ألمانيا تسحب قواتها من قاعدة إنجيرليك التركية وتنقلها إلى الأردن

حملة اعتقالات جديدة بينهم ممثل منظمة العفو الدولية

وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فان دير ليين تتفقد جنوداً ألمانيين في قاعدة إنجيرليك في 21 يناير 2016 (رويترز)
وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فان دير ليين تتفقد جنوداً ألمانيين في قاعدة إنجيرليك في 21 يناير 2016 (رويترز)
TT

ألمانيا تسحب قواتها من قاعدة إنجيرليك التركية وتنقلها إلى الأردن

وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فان دير ليين تتفقد جنوداً ألمانيين في قاعدة إنجيرليك في 21 يناير 2016 (رويترز)
وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فان دير ليين تتفقد جنوداً ألمانيين في قاعدة إنجيرليك في 21 يناير 2016 (رويترز)

قررت الحكومة الألمانية، أمس، سحب قواتها المتمركزة في قاعدة إنجيرليك في تركيا وإعادة نشرها في الأردن، في آخر فصل من الأزمة العميقة التي تمر بها العلاقات بين برلين وأنقرة.
وأعلنت وزيرة الدفاع الألمانية، أورسولا فان دير ليين، للصحافيين في نهاية اجتماع لمجلس الوزراء بعد المفاوضات الأخيرة غير المثمرة بين البلدين: «سننقل الطائرات إلى الأردن». وأضافت أنه سيتم نقل 260 جنديا و6 طائرات التورنادو الاستطلاعية وطائرة تزويد بالوقود في الجو من إنجيرليك.
وشهدت قاعدة إنجيرليك، الواقعة في ولاية أضنة جنوب تركيا، أمس، حركة نقل جوي ملحوظة بعد قرار ألمانيا سحب قواتها من القاعدة. وشوهد تحليق طيارات من دون طيار، ومروحيات وطائرات شحن قادمة ومغادرة لقاعدة إنجيرليك الجوية التي تعتبر مركزا للقوات الجوية من الدول المشاركة في التحالف الدولي للحرب على «داعش» بقيادة أميركا.
وجاء القرار الألماني بسحب قواتها من إنجيرليك نتيجة رفض السلطات التركية السماح لنواب ألمان بزيارة القاعدة في 16 مايو (أيار) الماضي. وفشل الجانبان التركي والألماني في التوصل إلى صيغة لحل الخلاف خلال الزيارة التي قام بها لأنقرة وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل، الاثنين، التي أعلن بعدها أن إصلاح العلاقات مع تركيا سيستغرق وقتا طويلا وأن على ألمانيا أن تبدأ خطوات سحب جنودها من إنجيرليك لأنه لم يعد أمامها خيار آخر غير ذلك.
وقال رئيس الوزراء بن علي يلدريم تعليقا على القرار الألماني «ليفعلوا ما يشاؤون»، مشيرا إلى أن حكومته لم تتخذ أي قرار بهذا الشأن. من جانبه، قال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش، إن الانسحاب من قاعدة إنجيرليك قرار يعود إلى حكومة ألمانيا.
وكانت زيارة غابرييل لأنقرة الاثنين ولقاؤه نظيره التركي مولود جاويش أوغلو والرئيس التركي رجب طيب إردوغان هي الفرصة الأخيرة في مهلة حددتها برلين بمنتصف يونيو (حزيران) الحالي لاتخاذ قرار بشأن سحب قواتها من إنجيرليك.
وفشلت مباحثات غابريل في أنقرة، بعدما تمسكت بموقفها من مسألة زيارة النواب للقاعدة الجوية وطالبت بتسليم أنصار فتح الله غولن وعناصر من حزب العمال الكردستان. وأكد غابرييل أن هذا الأمر لا يخضع للحكومة بل للمحاكم الألمانية، مطالبا تركيا بتقديم أدلة قوية على تورط أنصار غولن في محاولة الانقلاب. ولفت إلى أنه بالنسبة للعناصر المطلوبة من العمال الكردستاني، فإنه يمكن تسليمهم حال صدور قرارات من المحاكم.
