية، وثقلها الأساسي في ولايات جنوب كردفان والنيل الأزرق. ولقد تم تنظيمها فيما اصطلح عليه بالفرقتين التاسعة والعاشرة التابعتين لـ«الجيش الشعبي لتحرير السودان» الأم، وعند الانفصال لم تقطع علاقتها التنظيمية والعسكرية به، حسب وجهة النظر الرسمية في الخرطوم.
هذا، وأعطت اتفاقية السلام السودانية المنطقتين وضعاً خاصاً عُرف بـ«بروتوكول المنطقتين» الذي أقر ما اصطلح عليه بـ«المشورة الشعبية»، لتحديد وجهة نظر شعب الولايتين بشأن اتفاقية السلام، ومدى تحقيقها لتطلعاته، وتسوية النزاع السياسي وإرساء السلام، ووضع ترتيبات دستورية وسياسية وإدارية واقتصادية بخصوص الولايتين. لكن عدم إنفاذ بروتوكول المنطقتين ساهم بشكل كبير في اندلاع النزاع، واعتبره كثيرون امتداداً لسيرة «نقض العهود والمواثيق» التي اتسمت بها الحكومات السودانية تجاه ما تبرمه من اتفاقيات مع مواطنيها.
وكانت المعارك قد تفجرت في دارفور قبيل توقيع اتفاقية السلام السودانية. ودارفور إقليم يحاد دولة «جنوب السودان»، وبالتالي يمكن إدراجه ضمن «الجنوب الجديد»، على الرغم من أنه لم يكن داخلاً ضمن الترتيبات التي أدت إلى انفصال دولة «جنوب السودان». ولاحقاً اتفق المقاتلون في دارفور والمنطقتين، وكونوا آلية عسكرية مشتركة أطلقوا عليها «الجبهة الثورية» أتاحت مشاركة قوات دارفورية في الحرب في جبال النوبا، بعد تراجع عملياتها العسكرية في دارفور. بيد أن «الجبهة الثورية» نفسها تشظت إلى جبهتين، واحدة دارفورية وأخرى تسيطر عليها «الحركة الشعبية - الشمال».
ورسمت الحروب في دارفور وفي جنوب كردفان وفي النيل الأزرق «حزاماً ناسفاً» حال دون استقرار الولايات الجنوبية للسودان، وبالتالي الولايات الشمالية لجنوب السودان، بعدما كان السودانيون يأملون أن يؤدي وقف الحرب وتحقيق مطلب «جنوب السودان» بالاستقلال، إلى سلام مستدام وتنمية سياسية واجتماعية واقتصادية في البلد الذي أنهكته الحروب، وهكذا ولد للسودان «جنوب جديد» مشتعل.

انشقاق الحركة الشعبية
بعد ذلك، شهد الوضع تطوراً جديداً منذ مارس (آذار) الماضي بانشقاق «الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال» التي تقود الحرب في «الجنوب الجديد» فعلياً إلى حركتين، على الرغم من احتفاظهما معاً بالاسم والشعارات «السودان الجديد»، ويقود واحدة منها نائب رئيس الحركة الأسبق عبد العزيز آدم الحلو، ويقود الأخرى ثنائياً رئيس الحركة السابق مالك عقار وأمينها العام ياسر عرمان.
وأفضت الأوضاع على الأرض بحكم القوة المقاتلة إلى أن تسيطر المجموعة التي يقودها الحلو على «معظم الأرض» وكثير المقاتلين في المنطقتين «جنوب كردفان والنيل الأزرق». أما مجموعة عقار وعرمان فخلا رصيدها السياسي والتفاوضي إلاّ من «بعض جيوب مقاتلة» في منطقة النيل الأزرق فأصبحت تملك قوة حقيقية على الأرض هناك. ولقد أدى الواقع الجديد إلى «تمايز» في الشعارات التي يرفعها كل من الطرفين للتفاوض مع الحكومة في الخرطوم، فبينما رفع الحلو سقف تفاوضه إلى المطالبة بـ«حق تقرير المصير» للمنطقتين، فإن عقار وعرمان أعلنا عن عزمهما على «تجديد الحركة» وقصر التفاوض مع الخرطوم على القضايا الإنسانية.
