صفقة بين «داعش» ودمشق... آخر فصول «نكبة» مخيم اليرموك

النظام توقف عن قصف «عاصمة الشتات» بعد سيطرة التنظيم

TT

صفقة بين «داعش» ودمشق... آخر فصول «نكبة» مخيم اليرموك

عاد الحديث عن قرب انتهاء «نكبة» مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين وأحياء جنوب دمشق المجاورة وسط تكتم شدد من النظام السوري على التفاصيل وموعد تنفيذ «اتفاق المصالحة»، في وقت أفيد بأن تنظيم داعش سيقوم بتسليم المنطقة للنظام بعد قيامه بتصفية «العصاة» فيها على غرار ما فعله في عدد من المناطق.
وانتشرت في صفحات على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قبل أيام صور لإعلان أصدره «داعش»، طلب فيه من الراغبين من المدنيين بالخروج مع مسلحيه من جنوب دمشق إلى مناطق سيطرته في شمال وشرق سوريا، تسجيل أسمائهم في مراكز تم افتتاحها في أماكن سيطرته جنوب العاصمة. وقالت مصادر أهلية لـ«الشرق الأوسط»، إن «داعش» وزع صورا للإعلان في مناطق سيطرته هناك (مخيم اليرموك، الحجر الأسود، التضامن والعسالي)، ذلك بالترافق مع خروج عدة دفعات من جرحى «هيئة تحرير الشام» التي تضم فصائل بينها «فتح الشام» (النصرة سابقا) من اليرموك خلال الشهرين الماضي والحالي في إطار «اتفاق البلدات الأربع» (كفريا الفوعة – الزبداني مضايا).
وإذ بدت المصادر المهتمة بملف اليرموك متأكدة من أن «العمل يجري بشكل فعال لإنهاء ملف جنوب العاصمة»، رجح بعضها أن تبدأ عملية الخروج في أي لحظة. وما عزز ذلك تأكيد مصادر أهلية من المنطقة لـ«الشرق الأوسط» أن قيادات «(داعش) وعناصره يقومون ببيع ممتلكاتهم تمهيدا لخروجهم».
وبعدما انتشرت أخبار عن اتفاق بين النظام و«داعش» ينهي ملف جنوب العاصمة في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام مقربة من النظام وعلى مدار عدة أيام، انقطعت تلك الأخبار فجأة وسيطر التكتم والتعتيم على مجريات الملف، سوى تصريح لوزير المصالحة علي حيدر، قال فيها إن العمل على إنهاء الوجود المسلح في المخيم «قطع شوطاً مهما في إحياء اتفاق تم التوصل إليه سابقا لإخراج المسلحين من المخيم حيث تعمل الدولة لتسهيل خروجهم بكل الوسائل الممكنة وإعادة أهالي المخيم مجدداً إلى منازلهم».
* «عاصمة الشتات»
ويقع مخيم اليرموك على بعد سبعة كيلومترات جنوب العاصمة وتبلغ مساحته كيلومترين مربعين. وتم وضع اللبنات الأولى لإقامته عام 1957 عندما كان بقعة صغيرة، قبل أن تتوسع دمشق ويصبح المخيم جزءا أساسيا من مكوناتها الجغرافية والديمغرافية وأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في كل من سوريا ولبنان والأردن ورمزاً لحق العودة. كما غدا يُعرف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» كونه يضم 36 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا والبالغ عددهم قبل الحرب أكثر من 450 ألف لاجئ، علما بأنه يوجد في سوريا وحدها خمسة عشر مخيما تتوزع على ست مدن.
وإن كان المخيم بدا هادئا في السنة الأولى للأحداث عندما كان المظاهرات المناهضة للنظام السوري تعم المناطق المجاورة له في الجنوب مدينة الحجر الأسود وشرق حي التضامن والجنوب الشرقي لبلدتي يلدا وببيلا، وفي الغرب في حيي القدم والعسالي، فإن الحراك الثوري فيه كان كالنار المتقدة تحت الهشيم، الأمر الذي شعر به النظام ما دفعه حينها إلى تحذير الأهالي هناك عبر قيادي فلسطيني من على أحد منابر العاصمة بالقول: «اليرموك لن يكون أغلى من حمص وحماة...»، في إشارة إلى أن النظام يمكن أن يدمر المخيم على رؤوس سكانه.
