الأسد قلق من فتح موالين خطوطاً مع قاعدة حميميم... و«السيد جواد» الإيراني

الأسد قلق من فتح موالين خطوطاً مع قاعدة حميميم... و«السيد جواد» الإيراني
TT

الأسد قلق من فتح موالين خطوطاً مع قاعدة حميميم... و«السيد جواد» الإيراني

الأسد قلق من فتح موالين خطوطاً مع قاعدة حميميم... و«السيد جواد» الإيراني

تسود حال شديدة من الخوف أوساط الدمشقيين من استفحال سطوة موالين للنظام السوري مع اقتراب النظام من إحكام سيطرته الكاملة على دمشق، على غرار ما شهدته مدينة حلب أخيراً من جرائم، وسط اعتقاد بأن الأوامر التي أصدرها بشار الأسد للحد من «مظاهر التشبيح» سيقتصر تنفيذها على الشكليات، لأن نفوذ «الشبيحة» خرج من نطاق سيطرته... وبدأ بعضهم بفتح خطوط مع قائد قاعدة حميميم الروسية أو «السيد جواد» الإيراني المسؤول عن الميليشيات.
وسرت أنباء عن حالة انفلات غير مسبوقة في حلب بعد أن استعادها النظام بالكامل من المعارضة، نهاية العام الماضي، حيث تم تسجيل 48 حالة اغتصاب ارتكبها مسلحون من اللجان الموالية للنظام، و8 جرائم خطف و13 حالة قتل وأكثر 18 حالة سرقة، بحسب مصادر أهلية.
وشهدت أحياء دمشقية في السنوات الخمس الماضية جرائم قتل واغتصاب وخطف بغرض الفدية وسرقة سيارات ومحلات تجارية ومنازل. غالباً ما كانت تحصل وما زالت في إمكان سيطرة «الشبيحة»، وبعضها بالقرب من إمكان وجود حواجز الجيش والقوى الأمنية.
وأكثر ما بدا ازدياد «مظاهر التشبيح» على الأفران وحواجز الشبيحة من خلال التشدد في إجراءات التفتيش بذريعة الدواعي الأمنية، وتوجيه كلمات نابية للمواطنين. وقال لـ«الشرق الأوسط» أحد المواطنين، بعد أن انتظر لساعتين أمام أحد أفران دمشق القديمة للحصول على ربطتي خبر (ثمن الربطة 50 ليرة سورية): «استبشرنا خيراً بعد صدور الأمور، لكن الوضع يبدو أنه يذهب إلى الأسوأ»، ذلك أن الأولوية في الحصول على المادة لـ«الشبيحة» الذين باتت مادة الخبز تشكل لهم تجارة مربحة على الأرصفة كون الربطة تباع بثلاثة أضعاف ما تباع في الفرن.
وكان بشار الأسد عَبَّر خلال اجتماعه مع الحكومة أخيراً عن انزعاجه من إغلاق بعض المسؤولين للطرق لمرور مواكبهم، معتبراً أن ذلك «أمر غير مقبول». وطالب الوزارات المعنية «باتخاذ الإجراءات الرادعة والضرورية لوقف هذه المظاهر».
وجاءت الحملة على «مظاهر التشبيح» بعد أسابيع من صدور قرار عن وزارة الدفاع في حكومة النظام قضى بإتلاف كل البطاقات الأمنية باستثناء البطاقات الصادرة عن مكتب الأمن الوطني.
وتشكلت «لجان الدفاع الشعبي» مع بداية الأحداث في سوريا في عام 2011، بدعم من إيران، لمساعدة النظام بكبح الحراك السلمي. وضَمَّت في صفوفها العاطلين عن العمل والمتقاعدين ومتعاطي المخدرات وأصحاب السوابق. وتم تنظيمها بعدة مسميات منها «قوات الدفاع الوطني» و«كتائب البعث» و«جمعية البستان» وغيرها، إضافة إلى استقدام ميليشيات إيرانية وعراقية ولبنانية منها ميليشيا «حزب الله».
وأصبح لاحقاً يطلق على متنسبي تلك اللجان لقب «الشبيحة» كونهم أصبحوا مصدراً للشؤم والخراب، حيث يحلون تحل المصائب على المدنيين أينما وُجِدوا، وعلى خلفية الجرائم والممارسات غير الأخلاقية التي يقومون بها بحق الأهالي.
وبعد أكثر من ست سنوات من الحرب، برز في شكل واضح دور «الشبيحة» في مناطق قوات النظام، وباتت لهم الكلمة العليا. وتقدر مصادر مطلعة عدد منتسبي تلك الميليشيات بـ60 ألفاً، على حين تراجع تعداد جيش النظام إلى ما بين 60 إلى 70 ألفاً بعد أن كان قبل الثورة نحو 350 ألفاً.
واستطاع أغلبية «الشبيحة» تكوين ثروات كبيرة نتيجة أعمال السلب والنهب والابتزاز وغيرها، الأمر الذي يدل عليه البذخ اليومي الذي يمارسه هؤلاء على حياتهم بشكل يومي وامتلاك أحدهم لعدة سيارات فارهة، وأكثر من منزل، وهو ما رسخ تمايزاً طبقيّاً واجتماعيّاً، عبر ظهور هذه الفئة الجديدة «حديثة النعمة» في مجتمع بات يعيش معظم أفراده تحت خط الفقر.
وتشهد شوارع دمشق انتشاراً كثيفاً لعناصر شرطة المرور والأمن الجنائي بهدف تطبيق أوامر الأسد، حيث يتم إيقاف كثير من السيارات المخالفة، إما لوضعها لاصقاً أسود على الزجاج يمنع رؤية مَن بداخلها أو لعدم وجود لوحات عليها.
