حرب «المرشد» على الرئيس

في ظروف داخلية وخارجية مضطربة... إيران بين «قطبين»

حرب «المرشد» على الرئيس
TT

حرب «المرشد» على الرئيس

حرب «المرشد» على الرئيس

يوحي المَثَل الشعبي الإيراني «حرب صاغة الذهب»، الذي يعد أكثر الأمثال تداولا في الحياة اليومية وتحفظه جيدا الذاكرة الإيرانية، بـ«حرب مصالح» متبادلة ومتفاهم عليها من دون أحقاد بين طرفين لخداع طرف ثالث. وهذا ما يجري عملياً، عندما يخوض الصاغة تنافساً مصطنعاً لخداع الزبائن وتسويق بضائعهم.
وحقاً يعتقد كثيرون أن التلاسن المتبادل بين كبار قادة النظام الإيراني، راهناً، تطبيق عملي لذلك المَثَل في ساحة السياسة الإيرانية العاصفة هذه الأيام. إلا أن قراءة مختلفة تفيد بأن المواجهة ربما تجاوزت الحدود المألوفة لاختلاف المزاج بين دوائر صنع القرار الإيرانية. ومن ثم، فإن الأمور قد خرجت عن الضوابط، في ظل وجود تململ شعبي واسع من عجز الحكومة عن وقف عجلة تراجع الوضع المعيشي، وتعمّق الاختلاف الطبقي والتمييز بين المناطق الإيرانية.
فهل ما يتردّد حالياً على لسان المسؤولين الإيرانيين من مخاطر الانقسام إلى «قطبين» واقعي... أو أنه تطبيق عملي للمَثَل المعروف؟ وإذا صح ذلك فما هي جذوره وآفاقه، وإلى أين تتجه إيران في ظل الانقسام؟
لتوضيح المعادلة السياسية في إيران، في ضوء رصد مواقف المسؤولين، تنقسم البلاد حالياً إلى «قطبين» أو «خطابين سياسيين» يتطلع كل منهما للوصول إلى مقاصد مختلفة وإن كان الاختلاف حول تعريف الطريق المشتركة يتقاسمه كلا الطرفين في الوقت الحالي.
حسب مواقف المسؤولين يمكن القول بأن «القطب الأول»، يضم الحرس الثوري والأجهزة الخاضعة لسلطة المرشد الأعلى علي خامنئي، إضافة إلى تيار المحافظين والقضاء. وفي المقابل، يشكل «القطب الثاني» تجمّع قوى تطالب بإصلاح داخلي للنظام السياسي وتطويره... ويمثله في الوقت الراهن الرئيس الإيراني حسن روحاني.
أزمات وانفراجات
ولئن كان الإحساس العام في العاصمة طهران في أعقاب وصول محمود أحمدي نجاد إلى منصب الرئاسة في 2005، دخول البلاد في سنوات تأزم العلاقات مع المجتمع الدولي - وبخاصة عندما اختار تشكيلة حكومة لافت فيها اختيار جنرالات الحرس الثوري - فإن الإحساس بعد وصول روحاني لمنصب الرئاسة في 2013 هو «تهدئة اللعبة» وإخراج إيران من عنق زجاجة الأزمات الخانقة.
هذا التحوّل لم يكن من دون تبعات؛ إذ أثبت للإيرانيين صحة ما يتردّد أن وجود شرخ في مؤسسات الدولة هو مصدر أزمات كثيرة تتراكم على عاتق المواطن في مجالات شتى. كما كشف عن ملفات فساد صادمة في دولة ترفع شعارات التديّن والحكم الإسلامي، ويدّعي كبارها البساطة والتواضع والزهد في العيش أسوة بالأولياء.
