هجوم فنزبري بارك يعكس ازدياد منسوب «الإسلاموفوبيا» في بريطانيا

ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز خلال زيارته مسجد فنزبري بارك أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار صورة ضحية حادث الدهس مكرم علي التي أفرج عنها أمس (أ.ف.ب)
ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز خلال زيارته مسجد فنزبري بارك أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار صورة ضحية حادث الدهس مكرم علي التي أفرج عنها أمس (أ.ف.ب)
TT

هجوم فنزبري بارك يعكس ازدياد منسوب «الإسلاموفوبيا» في بريطانيا

ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز خلال زيارته مسجد فنزبري بارك أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار صورة ضحية حادث الدهس مكرم علي التي أفرج عنها أمس (أ.ف.ب)
ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز خلال زيارته مسجد فنزبري بارك أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار صورة ضحية حادث الدهس مكرم علي التي أفرج عنها أمس (أ.ف.ب)

«أريد أن أقتل كل المسلمين». بهذه العبارة لخّص دارين أوسبورن (47 عاماً) هدف هجومه على المسلمين الخارجين من مسجد فنزبري بارك بشمال لندن، ليلة الأحد.
وفي حين لم تؤكد الشرطة بعد ما إذا كان أوسبورن ينتمي إلى جماعة أم أنه تصرّف بمفرده، فإن ما قام به يعكس ازدياداً واضحاً في منسوب الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا. فما أبرز الجماعات التي تقود حملة الكراهية هذه، وما أهدافها، وكم حجمها؟ ليس هناك في حقيقة الأمر أي حزب سياسي من الأحزاب الكبرى في بريطانيا يتبنى توجّهاً معاديا للمسلمين نتيجة انتمائهم الديني، بل بالعكس تتنافس هذه الأحزاب على استقطاب الناخبين المسلمين وتدفع بمرشحين من وسطهم لتمثيلها في البرلمان، لا سيما في الدوائر التي يمثّل المسلمون شريحة لا بأس بها من سكانها (هناك حالياً 15 نائباً مسلماً في مجلس العموم ينتمون إلى أحزاب مختلفة).
وسارع حزب المحافظين الحاكم وحزب المعارضة الرئيسي، حزب العمال، إلى استنكار هجوم فنزبري بارك والتضامن مع ضحاياه وزيارة مسجده وطمأنة مسلمي المنطقة. وعلى الرغم من الهجمات الإرهابية الثلاث التي شهدتها بريطانيا في الشهور الماضية وتبناها تنظيم داعش (أي هجوم «الدهس» على جسر وستمنستر، وجسر لندن بريدج، وتفجير قاعة إرينا في مانشستر)، فإن قادة الأحزاب الرئيسية اعتمدوا خطاباً ابتعد عن التحريض ضد دين معين نتيجة انتماء المهاجمين إليه، وإن كانت رئيسة الوزراء تيريزا ماي عبّرت عن موقف أكثر تشدداً من غيرها، من خلال إعلانها أن «الكيل طفح» من «آيديولوجية التطرف الإسلامي الشريرة».
وكان «حزب استقلال المملكة المتحدة» الوحيد من بين الأحزاب المعروفة الذي تبنى خطاباً سياسياً يستهدف شرائح من المسلمين خلال حملة الانتخابات الأخيرة. فقد نص في برنامجه الانتخابي على سن قانون يمنع ارتداء النقاب. وكان هذا الحزب قد تبنى أيضاً موقفاً وُصف بأنه يتضمن تحريضاً واضحاً ضد المسلمين، عندما نشر إعلاناً - خلال حملة الاستفتاء على بقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبي قبل عام - ظهر فيه آلاف اللاجئين من بلدان مسلمة وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا، في تحذير واضح من أن القارة العجوز تتعرض لـ«غزو» إسلامي. وتتشارك صحف يمينية وشعبية عدة في تبني خطاب مشابه من خلال تسليط الضوء في عناوينها على تصرفات مسيئة يقوم بها مسلمون في بريطانيا، أو من خلال إبراز مطالب ومواقف لبعض الإسلاميين الذين يطالبون بـ«تطبيق الشريعة»، ويرفضون اندماج المسلمين في إطار المجتمع البريطاني «الكافر».
في مقابل ذلك، برز في السنوات الماضية اسم جماعة «رابطة الدفاع الإنجليزية» التي تبنت خطاباً صريحاً ضد الإسلام كدين، وإن كان المبرر لذلك هو وجود «متطرفين» في وسط المجتمع المسلم. وظهرت هذه الجماعة للمرة الأولى في شكل علني عام 2009، وإن كانت جذورها تعود إلى ما قبل ذلك. ونشأت الرابطة في شكل منظم بوصفها رد فعل على مظاهرات دأب على تنظيمها مؤيدون لجماعة إسلامية متطرفة في مدينة لوتون شمال لندن وفي مدن أخرى، وكانوا يرفعون خلالها شعارات تندد بجنود بريطانيين قُتلوا في العراق وأفغانستان وتعتبر أنهم ذاهبون «إلى نار جهنم»، كونهم قاتلوا في بلدان مسلمة. وأثارت مظاهرات هؤلاء الإسلاميين المتشددين المرتبطين برجل الدين المثير للجدل أنجم تشاودري (المسجون حالياً بتهمة الترويج لـ«داعش») رد فعل معاكساً من شريحة من الشباب البريطانيين، الذين تكتلوا ضمن ما بات يُعرف بـ«رابطة الدفاع الإنجليزية». وأنشأت هذه الرابطة فروعاً لها في مناطق بريطانية عدة، لكن مظاهراتها كانت تضم غالباً بضع عشرات فقط، أو بضع مئات في أقصى حال، ما عكس أن حجمها الشعبي محدود ويعتمد بوضوح على شرائح من الشباب من أبناء الطبقات الفقيرة، الذين يقطنون في مناطق شعبية تشهد ارتفاعاً في نسبة البطالة وازديادا في نسبة سكانها المسلمين. واعتبر أنصار «الرابطة الإنجليزية» أن ازدياد أعداد المسلمين يؤدي إلى تغيير طبيعة المجتمع البريطاني.
ويقود «رابطة الدفاع الإنجليزية» حالياً تيم أبليت (من مقاطعة دورست بغرب إنجلترا) الذي أوقفته الشرطة عام 2010 في إطار تحقيق في مؤامرة مزعومة لتفجير مسجد في مدينة بورنموث؛ لكنها أفرجت عنه من دون توجيه أي تهمة. وهو تولى زعامة «الرابطة» في عام 2013 عقب استقالة زعيمها السابق تومي روبينسون، الذي على الرغم من تركه هذه الجماعة فإنه يظل أحد أبرز الوجوه المعروفة بإطلاق مواقف مثيرة للجدل في خصوص التصدي لـ«الأسلمة» في المجتمع البريطاني. واستضافت قناة «آي تي في» في برنامجها الصباحي أمس روبينسون الذي شن حملة شعواء ضد الدين الإسلامي واتهمه بالإرهاب والعنف، ما دفع بمقدمي البرنامج إلى اتهامه بالعنصرية. واتهم روبينسون في أعقاب التفجير الانتحاري في مدينة مانشستر في مايو (أيار) الماضي، الحكومات البريطانية بأنها عاجزة عن التصدي للإسلاميين المتشددين. وشارك روبينسون في عام 2015 في جهود لافتتاح فرع بريطاني لجماعة «بيغيدا» الألمانية المعادية للمسلمين. وهو يعمل حالياً إعلامياً في موقع كندي يميني متطرف (ذا ريبيل ميديا).
وفي الواقع، الهجوم على المسلمين في فنزبري بارك ليس العمل الإرهابي الأول الذي يستهدفهم في بريطانيا. ففي عام 2013. قتل الطالب الأوكراني النازي بافلو لابشين المسنّ المسلم محمد سليم (82 عاماً) وحاول تفجير مساجد في وسط إنجلترا على أمل إشعال «حرب عرقية». وبعد ذلك بعام سُجن إيان فورمان وهو من النازيين الجدد لفترة 10 سنوات، لتآمره لتفجير مساجد في منطقة «ميرسي سايد» بشمال غربي إنجلترا.


