سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»

لعبة المال والرياضة والسياسة في تونس

سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»
TT

سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»

سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»

فاجأت رئاسة الحكومة التونسية الرأي العام الشعبي والدولي مجددا بسلسلة من قرارات المُصادرة والإيقاف التي شملت شخصيات اتهمتها بالضلوع في التهريب وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع ضمن ما وصفته بـ«الحرب الشاملة على الفساد». وأحدثت هذه الحملة صدى إعلامياً وشعبياً كبيراً، لأنها لم تقتصر على بعض كبار المتهمين بالضلوع في التهريب وفي التهرب من الضرائب، بل شملت أيضاً شخصيات مالية واجتماعية وسياسية بارزة. وكانت المفاجأة أن بين من وصفهم الإعلام بـ«الحيتان الكبيرة» رجال أعمال يلعبون منذ سنوات دوراً في الصف الأول على رأس أكبر الأندية والجمعيات الرياضية والأحزاب السياسية مثل سليم الرياحي رئيس النادي الأفريقي الفائز بكأس تونس لكرة القدم هذا العام، وشفيق جراية أحد أبرز مموّلي النادي الصفاقسي، وياسين الشنوفي المرشح السابق لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2014 وأحد المقرّبين من أصهار الرئيس الأسبق لتونس قبل ثورة 2011 زين العابدين بن علي، والنجم التلفزيوني سمير الوافي.
مرة أخرى تقترن ما دُعيت «الحملة على الفساد في تونس» بما يسمى بـ«لعبة المال والرياضة والإعلام والسياسة»... وهو ما ذكّر المراقبين بصراعات مماثلة على المواقع ومراكز النفوذ شهدتها تونس طوال السنوات الـ60 الماضية، وأخرى فجّرتها بحملة المصادرة لأملاك مئات من أفراد عائلات الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعدد من وزرائه.

أصغر مرشحي الرئاسة
كان رجل الأعمال الشاب سليم الرياحي، ابن الـ44 ربيعاً، الذي عاد إلى تونس من ليبيا قبل نحو سنتين من سقوط حكم بن علي في تونس وحكم معمر القذافي في ليبيا عام 2011، شخصية غير معروفة بالمرة في بلده... لا سياسياً ولا مالياً ولا إعلامياً. وكل ما يورده القضاة والمحامون القدامى عنه هو أن والده محمد الرياحي فرّ بعائلته من تونس إلى ليبيا خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، وذلك بعد سنوات من ممارسة مهنتي القضاء والمحاماة.
وفي ليبيا، حسب المعلومات المتوافرة، ارتبط محمد الرياحي بسرعة بعلاقات متطورة مع مقرّبين من القذافي إلى أن عيّن على رأس جبهة سياسية قومية عربية معارضة لنظام الحبيب بورقيبة تعمل داخل الأراضي الليبية كانت ترفع شعار «تحرير تونس من عملاء فرنسا والاستعمار الجديد».
في المقابل، يتهم خصوم الرياحي، والد سليم، بالفرار من تونس بسبب ملاحقات قانونية في قضية حق عام. غير أن سليم الرياحي نفسه أورد أن من بين أسباب فرار والده وعائلته إلى ليبيا في أواخر عهد الزعيم الأسبق الحبيب بورقيبة مواقف سياسية.
ولكن فجأة، بعد ثورات «الربيع العربي» وانطلاق حمى المعارك السياسية والانتخابية والاضطرابات الأمنية والاجتماعية في كل من تونس وليبيا... سطع نجم سليم الرياحي.
لمع سليم الرياحي فجأة في المشهد السياسي التونسي ضمن أصغر المرشحين لانتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 مع ثلة من رفاقه الذين أسّس معهم ما عرف باسم الحزب الوطني الحر. يومذاك لم يتوقع أحد أن يفوز الرياحي وحزبه بالمرتبة الثالثة في انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية، مباشرة بعد حزب «نداء تونس» بزعامة الرئيس الباجي قائد السبسي و«حركة النهضة» الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي.
وكان الحدث أن نجح الزعيم السياسي والرياضي الشاب في تصدّر المشهد الإعلامي والحزبي والبرلماني والرياضي الوطني ومنافسة القيادات السياسية التاريخية للنظام القديم وللمعارضة السابقة مثل وزير الخارجية والدفاع الأسبق كمال مرجان زعيم حزب «المبادرة»، وأحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الجمهوري، وحمّة الهمامي زعيم اليسار الراديكالي، ومصطفى بن جعفر زعيم المعارضة الليبرالية الوسطية.