اليرموك الذي هدده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون ذات مرة بأن له يوما بسبب ما حمله من رمزية لحق العودة، لم يحل البلاء به بسبب تنفيذ إسرائيل لتهديداتها، وإنما بفعل ثلاثة صواريخ أطلقتها طائرات النظام الذي طالما تشدق بمناصرته للشعب الفلسطيني في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2012، وكانت كفيلة بإحداث نكبة لسكانه تجاوزت في مآسيها نكبة عام 1948 ونكسة 1967 حيث قتل وأصيب عشرات المدنيين، ونزح أكثر من 90 في المائة من سكانه الذين كان يبلغ عددهم حينها ما بين 500 إلى 600 ألف نسمة من بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني.
جاء ذلك، بعد نجاح فصائل من «الجيش الحر» في السيطرة على المخيم، عقب دخولها إليه من جهة حي الحجر الأسود إلى الجنوب، وحي التضامن إلى الشرق، وحيي القدم والعسالي من الغرب، حيث كانت تنشط مجموعات من «الجيش الحر» منذ شهور، مع وجود مجموعات مسلحة فلسطينية نائمة في المخيم اختارت أن تقف إلى جانب الشعب السوري ضد الظلم الذي طاله من جانب النظام الذي فرض بعد ذلك وقوات من الفصائل الفلسطينية المؤيدة له حصاراً جزئياً على أكثر من 20 ألف مواطن فضلوا البقاء في منازلهم على رحلة نزوح من غير المعروف متى ستنتهي، وسرعان ما تحول هذا الحصار إلى حصار خانق في عام 2013. قضى خلاله بسبب الجوع ونقص الأدوية 199 فلسطينيا. وبحسب أحد المواطنين الذين خرجوا مؤخرا من اليرموك، فإن المدنيين هناك باتوا يعيشون على أمل «الكرتونة» بعد أن أصبحوا لا يرون رغيف الخبز حتى في المنام، في إشارة منه إلى السلة الغذائية التي أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها تدخلها إلى الأهالي بين الحين والآخر خلال الحصار.
* تلاشي «الحر»... وطغيان للسواد
بعد ذلك شهد اليرموك فوضى عسكرية عارمة بسبب وجود مجموعات مسلحة مختلفة وتحت أجندات ومسميات متباينة، وطغى حضور الفصائل الإسلامية المتشددة على حساب «الجيش الحر» الذي انتهى وجود مجموعاته مثل «أبابيل حوران» و«صقور الجولان» و«أنباء الحجر الأسود» إما بالتفكك أو الاندماج مع «جبهة النصرة» أو تنظيم داعش الذي ظهر بشكل مريب في منطقة الحجر الأسود وتشكل من أبناء المنطقة العائدين في أصولهم إلى هضبة الجولان التي نزحوا منها عام 1967. مع ظهور مجموعات فلسطينية قوية من قبيل «كتائب أكناف بيت المقدس» التي تردد أنها تتبع لحركة حماس الفلسطينية وتزعمها المدعو أبو أحمد المشير مسؤول فريق المرافقة الخاص لرئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل أثناء وجوده في سوريا، وكذلك «كتيبة ابن تيمية» و«القراعين» و«السراحين».
وشكلت «النصرة» و«الأكناف» أقوى فصيلين في اليرموك، وتمكنا من إنهاء وجود كثير من الفصائل الأخرى، وسيطرتا بشكل تام على المخيم طوال عام 2014 من دون أي منازع، ليدور لاحقا الصراع الدامي على النفوذ بين الجانبين وشبه حينها بأنه صراع «كسر عظم» من دون أن يتمكن أي من الفصيلين من إنهاء الآخر، لتشتعل بعد ذلك حرب الاغتيالات بين الجانبين.
وفي بداية أبريل (نيسان) 2015 كانت المفاجأة، تدخل «داعش» القابع في معقله الحجر الأسود جنوب اليرموك في المعارك الدائرة في المخيم إلى جانب «النصرة» وتمكنا من إنهاء وجود «الأكناف» التي كانت تعد نحو 250 عنصراً، حيث انسحب خلال المعارك بحسب مصادر أهلية نحو مائة مقاتل من «الأكناف» إلى بلدتي يلدا وببيلا، أماكن وجود «الجيش الحر»، بينما انضم نحو 70 آخرين إلى الفصائل الفلسطينية المقاتلة إلى جانب النظام، على حين تمت تصفية من تبقى على أيدي «داعش» و«النصرة».
وبذلك بات تنظيم داعش، إضافة إلى سيطرته على كامل مدينة الحجر الأسود، يتقاسم مع «النصرة» السيطرة على اليرموك، بينما تسيطر الفصائل الفلسطينية المقاتلة مع النظام على المنطقة الشمالية من المخيم وتقدر مساحتها بـ30 في المائة من مساحته وتمتد من ساحة الريجة حتى مدخل المخيم الشمالي المقابل لمنطقة الزاهرة.