وبينما يتمسك «القطب الأول» - الأكثر نفوذاً في هيكل الدولة - بالشعار الأساسي للنظام وهو «الثورة المستدامة» وتجديد آلياتها وتشديد القبضة الأمنية والوفاء لآيديولوجية نظام «ولاية الفقيه» المطلقة ومقاطعة الغرب، فإن «القطب الثاني» يتطلع إلى صورة «ناعمة» للنظام. وهو يسعى لذلك عبر الانفتاح على الغرب ومدّ شعرة معاوية عبر التجاوب مع بعض المطالب الداخلية... تجنباً لشبح الحرب الذي يهدّد بفرط العقد الإيراني بعد مرور ما يقارب مائة سنة على تكوينه في الشكل الحالي.

منابر إعلام الخارج
هذا الانقسام بين «الثورية» و«التنمية»، لم يخل من فائدة للنظام السياسي الحاكم في إيران بطبيعة الحال. إذ سهّل، بعد أحداث 2009، تقديم بديل عن المعارضة الحقيقية للشباب الإيراني. وهو ما أتاح لـ«الإصلاحيين» (إصلاحيي النظام) التحكم بغالبية المنابر الإعلامية الناطقة بالفارسية خارج الحدود الإيرانية، لتقديم بديل «نظامي» عن الإعلام الرسمي لدعم خطاب «الإصلاحيين» الذين يتميزون بخطابهم القومي... مقارنة بالتيار الآخر الذي يشدّد على الخطاب الإسلاموي لنظام «ولاية الفقيه».
وخلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة من يونيو (حزيران) الماضي، صعّد المرشد خامنئي ضد تيار يقدم شعارات التنمية والانفتاح على المجتمع الدولي على حساب الشعارات الثورية. واستهدفت سهام «المرشد» الكلامية الرئيس روحاني بصفته واجهة التيار المطالب بالتنمية. تلك الشعارات التي قال عنها خامنئي إنها «محاولة لتغيير سلوك النظام، وهو ما يعادل إسقاطه». هذا الموقف يعبّر عن دخول إيران مرحلة متقدمة من الأزمة بين الحكومة ذات التوجه الإصلاحي من جهة، وأجهزة مثل الحرس الثوري والقضاء وجزء من البرلمان - وهي أهم أذرع المرشد في الداخل - من جهة ثانية.
في الواقع، الصراع بين التيارات الأساسية في النظام الإيراني ليست جديدة، بل تعود إلى عهد انقسام الثوار على الشاه عقب إقرار نظام «ولاية الفقيه» ودخول إيران حرب الخليج الأولى والسنوات الأولى من عقد الثمانينات التي شهدت اغتيالات سياسية لشخصيات بارزة نفذتها جماعات معارضة أو جماعات ضغط شكلت عمود الأجهزة الأمنية والعسكرية لاحقاً. غير أن الصراع السياسي دخل مراحل جديدة منذ احتجاجات «الحركة الخضراء» عام 2009 التي تُعد علامة فارقة في تاريخ النظام الإيراني بعدما ردّد متظاهرون شعارات تندد بـ«ولاية الفقيه» وأحرقت صور الخميني وخامنئي، وسط تنديد واسع بالسياسة الخارجية الإيرانية. وهذا، قبل تجدد التنافس السياسي منذ نهاية المفاوضات الماراثونية بين إيران والمجموعة الدولية 5+1 حول الملف النووي بإعلان اتفاق فيينا في يوليو (تموز) 2015... عندما كشف خامنئي عن مشروع «الاقتصاد المقاوم» ومشروع «التصدي للتغلغل الغربي»، إضافة إلى إطلاق تسمية «الفتنة» كتهمة جاهزة تطارد التيارات التي تعارض بعض سياسات «المرشد»، وهي من جملة مخاطر يشدد خامنئي على أنها تهدد مستقبل النظام «الثوري» في إيران.
المناورات... إلى العلن
من ناحية أخرى، مع أن المفاوضات كانت قد بدأت خلف الكواليس قبل فوز حسن روحاني في انتخابات الرئاسة الإيرانية، وفي الشهور الأخيرة من حكم أحمدي نجاد، فإنها بعد وصول روحاني خرجت إلى العلن من الجانب الإيراني، عندما فتح خامنئي الطريق أمام إدارة روحاني بتأكيده حاجة إيران لـ«المرونة البطولية» في مؤشر على التراجع أمام التحديات الدولية.
