50 عاما على حرب 67: إسرائيل بحثت في إقامة دولة فلسطينية قبل 50 عاماً وعرقلتها

وثائق حرب 1967 تؤكد استمرار الجدل نفسه حول ما طرح من خيارات بعدها

قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)
قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)
TT

50 عاما على حرب 67: إسرائيل بحثت في إقامة دولة فلسطينية قبل 50 عاماً وعرقلتها

قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)
قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)

تؤكد الوثائق التي كُشِف عنها في تل أبيب، بمناسبة مرور 50 عاماً على حرب الأيام الستة، أن إسرائيل درست بعد أيام من انتهاء الحرب، إمكانية إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، كواحدة من احتمالات عدة للتخلص من عبء السيطرة على الفلسطينيين، لكنها لم تفلح في التوصل إلى قرار. بل اتخذت إجراءات وقامت بممارسات تبعد هذا الحل وتعرقل إقامة الدولة الفلسطينية، وتغرقها في وحل الاحتلال.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد حررت مجموعة جديدة من الوثائق التي اعتبرتها طيلة 50 سنة «سرية للغاية»، وهي عبارة عن 1000 صفحة بروتوكول للجلسات التي عقدتها «اللجنة الوزارية للشؤون الأمنية» في الحكومة، وبلغ عددها 36 جلسة منذ بداية 1967 وحتى نهاية الحرب، في 10 يونيو (حزيران) 1967، وبعض الوثائق التي تدون الأبحاث التي جرت خلال بضعة أشهر أخرى من الحرب. ويبرز في نصوص البروتوكولات كيف انتقل قادة إسرائيل وبشكل حاد، من حالة الخوف الوجودي قبل الحرب إلى نشوة الانتصار بعدها، وكيف اختلفوا حول مستقبل البلاد، ونسوا أن هذه الحرب أسفرت عن مقتل 779 ضابطا وجنديا إسرائيليا.
ويتضح منها أن القيادة الإسرائيلية انشغلت في تلك الأيام، في عدد من الأمور، أهمها: ماذا تفعل في 1.2 مليون فلسطيني وقعوا تحت سيطرتها (الضفة الغربية وقطاع غزة). وقد عبر رئيس الحكومة ليفي اشكول، يومها عن ذلك في جلسة 10 يونيو، بالقول: «يجب بدء التفكير بما سنفعله مع العرب». وهي كلمة تجلجلت أصداؤها حتى اليوم، لأن حكومات إسرائيل عبر 50 سنة لاحقة، لم تعط جواباً.
بداية الحرب
المعروف أن إسرائيل شَنَّت الحرب يوم الخامس من يونيو 1967، بحجة الدفاع عن النفس. ففي حينه، دارت اشتباكات بوتائر عالية بين سوريا وإسرائيل أوقعت خسائر لدى الجانبين. وفي مرحلة معينة، هدد الرئيس المصري جمال عبد الناصر بالحرب تضامناً مع سوريا. ولكي يثبت جدية تهديده، طلب من قوات الأمم المتحدة أن تغادر سيناء، وأغلق مضايق تيران في وجه السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر. ودخل الإسرائيليون في نقاشات حادة حول التصرف المطلوب، وساد خلاف بين تيارين: يمثل أحدهما رئيس الوزراء، ليفي اشكول، ويرى أن الحرب غير ضرورية، ويعتقد أن مصر لم تقصد الحرب عندما أغلقت مضايق تيران، إنما أرادت تهديد إسرائيل ومن الممكن التفاهم معها عبر طرف ثالث. وتيار الجنرالات بالمقابل، الذي اعتبرها فرصة لتوجيه ضربة قاصمة للجيوش العربية.