وعلى حين غرة شن «داعش» أبريل العام الماضي هجوما عنيفا على «النصرة» في أماكن وجودها في اليرموك، وسيطر على نحو 80 في المائة من المساحة التي كان يتقاسم السيطرة عليها معها، وحشرها في مساحة صغيرة بوسط المخيم تمتد من جامع الوسيم جنوباً حتى ساحة الريجة شمالاً، وسط إجراءات مشددة للغاية منع من خلالها إدخال أي مواد غذائية إلى الأهالي في تلك المنطقة، وسط تقديرات تشير إلى أن عدد عناصر «النصرة» لا يتجاوز أكثر من 180 مقاتلا ومع أفراد عوائلهم نحو 800. وأن أكثر من نصفهم من أنباء اليرموك، بينما الآخرون كانوا قدموا من مناطق مجاورة، علما بأنه خرج أكثر من 40 جريجا من أصل 180 إلى شمال البلاد في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق «البلدات الأربع» على أن يخرج المسلحون في دفعات لاحقة قريبا.
ومع سيطرة تنظيم داعش على المنطقة، تراجع عدد المدنيين القاطنين في اليرموك بنسبة 75 في المائة، حيث نزح الغالبية إلى بلدات يلدا ببيلا بيت سحم، وقالت مصادر أهلية لـ«الشرق الأوسط» إن عدد عناصر «داعش» في الحجر الأسود واليرموك وحيي العسالي والتضامن لم يتجاوز ألفي عنصر.
وإذ يبدي مراقبون استغرابهم من استمرار نشاط «داعش» جنوب دمشق في ظل الحصار المفروض عليه من قبل النظام، أفادت مصادر أهلية تخرج بين الحين والآخر إلى مناطق سيطرة النظام بأن مستوى معيشة عناصر التنظيم وعوائلهم ليس أفضل بكثير من بقية الأهالي في تلك الأحياء، وإنما أفضل من مستوى معيشة الأهالي القاطنين في مناطق سيطرة النظام، علما بأن علاقة التنظيم متوترة للغاية مع الفصائل التي تسيطر على بلدتي يلدا وببيلا المجاورتين لليرموك والحجر الأسود من الجهة الجنوبية الشرقية والتي وقعت منذ زمن بعيد اتفاق «مصالحة» مع النظام وبموجب ذلك بات الأخير يدخل إليها قوافل مساعدات إنسانية.
* وقف القصف بعد سيطرة «داعش»
وأشارت المصادر إلى أن التفسير الوحيد للوضع، أن «الجهة الشمالية التي يسيطر عليها النظام هي مصدر إمداد التنظيم». وتشكك بما يتم الحديث عنه في الأوساط العامة حول العداء بين تنظيم داعش والنظام بقولها: «منذ سيطرة (داعش) قبل نحو عام على اليرموك لم يستهدف مناطق سيطرة النظام القريبة (الميدان، القاعة، الزاهرة) ولا بقذيفة واحدة وركز كل جهده على تصفية (النصرة) التي شكلت وعلى الدوام العثرة الكبيرة أمام أي محاولة لإبرام اتفاق تسوية مع النظام في المنطقة». وأضافت: «أيضا قبل ذلك أسهم (داعش) وبشكل كبير بإنهاء وجود أكناف بيت المقدس في اليرموك وهو فصيل كان يرفض بشكل مطلق التسوية مع النظام».
مصادر عليمة بتفاصيل ملف أحياء دمشق الجنوبية، أبلغت «الشرق الأوسط»، أن «كل ما جرى من تصفيات للمجموعات المقاتلة الرافضة للتسوية جاء على يد (داعش)، ولمصلحة النظام». وزادت: «اليوم يعلن (داعش) أنه يريد أن يغادر المنطقة والنظام وأعوانه يتحدثون عن أن قسما كبيرا من عناصره يريد تسوية وضعه بعد أن ألغوا بيعتهم للبغدادي» في إشارة إلى أبو بكر البغدادي زعيم «داعش». وأشارت المصادر إلى أن «كل ذلك يأتي بعد ما أشيع في أواخر عام 2015 عن تعثر تنفيذ اتفاق إخراج نحو أربعة آلاف من عناصر (داعش) و(النصرة) من المنطقة الجنوبية بعد اغتيال قائد (جيش الإسلام) زهران علوش»، موضحة أن تنفيذ الاتفاق حينها لم يتعثر بل تم تنفيذه، لكنه لم يكن ينص على إخراج أربعة آلاف وإنما إخراج «الدواعش» الأجانب وهذا ما تم بالفعل حينها ولم يبق في الحجر الأسود سوى «الدواعش» المحليين الذي هم في الأساس «عملاء جندهم النظام» لصالحه من أمثال قائد «لواء الحجر الأسود» بيان مزعل الذي سلم الكثير من مناطق ريف دمشق الجنوبي للنظام في عام 2013 مثل «السبينة» و«البويضة» و«حجيرة» و«الذيابية». وتختم المصادر بالقول: «ما سيجري وقريبا هو عملية تسليم المنطقة للنظام من قبل عملاء».
وكانت «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا» أفادت في تقرير لها بمقتل 3 آلاف و506 لاجئين فلسطينيين في سوريا، بينهم 462 امرأة، جراء الحرب الدائرة منذ عام 2011. كما يتحدث نشطاء عن هجرة ما يقارب المائة لاجئ فلسطيني من سوريا إلى دول أوروبية.



اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
TT

اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)

لا تزال حياة اليمنيين محكومة بالضغوط المعيشية، وسط تحذيرات من موجة جديدة من الغلاء واستمرار الضغط على أسعار الغذاء والطاقة والشحن نتيجة الاضطرابات في المنطقة.

تزامن ذلك، مع تصنيف دولي للبلاد وضعها بين الأعلى عربياً في تكلفة المعيشة، مع بقاء مستويات الدخل والقوة الشرائية عند حدودها المتدنية، رغم الإشادات بالإصلاحات الاقتصادية.

التحذيرات صدرت من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) التي قالت إن تداعيات الاضطرابات الإقليمية لن تتوقف بانتهاء الأزمة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ومضيق هرمز تحديداً، وإن انعكاسات الأزمة على أسعار الغذاء وقطاع النقل ستستمر لفترة أطول؛ نتيجة الاضطرابات الواسعة التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية لأكثر من 100 يوم.

وحسب تقرير «أونكتاد»، فإن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة البحرية قد يخففان الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن آثار الاضطراب ستظل قائمة لفترة أطول، بما يهدد الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها اليمن، بمزيد من تقلبات أسعار الوقود والحبوب وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من معدلات الفقر وسوء التغذية.

جاءت هذه التحذيرات في وقت أظهر فيه تصنيف حديث لمنصة «نومبيو»، وهي أكبر قاعدة بيانات عالمية تعتمد على المستخدمين لمقارنة تكلفة المعيشة وجودة الحياة بين مدن ودول العالم، أن اليمن يحتل المرتبة الـ46 في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، والثانية عربياً.

وتعكس هذه النتيجة استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، دون أن يُقابل ذلك تحسن مماثل في مستويات الأجور والمداخيل أو القوة الشرائية؛ ما يجعل الأعباء المعيشية أكثر ثقلاً على السكان.

غلاء دائم

يعدّ التناقض في اليمن مفارقة لافتة، فالمؤشر يقيس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية مقارنة بمدينة نيويورك الأميركية بوصفها معياراً مرجعياً؛ إذ ارتفع مؤشر تكلفة المعيشة في اليمن هذا العام مقارنة بسابقه، عندما سجل 48.4 نقطة؛ ما يعكس زيادة في مستويات الأسعار خلال العام الحالي، رغم تراجعه في الترتيب العالمي.

رغم الإشادات الدولية بالإصلاحات الحكومية لا يزال اليمنيون يعانون ضيق المعيشة (أ.ف.ب)

ويقتصر المؤشر على قياس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ويغطي أسعار المواد الغذائية والمطاعم ووسائل النقل والخدمات الأساسية، ولا يشمل الأجور أو جودة الخدمات أو القوة الشرائية، في حين تُحتسب إيجارات السكن ضمن مؤشر مستقل.