ولكن يلاحَظ حدوث جدل كبير بين أصحاب تلك السيارات، الذين غالبا ما يكونون من «الشبيحة» وعناصر الشرطة والأمن، وانتهاء ذلك الجدل برفض أصحاب تلك السيارات إزالة اللاصق إلا القليل منهم.
وبدأ النظام منذ يومين بإزالة حواجز تابعة لقواته الأمنية وبعض الميليشيات، مع الاحتفاظ بحواجز عسكرية تابعة للقيادة العامة لجيش النظام على المداخل والمخارج الرئيسية، على أن تكون مدن دمشق وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس خالية من الحواجز، بداية الشهر المقبل، بحسب مصادر بدمشق.
ويشكك الأهالي بقدرة النظام على إزالة كثير من الحواجز على مداخل مناطق وأحياء في داخل وعلى أطراف العاصمة، مثل منطقة «مزة 86» و«السومرية» و«حي التضامن»، لأن الشبيحة باتوا الحاكم الفعلي.
وقال أحدهم لـ«الشرق الأوسط» إن «السلطة والنفوذ اللامحدود الذي منحه النظام لتلك الميليشيات دفعها للتمرد على النظام ذاته»، وهو الأمر الذي سبق أن حذر منه كثير من المراقبين، بأن السيطرة على تلك الميليشيات في المستقبل ستكون صعبة جداً.
ويتداول كثير من المقربين من عناصر تلك الميليشيات أحاديث عن رفض كثير منهم الذهاب إلى جبهات القتال، بذريعة أنهم انتسبوا إليها «للدفاع عن أحيائهم فقط».
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل تعداه إلى منع هذه الميليشيات عناصر الأجهزة الأمنية من الدخول إلى تلك المناطق، في حال كانوا في مهمة لجلب مطلوبين، ولوحظ حصول اشتباكات عنيفة لعدة مرات بين الجانبين على أطراف تلك الأحياء والمناطق، وسقوط قتلى من كلا الطرفين.
ووفق شاهد عيان، فإن عدداً من عناصر الميليشيات أثخنوا جابي مؤسسة الكهرباء ضرباً لدى توجيهه إنذارات لأصحاب المنازل المتخلفين عن دفع الفواتير في إحدى تلك المناطق.
في المقابل، يشير شهود عيان إلى أن النظام تمكَّن من فرض سلطته على حاجز منطقة عش الوعر شمال دمشق، حيث نشر عناصر من «الفرقة الرابعة»، وأزاح الشبيحة الذين أذاقوا الأهالي، خصوصاً من حي برزة وريف دمشق الشمالي المرارة جراء عمليات الخطف التي كانوا يمارسونها.
ويرى مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن حملة النظام على «مظاهر التشبيح» قد تكون ناجمة عن عدة أسباب «أولها أن روسيا دفعت الأسد إلى ذلك من أجل زيادة شعبيته تمهيداً للانتخابات مقبلة، بعد التفاهم على إجرائها مع الأميركيين، والثاني: قلق الأسد من احتمال وقوع مواجهات ما بين الشبيحة والقوات الروسية والإيرانية التي ستنتشر في محيط دمشق، بحسب ما سربت الرئاسة التركية، والثالث أن روسيا وإيران ضغطوا على الأسد لقمع تجاوزات الشبيحة الذين باتوا تجار سلاح يزودون به التنظيمات الإرهابية والمعارضة، وهذا ما دفع الأسد إلى تكليف المخابرات الجوية أوائل العام الحالي بملاحقة مظاهر السلاح ومتابعتها، علما بأن هذا الأمر من اختصاص الأمن الجنائي التابع لوزارة الداخلية».
ووفق هؤلاء المراقبين، فإن بين الأسباب أن «زعماء الميليشيات تحولوا إلى خطر محتمل على سلطة الأسد، خصوصاً أن بعضهم فتح خطوط اتصال مع الروس في قاعدة حميميم، ومع الإيرانيين عبر قائد القوات الإيرانية في سوريا سيد جواد». ويقول أحدهم: «السيد جواد هو بشار الأسد في سوريا».
ويُقدر راتب عنصر الميليشيات بين 30 إلى 60 ألف ليرة سورية شهريّاً (الدولار الأميركي يساوي نحو 550 ليرة)، وأغلبها تدفعها إيران، بينما تصل رواتب عناصر الميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية إلى ما بين 200 إلى 800 دولار. وبحسب المراقبين، فإن ولاء معظم الميليشيات السورية بات لإيران على غرار «حزب الله» اللبناني وهو ما يقلق الأسد.
ويضيف أحدهم: «الشيخ المبارك زعيم عشائري كبير في حماة، بات على علاقة ممتازة بالضباط الروس في حميميم، وهو ينحدر من قرية أبو دالي، وهي أحد طرق تجارة السلاح ما بين مناطق النظام وإدلب»، التي تسيطر عليها جبهة النصرة وميليشيات مسلحة أخرى.
وقالت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن موكب مسؤول كبير تواجَه مع موكب زعيم ميليشيات «صقور الصحراء» أيمن جابر، الأمر الذي دفع الأسد إلى سجن جابر لمدة 15 يوماً في الاستخبارات الجوية.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».