الخرطوم، رأت في هذا التشظي إضعافاً للحركة التي كانت تشكل لها «صداعاً» مستمراً. ويرى نائب رئيس الوزراء وزير الإعلام أحمد بلال عثمان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تشظي الحركات المسلحة وانقساماتها يخلق مشكلة تفاوضيه تصعب الوصول معها لاتفاق، ولكنه يتابع: «نحن نعرف موازين القوى المسيطرة على الأرض بعد أن انقسمت الحركة إلى حركتين». ويعلن بلال عثمان استعداد حكومته - رغم تشظي الحركة - للتفاوض مع كل منهما على حدة، قائلا: «إذا جاء عقار أو الحلو سنفاوضهما، بل وإذا جاء شخص واحد يريد التفاوض فسنفاوضه، لأن الحركة لم تعد جسماً واحداً». وبعدما اعتبر الانقسام «تلاشياً سالباً للحركة، وزهداً في المقاومة المسلحة»، تابع: «كان عليهم الاتعاظ بهذه الرسالة، التي سبقتهم إليها حركات دارفور المسلحة».
وعلى ما يترتب على الانقسام من صعوبات تفاوضيه، فإن بلال عثمان يجزم بأن حكومته راغبة في السلام لو أن الطرفين راغبين في السلام، لكنها أي الحكومة «لن تتفاوض على الجانب الإنساني فقط»، وهو المطلب الذي تقدمت به مجموعة عقار للوساطة، وهذا يعني رفض الخرطوم لفكرة «الجنوب الجديد برمتها».

حدود «الجنوب الجديد»
ويحدد موقع وزارة الخارجية السودانية على الإنترنت طول الحدود بين السودان ودولة «جنوب السودان» بـ2.175 كيلومترا، تمتد من حدود الدولتين مع أفريقيا الوسطى غرباً، وحدودهما مع إثيوبيا شرقاً. وتقع على الحدود المشتركة بين البلدين 11 منطقة إدارية، 6 منها سودانية وخمس جنوبية، وتدور الحرب في أربع منها، هي جنوب وشرق دارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
ووفقاً للخارجية، فإن دولتي السودان و«جنوب السودان»تتنازعان على عدد من المناطق الحدودية، ذات الأهمية الخاصة، الممثلة في عدد السكان على طرفي الحدود البالغ عشرة ملايين نسمة، وتوافر عدد من الموارد الطبيعية بها، إضافة إلى ثراءها بالمياه والثروات الحيوانية. وهي خمس مناطق رئيسية أكبرها منطقة أبيي الغنية بالنفط، ودبة الفخار بولاية النيل الأبيض، وجبل المقينص على الحدود المشتركة بين النيل الأبيض وجنوب كردفان و«جنوب السودان»، ومنطقة كافيا كنجي الشهيرة بحفرة النحاس مع جنوب دارفور، وكاكا التجارية مع جنوب كردفان.
الدكتور الواثق كمير، وهو أكاديمي انتمى لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان» على عهد مؤسسها الراحل الدكتور جون قرنق، يقول إنه «من الطبيعي أن يكون هناك جنوب جغرافي للسودان بعد انفصال الجنوب وإنشاء دولته، كما له شمال وشرق وغرب جغرافي». ويتابع في حديث لـ«الشرق الأوسط» شارحاً «بهذا المعني، فالجنوب الجديد يضم: جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وغرب كردفان وجنوب دارفور... لكن مفهوم أو تعبير الجنوب الجديد، الذي شاع بعد انفصال الجنوب، خاصة من بعض قيادات الحركة الشعبية شمال، ينطوي على حمولة سياسية وجيو سياسية إذ إن المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، كانتا تابعتين تنظيمياً إلى قطاع الجنوب».