واشتكى سكان العاصمة اليمنية المؤقتة عدن من ارتفاعات جديدة في الأسعار، ورغم أنه اقتصر على سلع محدودة، فإنه أثار مخاوف من أن يكون مؤشراً على موجة غلاء جديدة مقبلة.

جانب من مخيم لنازحين يمنيين من الحديدة (غرب) إلى محافظة أبين (جنوب) (أ.ب)

ففي حين تشهد أسواق الأسماك زيادة في أسعار «الثمد» (سمك التونة)، وهو النوع الأكثر استخداماً في الأطباق الشعبية في عدن، ارتفعت أسعار بعض الأدوية الضرورية للأمراض المزمنة إلى جانب شحها في الصيدليات.

ويقول الصيادون وبائعو الأسماك إن تأثير الأحوال الجوية المتمثلة بقدوم رياح الشمال على حركة الصيد تسبب في تراجع كميات الأسماك التي يمكن اصطيادها ونقلها إلى الأسواق في ظل الطلب الدائم عليها؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.

ورغم التوقعات أن يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، فإن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية ضاعف المخاوف في أوساط الأهالي.

إصلاحات مطلوبة

في ضوء هذه المعطيات، تشكو عائلات المرضى وكبار السن من زيادات جديدة في أسعار أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكر. ويذكر عبد الكريم غانم، وهو مهندس، ويعاني السكر والضغط، لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر قبل أسبوعين إلى شراء أدوية بديلة للأدوية التي أوصاه الأطباء باستخدامها بسبب ارتفاع الأسعار، قبل أن يفاجأ بارتفاع أسعار الأدوية البديلة، مع اختفاء الأدوية الأخرى من الصيدليات بشكل واسع.

ومنذ قرابة شهرين، حملت مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي مع الحكومة اليمنية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، إشارات أكثر تفاؤلاً؛ إذ أشاد الصندوق بتحسن القدرات المؤسسية، وعدّ أن الاقتصاد بدأ يسجل تعافياً تدريجياً بعد سنوات من الركود، مع تراجع وتيرة الانكماش، واستمرار جهود الإصلاح المالي والنقدي.

غير أن الصندوق ربط هذا التعافي بجملة من الشروط، أبرزها مواصلة الإصلاحات المالية، وتحسين الحوكمة، واعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة، إلى جانب استمرار الدعم الخارجي، محذراً في الوقت نفسه من أن التوترات الإقليمية والأزمة الإنسانية ما زالتا تمثلان أبرز المخاطر التي قد تعرقل أي تحسن اقتصادي خلال الفترة المقبلة.

طفلة يمنية نازحة تتناول قطعة خبز مع الشاي (أ.ب)

ويرى الباحث الاقتصادي اليمني فؤاد المقطري، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التراجع المستمر في القدرة الشرائية لليمنيين يعود إلى توقف صادرات النفط التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، واتساع عجز الموازنة، وتراجع الاحتياطيات الخارجية، والانقسام النقدي بين عدن وصنعاء، فضلاً عن تمويل العجز بطباعة المزيد من العملة.

ويؤكد أن أي تعافٍ مستدام يتطلب استعادة مصادر الدخل الخارجي، وتوحيد السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي، موضحاً أن التصدي لغلاء المعيشة لن يكون كافياً بزيادة الأجور فقط، بل وبضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج المحلي لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان وزيادة إيرادات الدولة وتحسين سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بالأداء الاقتصادي المتوائم مع القرار السياسي.


100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
TT

100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)

حصل اليمن على منحة جديدة بقيمة 100 مليون دولار من البنك الدولي لدعم جهود الحد من سوء التغذية وتعزيز سبل كسب العيش، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الجوع وظهور بؤر جديدة للمجاعة، بالتزامن مع التراجع الحاد في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، الأمر الذي يفاقم أوضاع ملايين السكان الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.

وتأتي المنحة في ظل مؤشرات مقلقة بشأن الأمن الغذائي، إذ أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن نحو 53 في المائة من سكان اليمن سيواجهون أزمة أو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يتحمل اليمن أعلى عبء عالمي للسكان المصنفين في المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)، وهي المرحلة التي يصبح فيها خطر الوفاة بسبب الجوع وسوء التغذية مرتفعاً بصورة كبيرة.