في سياق مواز، ألقت قوات الأمن التركية أمس الأربعاء القبض على 60 جنديا كما صدرت أوامر بتوقيف 128 شخصا آخرين في عمليات أمنية تستهدف أنصار غولن في إطار حملة تطهير تثير انتقادات واسعة لأنقرة من جانب الغرب، أسفرت حتى الآن عن اعتقال نحو 55 ألفا وإقالة أكثر من 155 ألفا آخرين من وظائفهم في مختلف أجهزة الدولة.
ونفّذت قوات الأمن مداهمات ركزت بالأساس على محافظة قونية في وسط البلاد، وامتدت إلى 32 محافظة أخرى. واعتقل 39 شخصا من بين 128 مطلوبا في عملية أمنية في إسطنبول، وسبع محافظات أخرى.
في السياق نفسه، قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات التركية اعتقلت ممثلها في تركيا تانر كيليتش إلى جانب 22 محاميا آخرين في محافظة إزمير غرب البلاد، للاشتباه في صلاتهم بحركة غولن. وقال الأمين العام للعفو الدولية سليل شيتي إن «تانر كيليتش لديه سجل طويل ومميز في الدفاع عن الحريات التي تعتزم السلطات التركية الآن سحقها»، على حد تعبيره.
وذكرت العفو الدولية أن الشرطة اعتقلت كيليتش في منزله في إزمير، في وقت مبكر من صباح الثلاثاء قبل أن تقتاده إلى مكتبه لتفتيشه، ثم اقتادته إلى مديرية الأمن للتحقيق.
وفي حين تتصاعد الانتقادات من جانب الاتحاد الأوروبي لحملات الاعتقالات المستمرة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة وفرض حالة الطوارئ والتضييق على حرية التعبير والحد من الحقوق الأساسية، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن بلاده تنتظر من الاتحاد الأوروبي اتخاذ خطوات ملموسة وبناءة للوصول إلى أجندة إيجابية بخصوص ملف عضوية بلاده في الاتحاد.
وأكد يلدريم في كلمة عقب مشاركته في مأدبة إفطار مع سفراء الدول الأجنبية مساء الثلاثاء، أن عضوية الاتحاد الأوروبي لا تزال هدفا استراتيجيا بالنسبة لتركيا «التي تنتظر خطوات ملموسة وبناءة لتوجيه العلاقات نحو أجندة إيجابية». وأشار إلى أن من بين تلك الخطوات، استئناف المفاوضات، وفتح الفصول الجديدة، وإلغاء تأشيرات الدخول، وتوسيع نطاق الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد.
وكان إردوغان أعلن عقب لقائه كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي على هامش قمة الناتو في بروكسل في 25 مايو الماضي أن الاتحاد اقترح أجندة لتقييم العلاقات مع تركيا تستغرق 12 شهرا.
إلى ذلك، تلقت تركيا من الاتحاد الأوروبي دعما بقيمة 2.7 مليار يورو منذ عام 2014، في إطار الإعداد لانضمامها للاتحاد بحسب بيانات للمفوضية الأوروبية أشارت إلى أن أنقرة حصلت من خزينة الاتحاد الأوروبي خلال الفترة من عام 2014 حتى نهاية عام 2016 على 3.3 مليار يورو، إلا أن تركيا دفعت لبروكسل 625 مليون يورو حتى تتمكن من المشاركة في برامج الاتحاد الأوروبي.
وبموجب ذلك، أصبحت تركيا أكبر الدول المستفيدة من أموال الاتحاد الأوروبي بين الدول غير الأعضاء في الاتحاد ولا تشمل تلك الأموال الستة مليارات يورو التي تعهد الاتحاد بدفعها لتركيا في إطار اتفاقية اللاجئين الموقعة في 18 مارس (آذار) 2016.
وترشحت تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 1999. وتتفاوض رسمياً على الانضمام منذ عام 2005. إلا أن المفاوضات مجمدة فعليا حاليا بسبب الخلافات الكبيرة بين الجانبين ولم يتم حتى الآن فتح سوى 15 فصلا من إجمالي 35 فصلا تدور على أساسها المفاوضات.
وقررت دول الاتحاد الأوروبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عدم فتح فصول جديدة للتفاوض مع تركيا بسبب تطورات الأوضاع التي شهدتها البلاد على خلفية محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو (تموز) الماضي.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».