ويضيف كمير أن مفهوم «الجنوب الجديد» يواجه ثلاث مشاكل منهجية تحيط به، موضحاً «أن الأولى هي حمل السلاح من أجل التغيير وإزالة التهميش هو القاسم المشترك في تعريف هذا الجنوب الجديد. والثانية إنه تعبير يستحدث الآخر في مواجهة المجموعات في المناطق الأخرى من السودان، بما يعيد إنتاج التصور القديم للشمال عن الجنوبيين من منطلقات عرقية وثقافية... ويحمل في طياته قدراً كبيراً من الآيديولوجيا والإيحاءات العنصرية. أما ثالث المشاكل فهي أنه يضع عبء ومسؤولية التحول والتغيير في شمال السودان على عاتق أهل الجنوب الجديد، ما يصعّب ويعقّد مهمة قوى السودان الجديد في تعبئة وحشد قطاعات مختلفة من السودانيين بغض النظر عن انتماءاتهم من ناحية العرق والإثنية والدين والجنس (الجندر)». ويقطع كمير بأهمية تجاوز المفهوم الآيديولوجي الذي يستدعيه مصطلح «الجنوب الجديد»، ويرى أنه شكل من أشكال إعادة إنتاج الأزمة مجدداً.

الواقع الملتهب
ورغم «آيديولوجيا المفهوم» التي أشار إليها كمير، فإن «الجنوب الجديد» واقع جغرافي لا يمكن تجاهله، فضلاً عن كونه واقعا «ملتهبا» ما زال النزاع حول وضع علاماته الحدودية مع الدولة الوليدة لم يكتمل بعد. وما زال البلدان يتصارعان لتحديد حدودهما بدقة.
الحكومة السودانية تتهم حكومة «جنوب السودان» بدعم وتشوين وتمويل وإيواء قوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، باعتبارها كانت جزءاً من جيشها، وتكونان الفرقة التاسعة والعاشرة، لكن سلطات جوبا دأبت على النفي، والرد بأن الخرطوم هي الأخرى تدعم متمردين ضد حكومتها، آخرهم دعمها تمرد نائب الرئيس السابق رياك مشار. وينسب إلى وزير الدفاع السوداني الأسبق عبد الرحيم محمد حسين قوله، إن قوات «الحركة الشعبية» تتمركز في منطقة يابوس بولاية النيل الأزرق، وفي مناطق كاودا وهيبان بولاية جنوب كردفان، وتسميها «المناطق المحرّرة»، كما تملك مراكز تدريب في يابوس وسمري، وكتائب أخرى في أورا ودقيس، ووحدات صغيرة في مناطق أخرى.
ويعترف الزعيم المعارض البارز ورئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، بوجود مشاكل في المنطقة التي سميت مناطق المشورة الشعبية في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، ويرى أن سببها أن تنفيذ اتفاقية السلام الشامل تجاهل ربط التنفيذ بقضية المنطقتين لتحسما دفعة واحدة.
ويوضح المهدي أن الإبقاء على قوات من «الجيش الشعبي» في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، فتح المجال لنشوب الحرب، بل ولم تنفذ الاتفاقية الإطارية بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» - تعرف باتفاقية نافع عقار – ويضيف: «لو أنها نفذت لأغنتنا عن هذه التعقيدات التي حدثت، بل أجهضها النظام الذي وقعها ما خلق أجواء أدت لتصعيد المطالب».
ويرى المهدي أن المنطقتين - في «الجنوب الجديد» - تختلفان عن جنوب السودان «القديم»، ولا يمكن أن تسيرا في طريق حق تقرير المصير. وأن فكرة تقرير المصير، أصبحت تعني ما يحدق في جنوب السودان بنتائجه العكسية والفاشلة التي جعلت حتى جنوبيين يرغبون في مراجعته.