وأوضح البنك الدولي أن مجلس المديرين التنفيذيين وافق على المنحة المقدمة لليمن من المؤسسة الدولية للتنمية لتمويل مشروع «النقد مقابل التغذية وسبل كسب العيش»، الذي ستنفذه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية.

اليمن يواجه تحديات غير مسبوقة وسط اتساع أزمة الجوع (إعلام محلي)

ويهدف المشروع إلى الحد من سوء التغذية وتعزيز قدرة الأسر الأكثر ضعفاً على مواجهة الظروف الاقتصادية، مع التركيز بصورة خاصة على الأمهات والأطفال دون سن الثانية، باعتبار الألف يوم الأولى من عمر الطفل المرحلة الأكثر أهمية في بناء صحته ونموه.

ووفق البنك الدولي، سيستفيد من المشروع نحو 1.8 مليون شخص في 15 محافظة يمنية تعد الأكثر تضرراً من سوء التغذية، على أن تمثل النساء ما لا يقل عن نصف المستفيدين، في إطار توجه يركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز رأس المال البشري في البلاد.

مصادر تمويل صغيرة

لا يقتصر المشروع الدولي الجديد في اليمن على تقديم تحويلات نقدية، بل يشمل برامج لتعزيز سبل كسب العيش، من بينها إشراك نحو 55 ألف شخص في جمعيات الادخار والإقراض القروية، بما يتيح لهم الوصول إلى مصادر تمويل صغيرة تساعدهم على إنشاء أنشطة مدرة للدخل أو توسيع مشاريعهم القائمة، وتقليل اعتمادهم على المساعدات الإنسانية.

كما يتضمن المشروع مساعدة أكثر من 675 ألف يمني في الحصول على بطاقات الهوية الوطنية وشهادات الميلاد، بما يسهل وصولهم إلى الخدمات المالية والاجتماعية، ويعزز اندماجهم في الأنشطة الاقتصادية الرسمية.

مشروع دولي يستهدف 15 محافظة يمنية متضررة من سوء التغذية (إعلام محلي)

وفي جانب آخر، يستهدف المشروع الدولي الجديد في اليمن تنفيذ برنامج للعمل الرقمي متناهي الصغر يستفيد منه نحو ألفي شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، مع تخصيص نصف الفرص على الأقل للنساء. وسيحصل المشاركون على تدريب في المهارات الرقمية والعمل عبر المنصات الإلكترونية، إضافة إلى أجهزة لوحية وخدمات إنترنت، بما يمكنهم من تنفيذ أعمال رقمية لصالح جهات في الأسواق العالمية وتحقيق مصادر دخل جديدة.

وأكد المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي ستيفان جيمبرت أن المشروع يجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والاستثمار في بناء القدرات الاقتصادية للمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم مرتكزات تعافي اليمن على المدى الطويل.

تحذيرات من تفاقم الجوع

تأتي المنحة الدولية لليمن في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الوضع الإنساني نتيجة الانخفاض غير المسبوق في التمويل الدولي. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت خلال الأشهر الماضية من أن تقليص المساعدات الإنسانية يهدد بظهور جيوب للمجاعة في عدد من المناطق، مع اضطرار وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها الغذائية والصحية بسبب نقص التمويل.

ويؤكد البنك الدولي أن اليمن ما زال يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، إذ يعاني أكثر من 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يعيش نحو 74 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ويعاني نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة من التقزم، وهو أحد أخطر مؤشرات سوء التغذية المزمن.

وأشار البنك إلى أن المشروع سيستمر حتى يونيو (حزيران) 2029، ضمن محفظة عمليات نشطة في اليمن تضم 12 مشروعاً بإجمالي تمويل يبلغ 2.4 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من الصندوق الاستئماني متعدد المانحين للصمود والتعافي وإعادة الإعمار.

مأرب في واجهة الاحتياجات

في موازاة ذلك، جددت الحكومة اليمنية دعوتها للمجتمع الدولي إلى توفير دعم عاجل لتلبية احتياجات أكثر من 1.6 مليون شخص في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، ويقدر عددهم بنحو 65 في المائة من إجمالي النازحين.

