في العشرين من الشهر الحالي، أصدرت المنتجة ذات النفوذ كاثلين كندي قراراً بإعفاء كل من فل لورد وكريس ميلر من المهمّة الصعبة: تحقيق فيلم مسحوب من سلسلة «ستار وورز» الشهيرة، ولو أن المشروع ما زال بلا عنوان. هذا بعد نحو سنتين من العمل معهما على هذا الفيلم المتفرع من سلسلة المغامرات الخيالية - العلمية الشهيرة، إذ كان تعيينهما لإخراج هذا العمل قد تم في السابع من يوليو (تموز) سنة 2015.
* تنجح وتفشل
لم تنبرِ كاثلين كندي لهذا السلوك على نحو مفاجئ؛ لا تستطيع أن تستبدل الخيول والعربة جارية. وليس من الحكمة في شيء إثارة اللغط حول مشروع كهذا، وإطلاق التكهنات السلبية، لأن تغيير مخرج ما يعني أن هناك أزمة تواجه الفيلم، لكن المنتجة واجهت كثيراً من المشكلات والاحتمالات النابعة كلها من حقيقة أن المخرجين اللذين لم يسبق لهما أن عملا في إنتاج ضخم كهذا كانا أقل من جديرين لحمل هذا المشروع من الورق إلى الشاشة، من عرض البحر إلى الأمان، أو بما أننا نتحدث عن مغامرات فضاء: فمن الكوكب البعيد إلى الأرض بسلام.
السائد في هوليوود منذ عقدين أو ثلاثة الإسراع في إسناد الأعمال الكبيرة لمخرجين لم نسمع عنهم سابقاً. بعضهم نجح في الرهان عليه، كما الحال مع روبرت ساندرز («سنو وايت والصياد»، 2012)، وبعضهم الآخر فشل على نحو كبير، كما هو الحال مع أليكس كورتزمان («المومياء»، 2017).
صحيح أن أحداً لا يبدو قادراً على ضمان النتيجة، لكن المنتج ذا الخبرة عليه أن يتمتع بسبب وجيه لاختيار مخرج لا خلفية مناسبة له لكي يقوم بعمل تتجاوز كلفته مائة وخمسين مليون دولار. تصحح المنتجة جنيفر تود، التي عملت مع بن أفلك على فيلمه «يحيون ليلاً» Live By Night، المعلومة حين تقول لي: «لا يمكن الرهان بعشرة ملايين دولار على مخرج لا يعرف طريقه». لكن هوليوود تفعل وتنجح هنا، وتخفق هناك، وفي حالة هذا الفيلم أخفقت.
والذي حدث هو التالي، بتواريخ حدوثه: في الرابع من يونيو (حزيران) 2014، تم الإعلان عن نية القيام بتحقيق فيلم يقود بطولته هان صولو، الشخصية التي كان هاريسون فورد قد أدّاها في الثلاثية الأولى من «ستار وورز»، عندما شاركه البطولة كل من كاري فيشر ومارك هامِل. ففي هذه الأيام، وإلى جانب سينما الأجزاء المسلسلة وإعادات الصنع وأفلام تعود إلى ما قبل الجزء الأول، تنتشر عادة الاشتغال على فرع من الشجرة الأم، وتقديمها في أفلام شبه منفصلة. فولفرين هو فرع من «رجال إكس»، وآيرون مان هو غضن من شجرة «كابتن أميركا». وإذا ما فكرت هوليوود مستقبلاً بتحقيق فيلم عن مسؤول المخابرات البريطانية «مستر M»، الذي نراه في سلسلة أفلام جيمس بوند (يقوم به حالياً راف فاينس)، فإن ذلك سيكون عملاً مسحوباً من تلك السلسلة قد يغيب عنها جيمس بوند نفسه.
بعد نحو عام على الإعلان عن نيّة تقديم شخصية هان صولو في أفلام منفردة، تم الاستغناء عن الكاتب الذي تم تعيينه لوضع سيناريو الفيلم (جوش ترانك). وفي السابع من يوليو، أعلن أن المشروع سيؤول إخراجياً إلى فل لورد وكريس ميلر، اللذين عملا سوياً على فيلم نال نجاحاً لافتاً، هو The Lego Movie، وهو فيلم كرتوني تكلف 60 مليون دولار، واستعاد عالمياً 468 مليون دولار، ما يكفي لدى القابضين على زمام الأمور في هوليوود لإعلان شهادة ميلاد مخرجين جيدين.
* مشكلة ذاتية
على هذا الأساس تم اختيارهما للعمل، وبهذا الطاقم بوشر التحضير في الثاني والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) سنة 2015. مهمّة لا تقل أهمية عن التصوير ذاته، وتحتل أسابيع وأشهر، فهي تضم كتابة السيناريو من جديد، واعتماده كدليل يدوي لكل حقول العمل وميادينه، وعليه يبدأ المخرج والمنتج البحث عن العناصر الفنية المناسبة للعب الأدوار، أو للقيام بالتصوير أو الموسيقى، أو تعيين المنتجين المنفذين الذين سيواكبون يوميات الفيلم من تلك اللحظة وصاعداً.