وقد عبر الجنرال أرييل شارون يومها عن موقف الجنرالات، وكان يومها قائداً لكتيبة المدرعات في جيش الاحتياط، لكي يقنع الحكومة بإعلان الحرب. فقال: «قوات الجيش مستعدة بشكل غير مسبوق، وتستطيع تدمير وصد الهجوم المصري. هدفنا لا يقل عن التدمير الشامل للقوات المصرية. بسبب التردد والمماطلة في الوقت فقدنا عامل الردع الأساسي الذي امتلكناه، وكان هذا هو ما يخيف الدول العربية منا». وواصل شارون: «فهمت من أسئلة الوزراء أنه يسود الخوف من عدد الخسائر. أولاً، يمكن إبادة الجيش المصري ومواجهة الأردنيين والسوريين. يوجد مبرر أخلاقي للقيادة التي تقرر الخروج إلى حملة ترتبط بعدد أكبر من الخسائر. منذ حرب 1948 لم نواجه مثل هذا الوضع الخطير، ولذلك فإن هذه الحملة تنطوي على عدد أكبر من الخسائر، ويجب أن نخوضها، لأنه لا مفر من ذلك (...) الجيش مستعد أكثر من أي وقت للحرب. من غيرنا يمكنه أن يأتي إليكم ويقول لكم إن الجيش مستعد للحرب؟ كل محاولة للتأثير على تأجيل موعد الهجوم، على أمل أن نتلقى 100 دبابة أخرى، ستكون بمثابة خطأ من الدرجة الأولى».
وحسم الموقف بإعلان الحرب على مصر.
وفي صبيجة يوم الاثنين، الخامس من يونيو، فاجأ الطيران الإسرائيلي مصر بهجوم دمر فيه وخلال بضع ساعات، أسطول طائراتها المقاتلة، وهي جاثمة على أرض المطارات الحربية. وقد لوحظ أن إسرائيل كانت أول من أعلن عن الحرب وادعت كذباً أن مصر هي التي هاجمتها. ففي تمام الساعة 7:24، أصدر الناطق العسكري الإسرائيلي في تل أبيب، أن المصريين هاجموا إسرائيل باستخدام دبابات وطائرات في جنوب البلاد. ثم صدر بيان رسمي إسرائيلي يؤكد أن معارك عنيفة بدأت، وأن القوات الإسرائيلية تقوم بهجوم مضاد. دوت صفارات الإنذار في تل أبيب وفي مدن أخرى. وفقط بعد نحو نصف ساعة، قطعت إذاعة القاهرة برامجها لتعلن أن «القوات الإسرائيلية بدأت هذا الصباح عدوانها ضدنا». وفقط في اليوم الثالث للحرب، شنت إسرائيل هجوماً مماثلاً بالطائرات على سوريا. ثم اجتاحت الضفة الغربية وحاصرت القدس الشرقية.
وبانتهاء اليوم السادس، كانت إسرائيل قد احتلت الضفة الغربية والمدينة القديمة في القدس، وأكثر من 20 قرية عربية على الجانب الشرقي من المدينة، أي ما يعادل 5900 كيلومتر مربع، وعلى الجبهات الأخرى، احتلت مرتفعات الجولان من سوريا، وشبه جزيرة سيناء المصرية، وقطاع غزة الذي كان تحت إدارة مصر.
ما العمل؟
في اليوم الثالث لحرب الأيام الستة، اتضح لإسرائيل حجم انتصارها، لكنه اتضح لها أيضاً أنها تواجه مشكلة في السيطرة على السكان العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبعد انتهاء المعارك في 15 يونيو 1967، عقدت جلسة للمجلس الوزاري تم التكتم على مضمونها واعتُبِرت «بالغة السرية». وتخبط رئيس الحكومة والوزراء خلالها فيما يجب عمله. وتكشف هذه البروتوكولات أن هناك من كان يتمتع بالرؤية البعيدة، فيعتبر نتائج الحرب فرصة لتسوية الصراع بإقامة دولة فلسطينية، بعد نهاية الحرب مباشرة. ولكن هناك من أراد استثمار الانتصار لضم الأراضي الفلسطينية بأسرها إلى سيادة الدولة العبرية. وهناك «حلول وسط» طرحت، مثل «خطة ألون»، على اسم صاحبها الوزير يغئال ألون، الذي اقترح ضم القدس وغور الأردن ورؤوس الجبال المطلة على إسرائيل من الضفة الغربية وإعادة البقية إلى الأردن.