وأكدت الحكومة أن المحافظة تشهد مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع التمويل الإنساني، الأمر الذي يضع مئات الآلاف من الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، ويزيد من الحاجة إلى تدخلات عاجلة للحفاظ على الخدمات الأساسية وضمان استمرار برامج الغذاء والتغذية.

ويرى مراقبون أن المنحة الجديدة تمثل دفعة مهمة لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة اتساع الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع حجم التمويل الدولي مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ما يجعل ملايين اليمنيين عرضة لمزيد من الجوع والفقر ما لم تتعزز الاستجابة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.


الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
TT

الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)

لا يكاد الحديث الإسرائيلي عن ضرورة تأمين الحدود مع مصر يخبو حتى يطفو على السطح من جديد، مع مزاعم متكررة عن وجود عمليات تهريب، نفتها القاهرة مراراً، وسط توتر بالعلاقات، خصوصاً منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أحدث هذه المزاعم جاءت على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال في مقابلة مع «القناة 14» العبرية المقربة منه، مساء الثلاثاء، إن إسرائيل بحاجة إلى حماية حدودها مع مصر، وإنه أجرى مناقشات مع الجانب المصري، وأخبرهم بما يتوقع القيام به.

وأضاف أن «جزءاً من ذلك يجري تنفيذه بالفعل، التزاماً بالاتفاقيات بين مصر وإسرائيل».

ويأتي حديث نتنياهو بعد تقرير إسرائيلي مطول، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل أيام، زعم أنه «منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في عمليات التهريب عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها».

«خطاب دعائي»

مدير «الشؤون المعنوية» الأسبق بالجيش المصري والخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى في تلك المزاعم «مجرد خطاب مستهلك ورسائل للداخل قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو يعيش حالة إخفاقات على جميع المستويات، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، ويريد بهذه البروباغندا أن يدرك نفسه سياسياً قبل سقوطه انتخابياً».

وشدّد على أن مصر «تصون حدودها، وقادرة على فرض ذلك، وناجحة في ذلك على كل المستويات».

واستطرد قائلاً: «مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ولا تقبل بخرقها أو المساس بحدودها مهما كان»، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وليس حملة شائعات، تهدد وتزيد من التوترات بالمنطقة.

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن حديث نتنياهو جاء مع قناة تُعَد من أبرز أذرعه الإعلامية التي تروج له انتخابياً.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو «يحاول أن يضخم الدعاية، ولا يراعي أن حديثه يزيد التوتر مع مصر، ويخلق مزيداً من الأزمات».

وتابع: «رئيس الوزراء الإسرائيلي يبحث عن إنقاذ نفسه ومصالحه السياسية ووجوده السياسي عبر مزاعم لا أساس لها من الصحة».

«هروب من المأزق»

وبين الحين والآخر، يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية، يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل». وحدث ذلك أكثر مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل قرار تحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وأكدت «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر وقتها أن اتهامات إسرائيل «خطاب مستهلك»، وقالت إن مصر «سئمت هذه الادعاءات التي تُستخدم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تحدث نتنياهو عن مخاوفه من حشد مصر قواتها العسكرية في سيناء، وردّت «الهيئة العامة للاستعلامات» بتأكيدها على أن انتشار القوات المسلحة «جاء بموجب تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام». وأشارت الهيئة حينها إلى أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

نقطة مراقبة أمنية مصرية (رويترز)

وكانت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية قد نقلت في أبريل (نيسان) 2025، عمن وصفته بأنه مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء تمثل «انتهاكاً كبيراً» للملحق الأمني في اتفاقية السلام، وأن المسألة تحظى بأولوية قصوى على طاولة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

وفي فبراير (شباط) 2025، قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع مصر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش المصري في إفادة رسمية أنه «أحبط محاولة لتهريب المواد المخدرة جنوب منفذ العوجة على الحدود الشمالية الشرقية مع إسرائيل».

ويؤكد الدكتور أنور أن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ودائماً تحافظ على الاستقرار، «لكن لا تسير وفق ما تريد إسرائيل».

وأضاف: «مصر صاحبة رؤية، وقادرة على فرض الأمن والاستقرار وحماية حدودها، وتدرك أن نتنياهو يريد مزيداً من الفوضى على الحدود؛ وهي لديها سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي تهديد وفق محددات أمنية وقانونية لا قبول بالخروج عنها».