باب التمويل السياسي
إلا أن الصعود السريع الكبير لسليم الرياحي فتح، منذ 2011، جدلا في وسائل الإعلام وصنّاع القرار حيال ملف «المال السياسي»، وذلك وسط تباينات في تقييم ظاهرة تداخل فيها مبكراً المالي والرياضي بالسياسي. واختلفت المواقف بين مساند ومعارض لحق ملياردير شاب عاد إلى تونس فجأة بمنافسة الزعماء والأطراف السياسية الكبيرة و«بارونات» المال والرياضة والأحزاب والنقابات.
بل لقد برز الرياحي، الملياردير المثير للجدل، في موقع ذكّر ساسة تونس وإعلامييها بظواهر مماثلة في أوروبا مثل رئيس الحكومة الإيطالي ورجل الأعمال المثير للجدل سيلفيو برلوسكوني – مالك نادي آ سي ميلان لكرة القدم - أو السياسي ورجل الأعمال الفرنسي برنار تابي الذي امتلك بجانب مواقعه السياسية نادي أولمبيك مرسيليا الرياضي.
وكانت النتيجة أنه رغم ما تميز به سليم الرياحي من كرم مالي مبالغ فيه على أنصاره وعلى المشاركين في اجتماعاته الانتخابية وحملاته الإعلامية، فشلت قوائم حزبه في توظيف الإنفاق السخي انتخابياً في 2011. إذ انتزع حزبه مقعداً يتيماً وهامشياً في البرلمان الانتقالي الذي شُكّل بعد تلك الانتخابات، وعرف بـ«المجلس الوطني التأسيسي».
بل لقد دأبت المواقع الاجتماعية والبرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية على التهكم على الرياحي الذي قيل في 2011 إنه أهدر ملايين الدولارات من أجل مقعد واحد من بين 217 حصل عليه بـ«الإسعاف» بفضل نظام الاقتراع التونسي الذي يسمح للأحزاب الصغيرة وقوائم المستقلين بالفوز ببعض المقاعد بفضل نظام المزج بين نظامي الغالبية والنسبية.

الآلاف في الشوارع
مع هذا، وعلى الرغم من الاتهامات والتهكم، لم ينسحب الرياحي من اللعبة السياسية، بل اقتحم بسرعة عالم الرياضة وتقدّم إلى غرفة قيادة أحد أعرق الأندية الرياضية التونسية منذ 1920... النادي الأفريقي، الذي يعد فريقه الكروي «الأحمر والأبيض» أحد القطبين الكرويين التقليديين في تونس العاصمة مع نادي الترجي الرياضي.
وفي وقت قياسي وظف الرياحي الأزمة المالية للنادي العريق وتسلّم منذ 2012 رئاسته مستفيدا من دعمه المالي السخي للاعبيه وهيئته المديرة ومن شائعات قد تكون مضخمة عن ثروته وعن تنقلاته على متن طائرته الخاصة بين مؤسساته المالية والاقتصادية في تونس وفي العالم أجمع.
وبالرغم من حملات التشكيك في شرعية الشاب الذي احتل بسرعة كراسي متقدمة في عالم الرياضة والمال والسياسة، نجح الرياحي في تجنيد عشرات الآلاف من أنصار فريق النادي الأفريقي في مسيرات وتجمعات ضخمة في الشوارع تهتف باسمه وباسم فريقهم الذي كان منذ حوالي قرن المنافس الشرس لنادي الترجي.
وصعدت شعبية الرياحي سياسياً وإعلاميا مراراً، ثم تقلبت بالتوازي مع نتائج فريق النادي الأفريقي خاصة عندما تعلق الأمر بمقابلات «الديربي» المحلي المنتظرة مع الترجي في العاصمة، أو لقاءات القمم الكروية مع فرق الأندية العريقة خارج العاصمة مثل النجم الرياضي الساحلي (في مدينة سوسة) والنادي الرياضي الصفاقسي (مدينة صفاقس).