ورغم إعلان وزير الخارجية محمد جواد ظريف في عدة مناسبات اطلاع خامنئي على مسار المفاوضات، فإن حكومة روحاني واجهت ضغوطاً متزايدة من التيار المحافظ، بالتزامن مع دخول المفاوضات النووية مراحل حساسة. ولا سيما عند الطلب من طهران تقديم تنازلات طالما كانت محور خلاف بين التوجّهين في رأس السلطة الإيرانية. أي التوجه الداعي إلى التحدي وفرض الهيمنة بواسطة القوة والتمدد ومن شعاراته «الثورية» و«تصدير الثورة»، والتوجه المقابل البراغماتي الداعي إلى الانفتاح على الغرب وفق اعتبارات «المصالح القومية» والتقدم والتنمية إلى جانب تفسير مفاهيم الثورة وفق مقتضيات الزمان.
رهان روحاني
انطلاقاً من ذلك، راهن حسن روحاني، المطلع على رغبة النظام بالخروج من مأزق العقوبات بأقل الخسائر والمتخوف من الوصول إلى «سيناريو العراق» - نظرا لدخول إيران تحت «الفصل السابع» - على حل المشكلة النووية في حملته الانتخابية. وهذا ما تحقق بعد سنتين من العودة رسمياً إلى طاولة المفاوضات.
إلا أن انتماء روحاني إلى أنصار التوجه البراغماتي في النظام، وجد من المفاوضات فرصة مناسبة للمضي قدماً بمشروع يدور في مخيلة رجال الدين البراغماتيين... وهو تطبيع العلاقات مع الدول الغربية وفتح أبواب إيران أمام الشركات والمؤسسات. وانطلاقاً من ذلك، فإن توقيع الاتفاق وخروج إيران من العقوبات، أتاحا لطهران الوصول إلى الأموال المجمّدة لكن شرط التزام الحكومة الإيرانية بتبديد المخاوف الدولية المتعلقة. وهو ما أشعل الصراع على المكاسب الاقتصادية من الاتفاق بين الحكومة والحرس الثوري... الذي وفق الإحصائيات غير الرسمية يسيطر اليوم على نحو 40 في المائة من الاقتصاد الإيراني.
جدير بالذكر، أنه خلال العامين الأخيرين، لم يفوّت خامنئي خطابا دون إطلاق حزمة جديدة من المصطلحات تثار وراء غبار من الانتقادات التي هدفها الضغط والتحكم بالحكومة. وفي كل الخطاب، كان خامنئي يشير بطرق مختلفة إلى «تهديدات موجهة للثورة» و«محاولات لإضعافها»، داعيا إلى إعادة إنتاج مفاهيمها في مختلف مستويات المناهج التعليمية، فضلاً عن تأكيده «ثورية» الحكومة والبرلمان ومجلس خبراء القيادة والحوزات العلمية.
خامنئي مع المحافظين
لقد كانت رغبة خامنئي واضحة إبّان الانتخابات الرئاسية الأخيرة بانتخاب رئيس محافظ مقرّب من توجهاته، وخاصة أن تلك قد تكون آخر انتخابات رئاسية في زمن المرشد الحالي. إلا أن وجود فريق روحاني في الجهات السيادية المسؤولة عن تنفيذ الانتخابات، لعب دوراً كبيراً في انتصار روحاني على إبراهيم رئيسي، المرشح المحافظ المدعوم من مؤسسات «المرشد». وكان روحاني قد هاجم سياسات الأجهزة التابعة للمرشد بأشد العبارات أثناء الحملة الانتخابية، وهو ما جعله يتفادى ما أظهرته استطلاعات الرأي من تراجع شعبيته وتقاربه مع رئيسي في الأيام الأولى من الحملة.
