إردوغان يستهل «عهده الثاني» على رأس الحزب الحاكم برسائل للداخل والخارج

شدد على التصدي لـ«حركة غولن» ومواصلة الطوارئ ودعا أوروبا إلى «عدم النفاق» مع تركيا

إردوغان لدى إلقاء خطابه أمام المؤتمر العام الاستثنائي لـ«حزب العدالة والتنمية» في أنقرة أمس (رويترز)
إردوغان لدى إلقاء خطابه أمام المؤتمر العام الاستثنائي لـ«حزب العدالة والتنمية» في أنقرة أمس (رويترز)
TT

إردوغان يستهل «عهده الثاني» على رأس الحزب الحاكم برسائل للداخل والخارج

إردوغان لدى إلقاء خطابه أمام المؤتمر العام الاستثنائي لـ«حزب العدالة والتنمية» في أنقرة أمس (رويترز)
إردوغان لدى إلقاء خطابه أمام المؤتمر العام الاستثنائي لـ«حزب العدالة والتنمية» في أنقرة أمس (رويترز)

استهل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «عهده الثاني» رئيساً لـ«حزب العدالة والتنمية» الحاكم الذي عاد لقيادته بعد غياب 998 يوماً بتوجيه عدد من الرسائل للداخل والخارج، في مقدمتها التأكيد على الاستمرار في جهود مكافحة «حركة غولن» واستمرار حالة الطوارئ المعلنة عقب محاولة الانقلاب التي وقعت في منتصف يوليو (تموز) 2016 ومطالبة الاتحاد الأوروبي بعدم النفاق تجاه تركيا.
وفي خطاب دام أكثر من ساعتين في المؤتمر العام الاستثنائي الثالث لـ«حزب العدالة والتنمية» تم تقديمه فيه مرشحاً وحيداً لرئاسة الحزب في تطبيق مبكر للتعديلات الدستورية التي أقرت في الاستفتاء الشعبي الذي شهدته تركيا في 16 أبريل (نيسان) الماضي والتي سمحت لرئيس الجمهورية بالاحتفاظ بصلته بحزبه السياسي، استعرض إردوغان مسيرة الحزب الذي يقود تركيا منذ 15 عاماً والإنجازات التي تحققت في مجالات الاقتصاد والصحة والتعليم والخدمات والمرافق المختلفة للدولة. وقال إردوغان، الذي صوت لصالح رئاسته للحزب 1414 من مندوبي الحزب، خلال المؤتمر الذي أقيم في استاد رياضي بالعاصمة أنقرة وسط إجراءات أمنية مشددة بحضور نحو 60 ألفاً من أعضاء الحزب في جميع محافظات تركيا: «ها نحن معاً من جديد بعد 998 يوماً (ثلاثة أعوام تقريباً)، حيث نبدأ بداية جديدة لعمل دؤوب أكثر من أجل أهداف أكبر»، واصفاً «حزب العدالة والتنمية» بأنه ضمانة الديمقراطية والتغيير، وعنوان الإصلاح في تركيا.
وأكد إردوغان الاستمرار في مكافحة «حركة الخدمة» أو ما سماها «منظمة غولن الإرهابية»، في إشارة إلى الداعية التركي المقيم في أميركا منذ عام 1999 الذي يتهمه بتدبير محاولة الانقلاب وعدم التسامح مع عناصرها مهما تكن درجة القرابة والصلة. وتابع إردوغان: «تركيا ماضية بخطى واثقة للتخلص من المنظمة الإرهابية الانفصالية (في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني) وتنظيم داعش وحركة غولن». وتوعد حزب العمال الكردستاني وداعميه بمزيد من الضربات الموجعة، مشيراً إلى أن الحزب فشل في تحقيق أهدافه في الداخل التركي، ويعمل حالياً على تحقيق تلك الأهداف في دول الجوار (في إشارة إلى سوريا والعراق).
ورداً على انتقادات الجهات الداخلية والخارجية التي تطالب بإلغاء حالة الطوارئ المعلنة في البلاد على خلفية المحاولة الانقلابية الفاشلة، قال إردوغان: «في فرنسا أعلنوا حالة الطوارئ لمدة عام بسبب مقتل 15 شخصاً، ونحن قدمنا 249 شهيداً، فضلاً عن إصابة ألفين و193 من مواطنينا في محاولة الانقلاب الفاشلة، بأي وجه تطالبون بإلغاء حالة الطوارئ؟ ستستمر هذه الحالة حتى عودة الأمور إلى طبيعتها».
وحول علاقات أنقرة بالاتحاد الأوروبي والتوترات الأخيرة التي شابت تلك العلاقات، أكد إردوغان أن «أنقرة ليست مرغمة على تحمل نفاق الاتحاد الأوروبي، بعد أن وصل الأمر بهم للضرب بكرامة تركيا وشعبها عرض الحائط (...) إما أن يوفي الاتحاد الأوروبي بوعوده حول إعفاء مواطنينا من تأشيرة الدخول، ويرسل المساعدات التي تعهد بها للاجئين، ويزيل العراقيل أمام مفاوضات العضوية، أو يمضي كل في طريقه». وأشار إردوغان إلى أن بلاده تفضل إكمال الطريق مع الاتحاد الأوروبي، رغم كل التوترات التي تشوب علاقات الطرفين، لافتاً إلى أن القرار في هذا الخصوص عائد إلى الاتحاد نفسه.