أموال أبناء القذافي؟
وقد أطنب خصوم سليم الرياحي، من التونسيين والليبيين، في طرح علامات استفهام حول سر الثراء الكبير الذي نسب إليه وصعوده بنسق سريع إلى مواقع صنع القرار. وزعمت بعض هذه الأوساط أن مصدر أمواله كان صفقات قديمة مع بعض أبناء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي منذ كان طالباً في جامعة طرابلس، ثم بعد سفره إلى بريطانيا مع بعضهم لإكمال دراساتهم واستثمار أموالهم أو «تبييضها».
كذلك ادعى بعض خصوم الرياحي وجود علاقات خاصة مزعومة له مع معتصم القذافي، الرجل الأقوى بين أولاد الزعيم الليبي الراحل، الذي قتل في معارك طرابلس خلال صيف 2011. وكانت استهدفت المعتصم قوات الحلف الأطلسي (ناتو) والثوار المسلحون على حكم والده لأنه كان القائد العام - بعد والده - لكل الأجهزة الأمنية والعسكرية والفرق المختصة في النظام الليبي المنهار.
هذه الرواية عن مصدر ثروة سليم الرياحي تفسّر استهدافه منذ 2012 بعدد من القضايا العدلية التي رفعها نشطاء وسياسيون ليبيون مرارا ضده أمام المحاكم التونسية والدولية. ولقد روّج هؤلاء ضده حملات إعلامية للطعن في مصداقيته، ولا سيما اتهامه بتهريب جانب من أموال المعتصم القذافي من بريطانيا وسويسرا إلى بنوك دولية عديدة بينها البنوك التونسية. غير أن السياسي ورجل الأعمال والرياضة الشاب كان دوماً يكذّب خصومه، ويردّ باتهامهم بمحاولة الطعن في مصداقيته والإساءة إليه لسرعة نجاحاته وزحفه السريع نحو الصدارة في عوالم المال والأعمال والرياضة ومؤسسات الدولة.
الحقيقة، أن سليم الرياحي لم ينكر مطلقاً علاقاته المتطورة السابقة بأبناء العقيد معمر القذافي داخل ليبيا وخارجها... لكنه يفسّر مصدر ثرائه باستثمارات ناجحة قام بها في أوروبا مع شركاء ليبيين وأجانب. ويؤكد دائماً أن سر نجاح تلك الاستثمارات رهانها المبكّر على اقتصاد الخدمات وعلى الوساطات المالية والاقتحام المبكر للاقتصاد الرقمي في مؤسسات بريطانية وسويسرية وأوروبية وعربية. كذلك يفسّر الرياحي نجاحاته المالية في تونس برهانه على المؤسسات التصديرية المعفية من الضرائب والتي تعتمد رؤوس الأموال بالعملات الأجنبية. وهو يعتبر أنه ينبغي - بل، ويستحق - أن يكافأ لأنه جلب أموالاً إلى تونس عوض أن يهرّب الأموال... مثلما يفعل كثرة من المستثمرين.