وفي المقابل، وضع كبار المسؤولين في وزارة الخارجية، مجموعة من سبعة احتمالات لما يمكن أن تفعله إسرائيل بالضفة الغربية وقطاع غزة. وقد أخذ المسؤولون بعين الاعتبار كل شيء، من إقامة دولة فلسطينية مستقلة منزوعة السلاح تكون عاصمتها أقرب ما يكون إلى القدس إلى ضم المنطقة بكاملها إلى إسرائيل أو تسليم معظمها للأردن. وشرح المسؤولون ضرورة التحرك بسرعة «لأن الانطباع قد ينشأ في غضون ذلك على المستوى الدولي، بأن إسرائيل تفرض حكماً استعمارياً على تلك الأراضي المحتلة». وكان هناك خيار رابع ورد تحت اسم «الحل التدريجي»، يبقي الوضع القائم في خطة لإقامة دولة فلسطينية في حال التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والدول العربية.
وقد تقرر في النهاية بالإجماع، ضم القدس إلى تخوم إسرائيل، وأعلن رئيس الحكومة ليفي اشكول بأن المناطق «المحررة» ستخضع للحكم العسكري، وستسمى بـ«مناطق مُدارة». وتمحورت الأسئلة التي تم طرحها حول سكان الضفة الغربية والمثلث. ومن بين المقترحات التي طرحت، كان الإعلان عنها كمنطقة حكم ذاتي، إلا أن زعيم حزب حيروت اليميني، مناحيم بيغن، الذي دخل كوزير في حكومة الوحدة القومية، عارض ذلك. وقال رئيس الحكومة ليفي اشكول، حول المقترحات المختلفة: «مهما كان شكل النظام في الضفة، يمنع منح المواطنة الإسرائيلية لسكانها، لن نمنحهم بأي شكل من الأشكال حق التصويت للكنيست. لقد أصابنا الذعر جراء إضافة 1.2 مليون عربي، سيتزايدون ويتكاثرون (عدد سكان إسرائيل في حينه كان 3 ملايين نسمة)». وتم تقديم ثلاثة اقتراحات: منحهم مكانة سكان، وبعد سبع سنوات مناقشة مسألة مواطنتهم، أو فرض حكم عسكري من دون منح مكانة للسكان، وإنما تقديم الخدمات المطلوبة لهم فقط، أو منح مكانة لسكان المثلث، تنبع من الحكم الذاتي وضم بقية السكان إلى إسرائيل.
وأوضح بيغن من جهته: «ارض إسرائيل الغربية لنا كلها. لماذا تخافون من قول ذلك؟ فنحن من تعرض للهجوم. أين رأينا شعباً ينتصر ويسفك دمه ثم يتنازل؟ أي جيوش سيرسلونها ضدنا لخنقنا؟ ما هذا الإسراع لتسليم الملك حسين جزءاً من أرض إسرائيل الغربية؟ يحظر علينا استدعاء الضغط علينا، ويحظر علينا تسليم شبر من أرض إسرائيل لسلطة أجنبية. كل ذكر لاقتراح بإقامة دولة فلسطينية بهذه الطريقة أو تلك سينزل علينا كارثة». وواصل قائلاً: «لن نسلم القدس! سنحتفظ بمدينة الآباء لنا. وكذلك ببيت لحم مع قبر راحيل. يتضح أننا على استعداد لتسليم المثلث. من هذه التلال قصفوا تل أبيب، ويمكن تخريب نتانيا وتقسيم أرض إسرائيل إلى قسمين. من العبث الموافقة على ذلك أو التلميح لذلك. أنا أقترح التفكير بنظام كهذا: لا يمكن لهم جميعاً الحصول على المواطنة. سنمنحهم مكانة سكان. وهكذا تكون لهم كل الحقوق. هناك من سيحصلون على المواطنة بعد سبع سنوات. ماذا سنفعل خلال هذه السنوات السبع؟ يجب عدم الفزع من حقيقة أنه لن تكون لدينا غالبية يهودية. يجب الاهتمام بألا يتحولوا إلى أغلبية، يجب الإكثار من إحضار المهاجرين، إحضار مهاجرين من روسيا، وتشجيع الولادة».



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.