الأهم أن هذه الفترة أيضاً هي التي يتم بموجبها مراجعة كل خانات الصرف، ليصار إلى تحديد الميزانية المطلوبة وتوفيرها.
في حالة فيلم هان صولو هذه، استمر التحضير نحو سنتين. وبعد بدايته في الثاني والعشرين من ديسمبر سنة 2015، توقف لفترة أشهر، ليبدأ مجدداً في الحادي والعشرين من يوليو سنة 2016. وفي 30 يناير (كانون الثاني) من هذا العام، بوشر بالتصوير.
عند هذه اللحظة بالتحديد، أدركت المنتجة كاثلين كندي ووراءها رئيس شركة وولت ديزني تموم هورن أنهما يواجهان مشكلة، موجزها أن ما في بال هذين المخرجين ليس ما يريدانه لهذا المشروع. ولم يتوقف الأمر على اختلاف وجهات النظر، بل على العمل اليومي خلال التصوير.
وفي الثاني والعشرين من هذا الشهر، تم الإعلان عن أن المخرج رون هوارد سيتسلم دفة إخراج هذا الفيلم، وبالتالي تم صرف المخرجين من الخدمة من دون توجيه كلمة شكر علنية.
كان من بين أهم الاختلافات التي جعلت الجهة المنتجة تقدم على هذه الخطوة، والمخاطرة بسمعة الفيلم الإعلامية، أن الثنائي لورد وميلر كانا يأخذان وقتاً طويلاً في تصوير المشهد الواحد. مجلة «ذا هوليوود ريبورتر» تصف في تقرير لها كيف أنهما ذات يوم خلال تصوير الفيلم في استديوهات باينوود الإنجليزية بدآ العمل الساعة الواحدة بعد الظهر، وقاما بتصوير ثلاث لقطات من مشهد واحد، قبل أن يتوقفا وفريق التصوير عن العمل عند المساء والعودة إلى الحياة الواقعية.
وحين وصل نبأ ذلك إلى كاثلين كندي، دقّت ناقوس الخطر، وتركت لوس أنجليس على عجل للقاء المخرجين وسؤالهما عما يحدث بالتحديد. جوابهما كان أنهما يريدان تحقيق فيلم هما مسؤولان عنه، وليس الجهة المنتجة. هذا يعني، بكلمات أبسط، أنهما يريدان تحقيق الفيلم بأسلوبهما الخاص، وعلى نحو ذاتي، أو شبه ذاتي، بحيث ينتمي الفيلم للمخرج أكثر مما ينتمي للإنتاج.
بمتابعة ما قام المخرجان بتصويره من مشاهد، لوحظ أنهما كانا يستبدلان بالحوار الوارد في سيناريو لورنس كاسدان حواراً آخر يقومان بكتابته.
هذا ليس مسموحاً به في هوليوود؛ لا يهم إذا ما كان المخرج يريد فيلماً يشبهه، إلا إذا كان قد أنجز أعمالاً حققت النجاح التجاري الذي لا يستوجب التساؤل. وحتى في مثل هذه النماذج، فإن فعل المخرج ليس بعيداً عن نظام العمل التقليدي، بل يؤم منطقة الإبداع داخله، وليس خارجه. هذا شأن كريستوفر نولان في سلسلة «باتمان»، أو جيمس كاميرون في فيلم «أفاتار»، وهو ليس شأن لورد - ميلر لأنه ما زال أمامهما سنوات فضائية بعيداً عن الوصول إلى قدرات كاميرون أو نولان.
كان الاجتماع عاصفاً، والمنتجة مارست سيادتها المشروعة على العمل، ورفضت أن يتم تحقيق الفيلم على هوى آخر غير هوى ما تتوخاه هي وشركة وولت ديزني، وما ينتظره الهواة من المشروع. ويقال إنها قالت لهما: «تريدان تحقيق فيلم ينتمي إليكما، ابحثا عن مشروع صغير، وربما وقفت وراءه، لكن لا تلعبان بهذا الفيلم؛ هذا فيلم استديو، وليس فيلم مخرج».
إثر الاجتماع، قاوم المخرجان قيام كندي بتعيين الكاتب كاسدان منتجاً منفذاً، لكن لكي يظهرا حسن النية قاما بتصوير المشاهد تبعاً للسيناريو، وبحوار كل نص مكتوب، ثم إعادة تصوير المشاهد بحوارهما الخاص.