انتخابات 2019
اليوم، تقول المصادر الحكومية التونسية إن قرار مصادرة أملاك سليم الرياحي، من عقارات وأرصدة وسيارات، تندرج ضمن الحملة التي تشنها منذ أسابيع حكومة يوسف الشاهد على المتهمين بالفساد المالي. وبين هؤلاء بعض نجوم السياسة والشاشات التلفزيونية مثل رجال الأعمال شفيق جراية وياسين الشنوفي ونجيب إسماعيل والإعلامي سمير الوافي، فضلا عن بعض الضباط الكبار في القمارق (الجمارك) والأمن، وكذلك من يوصفون بـ«أباطرة» التهريب على كل من الحدود الليبية التونسية والحدود التونسية الجزائرية، وبين هؤلاء من اتهم بالضلوع في تهريب أسلحة والاتجار غير المشروع فيها. لكن الرياحي صرح لوسائل الإعلام بأنه يساند الحملة الحكومية على الفساد والتهريب والتهرّب من الضرائب. ونزّه نفسه عنها، وأورد أنه يتعرّض مع النادي الأفريقي إلى مضايقات متعمدة لأسباب وصفها بالسياسية بعد تزايد حظوظه وحظوظ حزبه بلعب دور أكبر في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرّرة لعام 2019.
وفي المقابل، تتابع بعض وسائل الإعلام التونسية المقرّبة من الحكومة توجيه اتهامات خطيرة للرياحي وتبرّر قرار مصادرة أملاكه وملاحقته قانونيا بتهمة تبييض الأموال المهرّبة. وهي تهم – كما سبقت الإشارة – ينفيها الرياحي بقوة، ويستدل على ذلك بكونه أودع الأموال التي جلبها من الخارج في البنوك التونسية ولم يستثمرها في المسالك الموازية، كما يفعل المهرّبون والمتهمون بالفساد. كذلك يورد أن التبعات الحالية تستهدفه لأنه أسس مع بعض المعارضين «جبهة للإنقاذ» السياسي طالبت بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها، ودعت إلى تمزيق «وثيقة قرطاج» التي وقّعتها غالبية الأحزاب السياسية والنقابات قبل سنة بحضور الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، وأدّت إلى تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» الحالية التي شاركت فيها 7 أحزاب ليس بينها حزبه الحزب الوطني الحر.
من جهة ثانية، تعرّض الرياحي قبل أسابيع لاتهام من قبل برهان بسيس، مدير المكتب السياسي لحزب الرئيس قائد السبسي، بأنه «قام بتحركات مشبوهة توحي بالتآمر على أمن الدولة». وكان من بين التهم الموجهة للرياحي أنه وحليفه السابق محسن مرزوق، زعيم حزب «مشروع تونس» المنشق عن حزب الرئيس، عقد لقاءً سرياً في أوروبا مع شخصيات عربية تتهمها وسائل إعلام تونسية بأنها تنتمي إلى كتل مناوئة للتغيير السياسي ومعادية لـ«الإسلام السياسي».
إلا أن من بين ما يلفت الانتباه انسحاب حزب محسن مرزوق من «جبهة الإنقاذ» التي شكلها مع الرياحي وفتحه مجددا قنوات حوار مع حزب «نداء تونس» ومؤسسات الحكم، وخاصة مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد. واعتبر المراقبون تغير موقف حزب مرزوق، الذي هو صاحب الكتلة الثالثة في البرلمان، تنصلا من الرياحي، حليف الأمس في «جبهة الإنقاذ»، لأسباب عديدة من بينها دعواته الأخيرة المتعاقبة إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة وتشكيل حكومة تكنوقراط ليس فيها ساسة من الحزبين الكبيرين في البلاد: حزب «نداء تونس» بزعامة الرئيس قائد السبسي ونجله حافظ ورئيس الحكومة الشاهد، و«حركة النهضة» بزعامة الغنوشي التي لديها أكبر كتل البرلمان.
ولعل من بين ما زاد تعقيد ملف سليم الرياحي وشركائه الداعين إلى «القطيعة» مع حكومة «الوحدة الوطنية» الحالية تزايد شعبية هذه الحكومة منذ إعلان حربها الشاملة على الرشوة والفساد وتبييض الأموال. ويمكن أن تؤدي هذه المستجدات إلى تعديل كبير في الحكومة يسفر عن إسناد الغالبية الساحقة من المقاعد إلى حزبي «النداء» و«النهضة» وإبعاد الأحزاب الصغيرة وبينها حزب الرياحي... تحضيراً للانتخابات البلدية العامة المقررة لشهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
في أي حال، قد تتنوّع الصراعات في المرحلة القادمة في تونس، سواءً تواصلت الحرب التي تقودها الحكومة على الرشوة والفساد والتهريب أم توقفت. وفي كل الحالات، أيضاً، قد يجد مزيد من رموز المال والسياسة والرياضة والإعلام أنفسهم في قفص الاتهام بعدما تخلى عنهم «حلفاء الأمس» القريب...



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».