وعن خطط وأهداف «حزب العدالة والتنمية» خلال الفترة المقبلة، قال إردوغان: «هدفنا الحالي هو تجديد كوادر حزبنا بسرعة حتى نهاية العام الحالي مع مؤتمرنا الاستثنائي الكبير هذا، وبعد ذلك سنعلن لشعبنا عن خارطة طريق مدتها 6 أشهر».
وكان مندوبو «حزب العدالة والتنمية» قد قدموا إردوغان أمس مرشحاً وحيداً لرئاسة الحزب، وقال رئيس ديوان المؤتمر، حياتي يازجي، إن إردوغان ترشح لمنصب رئاسة الحزب بعد أن حصل على تأييد ألف و370 مندوباً، صوت 1414 منهم لصالحه. وبذلك أصبح إردوغان رئيساً للحزب اعتباراً من يوم أمس ليعيد إلى تركيا صيغة «الرئيس الحزبي» التي انتهت مع دستور عام 1982، وليدشن النظام الرئاسي الذي يعطي جميع الصلاحيات التنفيذية لرئيس الجمهورية ويلغي منصب رئيس الوزراء.
كما ارتسمت أمس ملامح التشكيل الجديد للجنة المركزية ومجلس القرار بالحزب، حيث قدمت قائمة من المرشحين ضمت في المقدمة رئيس الوزراء بن علي يلدريم نائباً لرئيس الحزب وكل من عبد الحميد غل.
وخرج من التشكيل كل من ويسي كايناك (نائب رئيس الوزراء) ومحمد مؤذن أوغلو (وزير العمل والتضامن الاجتماعي الحالي) وياسين أقطاي (المتحدث باسم الحزب) وشعبان ديشلي (نائب رئيس الحزب للشؤون الاقتصادية الذي كان شقيقه محمد ديشلي أحد كبار قادة محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في منتصف يوليو 2016) وغالب أنس آري أوغلو، وسما رمضان أوغلو.
ويعد دخول وزير الطاقة والموارد الطبيعية برات البيراق، وهو زوج ابنة الرئيس إردوغان، أبرز ما لفت انتباه المتابعين للمؤتمر. وقالت مصادر بالحزب إن الفترة المقبلة ستشهد تغييرات أخرى في الكوادر الفاعلة في مختلف مستويات الحزب استعداداً للانتخابات المحلية التي ستجرى في مارس (آذار) 2019 والتي ستعقبها الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، حيث سيجريان معاً في اليوم نفسه، بحسب التعديلات الدستورية.
وفي كلمة في افتتاح أعمال المؤتمر الاستثنائي الثالث للحزب أمس، أعرب رئيس الوزراء بن علي يلدريم ترحيبه بتسليم رئاسة حزب العدالة والتنمية مجدداً إلى زعيمه المؤسس، رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان. وقال: «اليوم لا نعقد مؤتمرنا الاستثنائي فقط، بل نجمع بين قائد التغيير وحزب الأمة بأكملها مرة أخرى». وتطرق يلدريم في كلمته إلى مكافحة الإرهاب قائلاً إنه «لا توجد دولة على وجه المعمورة، عدا تركيا، تكافح 3 منظمات إرهابية على الأقل في آن واحد... وكل من يدعم الإرهاب خسارته محتومة». ولفت إلى أن عملية «درع الفرات» التي أطلقتها تركيا في سوريا لتطهير الشريط الحدودي من الإرهابيين، أسهمت في الحفاظ على حياة المواطنين الأتراك وسلامة ممتلكاتهم، مضيفاً: «نضالنا في المنطقة لم ينتهِ بعد، ولا يمكن الوصول لتفاهم أو وضع سياسات حول المنطقة بمعزل عن تركيا».
وأسس إردوغان حزب العدالة والتنمية عام 2001، وتولى قيادته حتى 2014، حين استقال منه بسبب ترشحه لرئاسة البلاد، بموجب الدستور، الذي كان ينص على حيادية الرئيس وعدم انتسابه لأي حزب سياسي، قبل التعديلات الأخيرة. وانفرد الحزب بقيادة تركيا منذ أول انتخابات خاضها عام 2002 حتى الآن، ومر خلال هذه الفترة بكثير من التغيرات وتعرض لضغوط أشار إليها إردوغان ويلدريم أمس في كلمتيهما، حيث كانت هناك محاولة لإغلاقه في عام 2008. كما غاب عن المؤتمر أمس كثير من المؤسسين الذين رافقوا إردوغان في مسيرته من البداية، وأبرزهم رئيس الجمهورية السابق عبد الله غل ونائب رئيس الوزراء السابق بولنت أرينتش.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.