ويجزم المهدي باستمرار الحرب طالما لا يوجد حل سياسي للمشكلة، ويتابع: «للأسف الحكومة السودانية غير مستعدة لدفع استحقاقات الحل السياسي. وطالما هذا مستمر، فحتى إذا تمزّقت الحركات المسلحة إلى أكثر من فصيل ستظل هناك حالة حربية»، ويستطرد «ما دام لا يوجد اتفاق سياسي فإن أي عدد لديه مظلمة وسلاح وناس مدربين سيواصل التحدي للأمن، ولن تنتهي مسألة المخاطر الأمنية إلاّ بموجب اتفاق سياسي حتى لو تمزقت القوى المسلحة المسيسة».
وحقاً، أدت الحروب في «الجنوب القديم» إلى مقتل أكثر من مليونين وأعداد من الجرحى والمعاقين، وإلى نزوح الملايين، وهجرة أعداد كبيرة للدول المجاورة. وكبّدت الاقتصاد السوداني مليوني دولار يومياً، ما أدى إلى خلق اختلالات جوهرية في اقتصاد البلاد، أدت لخفض الناتج القومي، وتزايد نسب التضخم، وارتفاع معدلات البطالة، وسوء الخدمات.
وكان مأمولاً حدوث تطور سريع في معالجات الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت الحرب الأهلية، بعد توقيع اتفاقية السلام وانفصال – استقلال – جنوب السودان، لكن اشتعال الحرب في «الجنوب الجديد» أزهق أرواح أكثر ثلاثمائة ألف نسمة في دارفور وحدها حسب إحصاءات دولية – تعترف الحكومة بعشرة آلاف منهم – ونزوح ولجوء، وينسب إلى مدعي المحكمة الجنائية السابق لويس مورينو أوكامبو أنه قال إن الحرب تسببت في نزوح 2.5 مليون شخص داخلياً. وقالت منظمة الهجرة الدولية في تقرير صادر 2016 إن السودان يحتل المرتبة الرابعة في قائمة الدول المصدرة للاجئين بعد إريتريا والنيجر والصومال.
ولا توجد إحصائيات دقيقة تتعلق بأعداد القتلى والجرحى والنازحين واللاجئين بسبب الحرب بين الجيش الحكومة والجيش الشعبي، فإن آلاف الأشخاص لقوا حتفهم، فيما تشرد وهجر ونزح مئات الآلاف بسبب الحرب في المنطقتين.
لكن «المصطلح» بمدلوله الذي أطلقه به الأمين العام السابق للحركة الشعبية ياسر عرمان، يواجه منذ أشهر تحدّي الانقسام الرأسي الذي تشهده واسطة عقد «الجنوب الجديد» أي «الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، الذي بلغ ذروته بإقالة رئيسها مالك عقار وأمينها العام، وتعيين نائب الرئيس السابق عبد العزيز آدم الحلو رئيس للحركة وقائداً لجيوشها.
ما حدث من تغيير دراماتيكي في قيادة الحركة يهدد آيديولوجيا «الجنوب الجديد» بشكل كامل، وهو ما يصفه المحللون بأنه ربما يصبح انكفاءة جهوية، تسوق المناطق التي تسيطر عليها الحركة باتجاه شبيه بما حدث للحركة الأم، التي حققت أغراضا جهوية «استقلال جنوب السودان» على حساب شعارها الذي خاضت حربها الطويلة تحته «السودان الجديد».
ويقول الصحافي والمحلل السياسي حسن بركية، إن قيادة الحركة الجديدة مواجهة بتحدي كبير لتصحيح الأوضاع، وإقامة بناء تنظيمي متماسك، ويتابع: «الحلو يجد الآن دعماً كبيراً، وهو صاحب خبرة يمكن أن يحقق نجاحات»، ويقطع بفشل الحديث عن انقسام في الحركة على أساس مناطقي – من منطقة – بقوله: «الحديث عن انقسام مناطقي، فشل الرهان عليه، بدليل أن المنطقتين اتفقتا على القرارات».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.