في المقابل، جوبه روحاني بانتقادات شرسة من خصومه، لكنه سعى للعزف على الأوتار الخطيرة بالنسبة للشارع الإيراني. ودخل على خط الوعود بتخفيف الضغوط الأمنية والتدخل في الحريات العامة والانفتاح في الشارع الإيراني. وهو ما جعله يحقق فوزاً أسهل مما كان متوقعاً، وإن كان رئيسي حصد نسبة أصوات لافتة قد تجعل التيارين المعتدل والإصلاحي تحت ضغوط مضاعفة في السنوات المقبلة.
وبعد خروج نتائج الانتخابات، انتقد خامنئي بشدة مواقف الرئيس الإيراني المنتخب. وفي كل خطاب جديد صعد خامنئي من نبرته في إطار ما اعتبره محللون «عملية ترويض» لروحاني. ولم يتأخر روحاني المنتعش بـ23 مليون صوت، بالرد على خامنئي، مستخدماً الفنون البلاغية المعروفة للدفاع عن نفسه ومهاجمة منتقديه. وبلغت حدة الحوار مستويات عالية، إلى حد لجوء خامنئي إلى التلويح بعزل روحاني... بحضور كبار المسؤولين.
الضغط على الرؤساء
في الواقع، يعرف خامنئي خلال ثلاثة عقود من سنوات توليه «ولاية الفقيه»، بمواقفه الضاغطة على رؤساء الجمهورية وتقويض صلاحياتهم في تنفيذ الدستور، ولكن تلك كانت المرة الأولى التي بلغت الخلافات العلنية مستوى تحذير خامنئي من تكرار «سيناريو» أول عزل سياسي للرئيس الإيراني، أي عندما عزل آية الله الخميني الرئيس أبو الحسن بني صدر، أول رئيس إيراني منتخب عام 1981.
كانت إشارة خامنئي، بعد أسبوعين من إطلاقه عبارة «حرية إطلاق النار»، عندما انتقد ما وصفه بـ«عجز الجهاز المركزي عن إدارة الملف الثقافي»، عندما كان يلقي بكلمة أمام مَن يُعرفون بـ«ضباط الحرب الناعمة». وهذه تسمية الجيش الإلكتروني الإيراني التابع لقوات الباسيج - التابعة بدورها - للحرس الثوري، وهو من جماعات الضغط المثيرة للجدل في إيران.
ومع أن خامنئي عاد بعد نحو أسبوعين من إطلاق عبارته المثيرة للجدل إلى توضيحها في خطبة صلاة العيد، فإن تفسير العبارة بدوره عمّق الانقسام.
اليوم يحيل فريق من المراقبين المحليين سلوك خامنئي بعد الانتخابات إلى إدارة الأوضاع الداخلية بعد ما أفرزته الانتخابات من تعزيز للتيار المطالب بالانفتاح وتخفيف الأجواء الأمنية.
في المقابل، لا يبدو أن لدى روحاني أي نية لتقديم تنازلات لـ«المرشد». وحقاً، يسابق روحاني حاليا الزمن لتشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما يعتبره المحللون من أسباب التصعيد الكلامي الأخير بين «المرشد» وروحاني الذي يواجه ضغوطاً من تيارات متحالفة حشدت الإيرانيين للوقوف إلى جانبه في أيام الانتخابات، في حين يعتمد روحاني على تجربته في شغل منصب سكرتير مجلس الأمن القومي لفترة 16 سنة في مواجهة ضغوط «المرشد».
وبخلاف خامنئي، الذي بدأ في موقف القلق من الانقسام، فإن روحاني يؤكد انقسام الإيرانيين. وفي أحد خطاباته بعد فوزه، قال إن «انتخابات الرئاسة لم تكن لاختيار شخص من بين اثنين أو عدة أشخاص، بل المفاضلة بين فكرتين. والشعب فضل الفكر الذي وضع أساسه على مسار مستقبل البلاد». كذلك خاطب الرئيس المجدّد له كبار المسؤولين الذين يعارضون سياساته في خطاب لاحق، قال فيه: «لست أعلى من الأنبياء والأولياء، انقسام البلد إلى قطبين نتيجة لقلة صبركم! تحملوا الاختلاف».
