أودري هيبورن تطل على لندن من جديد عبر مزاد ضخم

«كريستيز» تعرض مئات القطع من متعلقات النجمة منها خزانة ملابسها كاملة

اشتهرت هيبورن بأناقة هادئة جذابة (غيتي)
اشتهرت هيبورن بأناقة هادئة جذابة (غيتي)
TT

أودري هيبورن تطل على لندن من جديد عبر مزاد ضخم

اشتهرت هيبورن بأناقة هادئة جذابة (غيتي)
اشتهرت هيبورن بأناقة هادئة جذابة (غيتي)

«سيدتي الجميلة»، وصاحبة «الوجه المرح»، النجمة العالمية الراحلة أودري هيبورن هي بطلة موسم مزادات هذا الصيف في لندن، وسيتاح لجمهور عريض الإطلالة على ملامح من حياة الممثلة الرقيقة، من خلال مزاد ضخم تقيمه دار كريستيز في 27 سبتمبر (أيلول) المقبل، ويعيد هيبورن لوطنها مرة أخرى. وغني عن الذكر أن الإقبال على المزاد أو المعرض المفتوح الذي سيسبقه، سيكون كبيراً، وهي ليست مبالغة، فأودري هيبورن أيقونة عالمية لا تخبو جاذبيتها، ولها جمهور عاصرها وأحبها، وجمهور جديد لم يعاصرها، ولكنه يرى فيها مثالا للجمال الراقي.
ولعل الإقبال الكبير الذي لاقاه معرض صور هيبورن الذي أقيم في «ناشونال بورتريه غاليري» بلندن عام 2015، خير دليل على جماهيرية النجمة الراحلة.
في حديث لـ«الشرق الأوسط» يعلق أدريان هيوم ساير مدير قسم المجموعات الخاصة في كريستيز بأن المزاد له أهمية استثنائية ويقول: «إنه أمر مثير جداً أن تستطيع اقتناص لمحات من حياة نجمة بحجم هيبورن، فهي ما زالت تتواجد بفنها بشكل كبير».
أسأله عن عدد القطع في المزاد ويتجنب الإجابة قائلا: «ما زلنا في البداية ومن الصعب التحديد ولكني أستطيع القول إن المزاد يضم مئات القطع». غير أنه يشير إلى أن المزاد المسائي الذي سيقام بمقر الدار في شارع كينغ ستريت سيضم «نحو 200 قطعة، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن بعض تلك القطع ستجمع سويا، على سبيل المثال بنطال ومعطف وحقيبة يد». هناك أيضا عدد كبير من القطع المنفردة وقد يكون من الأفضل جمع عدد منها سويا مثل بروغرام عرض «إفطار في تيفاني» مع قطع أخرى، ربما صور فوتوغرافية، ترتبط بالفيلم لبيعها سويا، غير أنه يسارع بتأكيد أن التصنيفات غير معروفة بعد؛ «فنحن ما زلنا في البداية».
أتساءل إن كان المزاد يقدم أيا من الصور التي حواها معرض «نشونال بورتريه غاليري»؟ يقول: «لا أعرف، لكني مدرك أن بعض القطع التي قدمتها العائلة تم عرضها من قبل».
المزاد يمنح الجمهور فرصة لإلقاء نظرة على عالم أودري هيبورن الإنسانة، وأيضا الممثلة، ويقدم قطعا لم تعرض للبيع من قبل، منها مجموعة ضخمة من ملابسها وصورها ونسخ من سيناريو أشهر الأفلام التي قامت ببطولتها، إضافة إلى قطع متفرقة أحبتها النجمة واحتفظت بها، وحافظت عليها عائلتها من بعدها. قرر ولدا هيبورن، لوكا دوتي وشون هيبورن فيرير، عرض مجموعة منتقاة من القطع للبيع قائلين في بيان: «فقدنا والدتنا وصديقتنا الحميمة، وفقد العالم رمزا للجلال والأناقة والإنسانية. حافظنا على مشاعرنا تجاهها كما حافظنا على ممتلكاتها، التي تعبر عن اختياراتها في الحياة. وبعد 24 عاما (على وفاتها)، اخترنا القطع التي نريد أن نحتفظ بها وأيضا القطع التي سنكون سعداء بتسليمها للأجيال المقبلة». يرى ابنا هيبورن أن بيع أغراضها هو محاولة للتشارك مع قاعدة محبيها الآخذة في الازدياد: «كل من استمتع بأفلامها وأناقتها وأولئك الذين تابعوا سيرتها في الأعمال الخيرية».
يعرض المزاد عددا من الصور الخاصة بهيبورن التقطها مشاهير المصورين وهي في قمة تألقها في الفترة ما بين 1953 و1968، وهي صور احتفظت بها في أرشيفها الخاص. هناك أيضا عدد من الخطابات والقطع المتفرقة مثل قداحة نقش عليها عبارة «إلى سيدتي الجميلة»، ومرآة ذهبية تحمل الأحرف الأولى من اسم الممثلة، وحقيبة جلدية تحمل الأحرف الأولى من اسمها.
* رمز للأناقة الساحرة
أسلوب هيبورن في اختيار الملابس جذب الانتباه والإعجاب على مدى حياتها، فهي بقامتها النحيلة ورقتها وحركاتها الطائرة التي لا شك تأثرت بدراستها لفن الباليه، استحقت لقب الأيقونة، ولا تزال مضرب المثل في الأناقة البسيطة والرشاقة والجمال الملائكي. وسيرى رواد المعرض والمزاد مجموعة كبيرة من ملابسها وأحذيتها المنخفضة الكعب التي اشتهرت بها، كما سيكون هناك عدد من القطع من خزانة ملابسها منها معطف من بيربري (بسعر تقديري 6000 - 8000 جنيه إسترليني)، ومجموعة ضخمة من الأحذية الملونة (تبدأ من 1500 جنيه إسترليني).