مقالات ذات صلة

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)

تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

وصفت الجزائر علاقاتها مع فرنسا، في ظل التوترات المستمرة منذ نحو عامين، بأنها تمرّ بحالة من «الرِدّة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (أ.ف.ب)

الأمن المغربي يفكّك خلية إرهابية في 4 مدن

تمكّنت قوات الأمن المغربي، خلال الـ24 ساعة الماضية، من تفكيك خلية إرهابية تتكون من ستة أشخاص في أربع مدن مغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شؤون إقليمية انتشار كثيف للشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقرُّ القنصلية الإسرائيلية في حي بيشكتاش بإسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين استهدفوه الثلاثاء (أ.ف.ب)

استهداف القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول... والشرطة تقتل مهاجماً وتقبض على اثنين

حددت السلطات التركية هوية 3 أشخاص اشتبكوا مع عناصر الشرطة، التي تتولى تأمين مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة الآخرَين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس (رويترز)

حاكم فلوريدا يوقع قانون تصنيف «الإرهاب» ويثير مخاوف إزاء حرية التعبير

وقع حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس قانوناً يمنحه وغيره من مسؤولي الولاية سلطة تصنيف الجماعات «منظمات إرهابية»، وطرد الطلاب الذين يدعمونها.

«الشرق الأوسط» (فلوريدا)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.