التناقض بين «القطبين»
وبالفعل، كانت الحملة الانتخابية لروحاني عبارة عن مواقف متناقضة لمواقف «المرشد». ولعل أبرز القضايا الخلافية بين الرجلين هي «شبح الحرب»، ففي حين أكد روحاني في عدة مناسبات الأثر الإيجابي لسياسة «التعامل مع المجتمع الدولي» والمفاوضات النووية بدلاً من التوتير لإبعاد سيناريو الحرب، رأى خامنئي أن «القوة الدفاعية والصاروخية وصمود الشعب الإيراني سبب تراجع سيناريو الحرب». وهذا الموقف من «المرشد» دفع روحاني إلى خيار الاستقواء بالصواريخ الباليستية في أيام الانتخابات. واتهم الحرس الثوري بمحاولة «قلب طاولة» المفاوضات عبر عرض المواقع الصاروخية تحت الأرض وتجربة صاروخ «عماد» الباليستي، بينما كانت طهران والمجموعة 5+1 تتأهب لإعلان دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ.
وتلاعب روحاني مرة أخرى بنيران الحرس الثوري عندما وصفه بـ«الحكومة التي بيدها البندقية ولا يستطيع أحد منافستها في الاقتصاد والسياسة والإعلام». وهذه الرسالة من روحاني كانت شديدة الوضوح، ما استدعى رداً عنيفاً من قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري الذي توعده بالهزيمة والاستسلام. بل حتى قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني - الذي يلعب عادة دوراً محايدا في النزاعات الداخلية - خرج عن صمته، وقال إن «بقاء إيران من وجود الحرس الثوري». وحذّر الرئيس من أن إشاعة التشكيك بالأجهزة الثورية «خيانة كبرى». أما علي سعيدي، ممثل خامنئي، في الحرس الثوري، فقال إن شعار التعامل مع المجتمع الدولي (أي شعار روحاني) «وسيلة أميركا للتغلغل في إيران».
{الحرس الثوري} يصعّد
ثم عقب الانتخابات شكل الاعتداء في طهران على مقر البرلمان ومرقد الخميني من تنظيم داعش فرصة للحرس الثوري لتعزيز موقعه في الداخل الإيراني، إضافة إلى تعزيز الدفاع عن دوره في سوريا والعراق. وكان الحرس الثوري قد أعلن عن إطلاقه صواريخ باتجاه محافظة دير الزور السورية ردا على تلك الهجمات. واستغلت وسائل الإعلام المقربة من الحرس إطلاق الصواريخ للرد على انتقادات روحاني ضد برنامج صواريخ الباليستية.
إن الإحساس العام في إيران حالياً، هو أن خلافات الحكومة والحرس الثوري ذات مضمون اقتصادي قبل أي خلاف آخر. ولعل ثاني أهم قضية خلافية بين «المرشد» وروحاني حملت عنوان «الاقتصاد المقاوم»، وهذه العبارة ترمز للضغط على سياسات الحكومة الاقتصادية، وخاصة إطلاق يد مجموعة «خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية للحرس الثوري، للقيام بنشاط كبير في الاقتصاد الإيراني. وهذا ما يرفضه روحاني لاعتقاده بأن وجود الحرس الثوري يدفع المستثمرين إلى رفض الدخول في المشروعات الاقتصادية خشية التنافس مع الحرس الثوري.
أيضاً، إلى جانب الحرس الثوري، تشهد إيران مواجهة غير مسبوقة بين الحكومة والقضاء. وكان القضاء قد تعرض لهجوم لاذع من روحاني إبان الانتخابات الرئاسية. وكان المتحدث باسم القضاء غلام حسين محسني أجئي من بين المتهجمين على روحاني في الأيام الأخيرة، إذ اعتبر هجوم روحاني على القضاء والحرس الثوري مقدمة لـ«فتنة جديدة»، مضيفا أن الهجوم المتزامن على القضاء والحرس الثوري «سابقة خطيرة». وفي إشارة تحذير وتهديد لروحاني قال إن «أبو الحسن بني صدر اغترّ بأصوات الإيرانيين لمهاجمة الحرس الثوري».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.