ارتبط اسم هيبورن مع اسم المصمم العالمي هيوبير دو جيفنشي الذي تم التعاقد معه لتصميم ملابس هيبورن في فيلم «سابرينا»، وسرعان ما نمت الصداقة بينهما، وأثمرت عن تعاون ظهرت آثاره في أزياء هيبورن في أفلامها. وصمم جيفنشي للنجمة أزياء أفلام: «لوف إن ذا أفترنون» (الحب في الظهيرة): «فاني فيس» (الوجه المرح)، بريكفاست آت تيفاني» (الإفطار في تيفاني): «هاو تو ستيل آ ميليون» (كيف تسرق مليونا). كما حفلت خزانتها الشخصية بتصميمات صديقها جيفنشي. ومن تصميمه يعرض المزاد فستانا من الساتان الأزرق ارتدته النجمة خلال مؤتمر صحافي للترويج لفيلم «تو فور ذا رود» 1966، ويقدر سعره ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف جنيه إسترليني.
وبما أن المزاد يضم دولاب الملابس الخاص بهيبورن كاملا، أسأله عن أزياء المصمم جيفنشي، يقول: «سيكون هناك بعض القطع من تصميمه، إضافة إلى الفستان الأزرق من عام 1966، وقطع أخرى من ذلك التاريخ وما بعده. جيفنشي كان مصممها المفضل واسمه سيسيطر على المزاد بشكل كبير». ويستطرد: «لدينا كل محتويات خزانتها من الأحذية وحقائب اليد والملابس، إضافة إلى حقائب السفر، وعلبة مساحيق التجميل التي تحمل الأحرف الأولى من اسمها، وغيرها كثير من القطع التي تبدو في حالة ممتازة بفضل العناية الفائقة التي تعاملت بها العائلة».
هل سيضم المزاد أيا من الملابس التي ظهرت بها في أفلامها؟ يجيب: «هناك عدد قليل من القطع التي ترتبط بأفلامها».
أهمية المزاد كما يشير هيوم ساير تكمن في أن هيبورن احتفظت بالقطع حتى وفاتها، وهو ما يجعلها «خاصة جداً»، مضيفا: «إنه أمر غير معتاد أن نعرض للبيع متعلقات نجمة سينمائية بحجم هيبورن، وخاصة أن القطع محفوظة بعناية رغم مرور 24 عاما على وفاتها».
* سيناريو «الإفطار في تيفاني»
احتفظت النجمة ببعض القطع المرتبطة بمسيرتها السينمائية مثل نسخ السيناريو التي تحمل ملحوظات بخط يدها مثل سيناريو فيلم «بريكفاست آت تيفاني»، ونوتة موسيقى أغنية «موون ريفر» (نهر القمر) التي غنتها في الفيلم نفسه. للفيلم مكانة خاصة لدى جمهور هيبورن ويعتبره الكثيرون من أهم الأفلام التي أنتجتها السينما العالمية، وهو ما تأكد عند بيع الفستان الأسود الشهير الذي ارتدته في مشهد البداية، (وهي تقضم قطعة الكرواسان أمام نافذة متجر تيفاني بنيويورك)، بنحو نصف مليون جنيه إسترليني في مزاد بكريستيز عام 2006، ولعل هذا ما يفسر السعر المقدر للسيناريو التي تركت عليه الممثلة ملاحظات وعلامات بالحبر الأزرق، حيث قدر له 60 ألفا إلى 80 ألف جنيه إسترليني.
* صور أيقونية
عندما قامت عائلة هيبورن بإمداد معرض في «ناشونال بورتريه غاليري» بعدد كبير من الصور الخاصة التي لم تعرض من قبل، علق ابنها لوكا دوتي بأن المعرض يسمح له ولشقيقه برؤية والدتهما بشكل جديد، وإنه سيسمح لهما بتكوين صورة مكتملة لحياتها. وربما يحدث هذا مع المزاد المرتقب، حيث قدمت عائلتها مجموعة ضخمة من الصور الخاصة، بعضها يعبر عن مراحل حياتها، والبعض الآخر صور ارتبطت بمسيرتها السينمائية. ولأن هيبورن لها حضور طاغٍ، وأيضا لأنها تملك وجها تعشقه كاميرات التصوير؛ فالمتوقع أن تمثل الصور نقطة جذب لزوار المعرض العام والمزاد الذي يتلوه. أمثلة للصور التي ستعرض، مجموعة من الصور الخاصة التقطتها عدسة المصور الهير باد فراكر من كواليس فيلم «بريكفاست آت تيفاني»، وصور لها بملابس فيلم «ماي فير ليدي» إضافة إلى صور خاصة التقطها المصور سيسيل بيتون ونسخ من صور للنجمة نشرتها مجلة «فانيتي فير» بعدسة المصور ستيفن ميزيل. ونسبة للأسعار المتدرجة للصور (من 100 جنيه حتى 80 ألف جنيه) فيعني ذلك فرصة لعشاق هيبورن للفوز بإحدى الصور التي ظلت ضمن ممتلكاتها.
ينقسم المزاد إلى قسمين: الأول سيقام بمقر كريستيز بشارع كينغ ستريت يوم 27 سبتمبر، والقسم الثاني سيكون على الإنترنت وينطلق من 19 سبتمبر وحتى 3 أكتوبر (تشرين الأول). أما المعرض المفتوح للجمهور فسيبدأ من 23 إلى 26 سبتمبر.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».