ويقول مصدر على صلة بالعمل: «هذا هو المسمار الذي دق نعش علاقة المخرجين بالمشروع. وفي أواخر الشهر الماضي (مايو | أيار)، طُلب من فل لورد وكريس ميلر التوقف عن العمل، وتم صرفهما». وفي الوقت نفسه، كان البحث عن مخرج يرضى بتكملة عمل بدأه آخر جارياً على قدم وساق. وبعد استعراض قائمة من المخرجين المخضرمين في مجال العمل، تم انتقاء رون هوارد، الذي سبق له أن حقق أفلاماً ناجحة كثيرة. صحيح أن آخر فيلم فضائي أنجزه هو «Apollo 13»، في عام 1995، إلا أن نجاحاته خارج هذا النطاق مشهودة، وتشمل سلسلة «ديفانشي» الثلاث حتى الآن.
* حكايات سالفة
ليس الأمر جديداً لناحية قيام مخرج باستلام مهام فيلم كان قد بدأه مخرج آخر.
هذا يحدث منذ باكورة إنتاجات السينما في مطلع القرن الماضي، ووصل إلى ذروته عندما تمّت إقالة المخرج جورج كوكر من العمل على فيلم «ذهب مع الريح» (1939)، بعدما اشتكاه الممثل كلارك غايبل للمنتج ديفيد سلزنك، قائلاً له: «إنه مخنث، وهو حريص على منح جل اهتمامه للممثلات النساء، وليس للممثلين الذكور؛ لا أريده في هذا الفيلم».
وكان له ما أراد، لكن كوكر كان خلف سام وود، الذي احتل مكان سدني فرانكلين، ثم ترك المهمّة لمخرج رضي كلارك غايبل به، وهو فيكتور فلمنغ.
وفيلم «سوبرمان 2» سنة 1980، كان قد سار شوطاً قبل التصوير في سبيل قيام المخرج رتشارد دونر بتحقيقه. وكان دونر قد أنجز بنجاح ملحوظ «سوبرمان» الأول قبل عامين، ثم اختلف مع المنتجين البريطانيين إيليا وألكسندر سوكيند، خلافاً ليس بعيداً عن ذلك الذي شهده مشروع «هان صولو»، فالمخرج حضّر نفسه لفيلم «جاد» آخر عن شخصية سوبرمان، لكنهما أرادا فيلماً خفيفاً، ما تسبب في نزاعات انتهت بصرفه قبل بدء التصوير، والاستعانة برتشارد آخر هو رتشارد لستر. والعجيب أن لستر حقق فيلماً جاداً، ولو أنه خفيف المعالجة أيضاً؛ كلا الفيلمين ما زال أفضل أفلام سوبرمان إلى اليوم.
قبل ذلك ببضعة أعوام، قام المنتج كلينت إيستوود بتعيين المخرج فيليب كوفمان لتحقيق فيلم من بطولته، هو «الخارج عن القانون جوزي والز»، ليفاجأ بأن أسلوب كوفمان يختلف كثيراً عن أسلوبه هو كمخرج. إيستوود اعتاد دراسة تصميم مشاهده مسبقاً، وتصوير المشاهد على نحو سريع. كوفمان معتاد على الاختيار وقت التصوير، والقيام بتصوير لقطات مختلفة للمشهد الواحد، وإحالة كل شيء للمونتير لكي يتصرف. نتيجة ذلك، قام إيستوود بصرف كوفمان بعد أيام من العمل، وأعاد تحقيق الفيلم بكامله كما أراد هو؛ الفيلم من بين أفضل أفلامه إلى اليوم.
والاستبدال تم على القمّة أيضاً، عندما باشر المخرج ستيفن سبيلبرغ التحضير لتصوير فيلم «كايب فير» (Cape Fear)، لكن الوقت داهمه، إذ كان في ذلك الحين بصدد تحقيق «لائحة شندلر»، فعرض الفيلم الأول على مارتن سكورسيزي الذي اعتذر عنه. هنا، قرر سبيلبرغ تحقيق الفيلم بنفسه، مباشرة بعد فيلم الهولوكوست الشهير، لكنه أخذ بعد حين في البحث عمن يقوم بالمهمة عنه، وكان من بين من رصدهم رومان بولانسكي الذي اعتذر كذلك. وفي نهاية المطاف، أعاد سبيلبرغ الطلب من سكورسيزي الذي وافق على ذلك بعد إلحاح.
ومن الأفلام الكثيرة الأخرى التي تم استبدال مخرج بآخر لها «مونيبول» (بانِت ميلر، عوض ستيفن سودربيرغ)، و«ألعاب حرب» (جون بادهام حل محل مارتن برست)، والفيلم الكلاسيكي «ساحر أوز»، الذي كان من المفترض لرتشارد ثورب تحقيقه (وصوّر أسبوعين منه بالفعل)، لكن جورج كوكر، المطرود من «ذهب مع الريح»، حل مكانه، وأنجز الفيلم.
مشكلات خلف الكاميرا أدت إلى انتقال حرب النجوم من السماء إلى الأرض
هوليوود تنجح وتخفق في اختيار المخرج المناسب
هاريسون فورد الذي لعب شخصية «هان صولو» الأصلية
مشكلات خلف الكاميرا أدت إلى انتقال حرب النجوم من السماء إلى الأرض
هاريسون فورد الذي لعب شخصية «هان صولو» الأصلية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

