إنها اللافتة الأكبر والأكثر ارتفاعاً فوق كل متاجر باريس الكبرى، تلك التي تدل على سلسلة مخازن «تاتي»، في حي بباريس الشعبي في باريس. وفي حال نزع تلك اللافتة أو تغييرها، يفقد الجزء الشمالي من العاصمة الفرنسية معلماً بارزاً من معالمه حيث استقرت مخازن تتيح لمحدودي الدخل شراء كل ما يخطر على البال من ثياب وحلي ذهبية وأدوات منزلية ومدرسية ومستحضرات تجميل بسعر يتراوح بين نصف يورو ولا يتجاوز مائة يورو لفساتين الأعراس.
بعد شهرين من المعارك القضائية، أعلنت الشركة المالكة لسلسلة متاجر «تاتي»، بيعها إلى فيليب غينستيه، رجل الأعمال المتخصص بتجارة البضائع المتدنية السعر. وتعهد المالك الجديد بالحفاظ على 1428 عاملاً وعاملة من مجموع 1700 يشتغلون في 140 فرعاً عائداً للشركة. وتضمنت الصفقة ترتيبات ثانوية كثيرة منها تخصيص مليوني يورو لمساعدة العمال المصروفين من الشغل في سلسلة المخازن الشهيرة بأكياسها الزرقاء والزهرية وبسمعتها التي تعد الزبائن بأرخص الأسعار بحيث إنها كانت تحمل لقب: سوق الفقراء.
ظهرت علامة «تاتي» في الفضاء الباريسي عام 1948 على يد جول واكي، وهو صانع سروج يهودي من مواليد ضاحية حلق الوادي البحرية في تونس، هاجر إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية واشتغل بتجارة المنسوجات الزهيدة الثمن. وفتح واكي أول دكان له في جادة روششوار، الحي الذي يقطنه المهاجرون المغاربة شمال باريس، بمساحة لا تزيد على 50 متراً مربعاً. أما الاسم فقد أراد واكي تسمية على دكانه «تيتا»، تيمناً بجدته أستير التي ينادونها «تيتا»، لكن هذا الاسم كان مستخدماً في متجر آخر فاختار «تاتي»، وكان البيع يتم بطريقة الخدمة الذاتية، حيث تتكوم القمصان والسراويل والجوارب في سلال على الرصيف، ينبش فيها الزبون ليجد حاجته ومقاساته. وبفضل الأسعار المتدنية، حقق المتجر نجاحاً سريعاً حتى وصفته الصحافة بأنه «أسهم في ديمقراطية الموضة» والثياب العصرية التي كانت متاحة للميسورين فحسب. وكان من عوامل رواجه، أيضاً، اللونان الأزرق والزهري اللذان اختارهما للافتاته وأكياسه، وهما اللونان المفضلان في ثياب نجمة السينما الصاعدة، آنذاك، بريجيت باردو. وواصل المتجر الصغير توسعه بشراء الدكاكين المحيطة به حتى بلغت مساحته، أواخر السبعينات، 2800 متر مربع.
بعد النجاح الباريسي المدوي فتح «تاتي» فرعاً له في مناطق أخرى من العاصمة وغيرها من مدن فرنسا، كما تمدد إلى عواصم أوروبية أخرى حتى وصلت فروعه إلى الولايات المتحدة الأميركية، واستقر أحدها في الجادة الخامسة، أرقى عناوين نيويورك. وبالطموح الذي لا يعرف الحدود، فتح أقساماً لثياب الأعراس وخاض ميدان بيع الذهب والمجوهرات والهواتف والسفريات والعوينات الطبية. وبلغ التحدي أقصاه حين راح يطلب من كبار المصممين المساهمة في تصميم مجموعاته من الثياب. وكان التونسي عز الدين علايا أول من تحمس للفكرة ورسم بلوزات وفساتين تحمل علامة «تاتي». وكانت الأزمة الاقتصادية التي تضرب فرنسا منذ سنوات قد وسعت من دائرة الزبائن فلم يعد المتجر مقصوراً على الفقراء بل صار مقصداً للطبقة المتوسطة.
مع رحيل جاك واكي عام 1982 انتقلت إدارة السلسلة إلى زوجته وأولاده. لكن شهرة «تاتي» بدأت تخفت بعد ظهور منافسين يقدمون موضة شبابية بأسعار متهاودة، مصنوعة بأيدي عاملة رخيصة في شرق آسيا وفي شمال أفريقيا. وكانت النتيجة دخول رؤوس أموال خارجية في الشركة الأم ثم تراجع مبيعاتها بحيث لم يكن أمامها سوى البيع أو الإفلاس. وهو ما حسمته المحكمة التجارية في باريس، مطلع الأسبوع.
13:30 دقيقه
بيع «تاتي» متجر الفقراء التاريخي في فرنسا
https://aawsat.com/home/article/962516/%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%C2%AB%D8%AA%D8%A7%D8%AA%D9%8A%C2%BB-%D9%85%D8%AA%D8%AC%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7
بيع «تاتي» متجر الفقراء التاريخي في فرنسا
استعار الأزرق والزهري من بريجيت باردو وشعاره «الأسعار الأرخص»
من كان يتوقع خسارة متجر الفقراء؟
بيع «تاتي» متجر الفقراء التاريخي في فرنسا
من كان يتوقع خسارة متجر الفقراء؟
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

