«انقطاع الكهرباء» في مصر أزمة تتعاقب عليها الحكومات

دخلت مفردات الصراع السياسي.. والآمال معقودة على الرئيس القادم

جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
TT

«انقطاع الكهرباء» في مصر أزمة تتعاقب عليها الحكومات

جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)

«حالنا واقف.. الكهرباء أصبحت تنقطع أكثر من خمس مرات يوميا، وكل مرة أكثر من ساعة، لا يمكنني أن أطبخ ولا أستريح، ولا الأولاد يمكنهم أن يستذكروا دروسهم».. وبحسم تابعت حسنية، وهي ربة بيت في عباءة الخمسين: «الرئيس الذي سيقدم حلولا واقعية لمشكلة الكهرباء سأنتخبه فورا».. ثم أردفت بغضب: «أنا لا أصدق كلام الحكومة، وزير الكهرباء قال إن الكهرباء ستنقطع ساعة واحدة في الصيف. وقلنا إننا سنحتمل، لكن الساعة أصبحت أربع وخمس ساعات يوميا».
وتفاقمت أزمة انقطاع التيار الكهربائي في مصر على نحو لافت في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وكانت أحد أسباب الغضب الشعبي العارم ضده، حتى أطيح به في 30 يونيو (حزيران) من العام الماضي، لكن الأزمة استمرت أيضا في ظل الإدارة الحالية للبلاد.
وعلى غرار قصة شهيرة في الثمانينات، عرفت باسم «فأر السبتية»، الذي حملته وزارة الكهرباء في مصر آنذاك مسؤولية انقطاع التيار الكهربائي عن منطقة «السبتية» الشعبية بالقاهرة، مؤكدة أن الفأر قام بقطع الأسلاك بأسنانه المدببة، وهو بالتالي المتهم عن إغراق المنطقة في الظلام الدامس لعدة أسابيع، سخر المصريون من الرئيس المعزول مرسي، حين حاول تسييس المشكلة، مشيرا في إحدى خطبه إلى أنها مفتعلة من قبل خصومه ومعارضيه، وأنهم يقومون برشوة عمال المحطات، وأنه «بعشرين جنيها، الولد ينزل السكينة (المفتاح الرئيس في محطات الكهرباء) ويقطع الكهرباء».
يضحك أحمد، وهو شاب تخرج حديثا في الجامعة ويدير مقهى راقيا بحي الزمالك بالقاهرة، قائلا: «المشكلة لم تعد مقصورة على فأر السبتية ولا العامل الذي يشد السكينة، مصر كلها أصبحت تغرق في الظلام، تقريبا أكثر من ثلاث ساعات اليوم، هناك قرى في الصعيد والمحافظات تنقطع عنها الكهرباء أكثر من سبع ساعات على مدار اليوم.. لا بد من الشفافية ومصارحة الناس بحجم المشكلة، حتى يكونوا جزءا من خطط الحكومة لحلها، أو على الأقل يدعمون هذا الخطط عن وعي واقتناع».
من جانبها، قررت الحكومة المصرية، العودة إلى العمل بالتوقيت الصيفي مجددا، والذي يتيح العمل به استغلال ساعة زائدة من النهار، كحل وقتي لخفض معدلات استهلاك الطاقة. وذلك بعد ثلاث سنوات من اعتماد الدولة التوقيت الموحد على مدار العام عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وأعلن مجلس الوزراء في بيان على موقعه الرسمي أمس أنه سيعود إلى العمل بالتوقيت الصيفي بدءا من الخميس المقبل، الموافق 15 مايو (أيار) الحالي، مع استثناء شهر رمضان المبارك، وذلك «نظرا للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وما تعانيه من نقص في مصادر الطاقة، بما يترتب عليه من اضطرار وزارة الكهرباء إلى قطع التيار الكهربائي في أوقات الذروة لتخفيف الأحمال وذلك من أجل المساهمة في تقليل استهلاك الكهرباء».
ودخلت أزمة انقطاع الكهرباء على أجندة المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية في مصر المقرر إجراؤها يومي 26 و27 من الشهر الحالي، المشير عبد الفتاح السيسي، وحمدين صباحي، ويؤكد القائمون على حملتيهما أن أزمة الطاقة والكهرباء هي أحد أهم الأزمات التي سيركز عليها كل منهما، وطرح حلول جذرية لها.
ومن ضمن هذه الحلول السريعة استخدام «اللمبات الموفرة للطاقة» بدلا من اللمبات العادية، وهو الاقتراح الذي يراه السيسي بمثابة عتبة تمهيدية لحل الأزمة، لافتا إلى أن طاقة المنازل تستهلك نحو 15 ألف ميغاواط، منها ستة آلاف ميغاواط للمبات الإضاءة فقط، طارحا استبدال لمبات الإضاءة بأخرى ستوفر أربعة آلاف ميغاواط، موضحا أن برنامج توفير الطاقة حاسم وسيجري تطبيقه بالقانون، قائلا: «ليس لدي خيار آخر».
وأشار السيسي في حوار تلفزيوني له أذيع أول من أمس إلى أن مصر تنتج 30 ألف ميغاواط، ولا يمكن الاعتماد على الفكر التقليدي بإنشاء محطات كهرباء، وأنه - في الأجل القصير - لا بد من ترشيد استخدام الطاقة وفقا لخطة محددة. ونوه السيسي بمشروعات الطاقة الشمسية التي ستسهم في حل مشكلات الطاقة في مصر، قائلا: «أحتاج إلى تفهم المصريين للإجراءات التي سيجري اتخاذها».
يضيف أحمد: «المشكلة أن التصريحات الحكومية المتعاقبة حول أزمة انقطاع الكهرباء لا تتغير، وتراوح في مكانها، مع بعض الرتوش الشكلية من وزير لآخر، فتارة تحمل المواطنين مسؤولية عدم ترشيد الاستهلاك، وأخرى تلقي بها على نقص الوقود، وهو ما يوسع من هوة نقص الثقة بين الحكومة والمواطنين، فتصبح مجرد اقتراحات على ورق. الناس بحاجة لحلول عملية يلمسونها على أرض الواقع».
ومثل سابقاتها، تعزو الحكومة الحالية المشكلة إلى نقص الوقود، ونقص توافر السيولة الكافية لاستيراده، وخروج بعض وحدات توليد الكهرباء للصيانة، مطالبة المواطنين بترشيد الاستهلاك، وكذلك قلة جدية البدائل المطروحة لحل المشكلة، والمتمثلة في استخدام الفحم الذي لاقى اعتراضا من قطاعات كبيرة في المجتمع، وخاصة وزارة البيئة، وكذلك الاستعانة بالطاقة الشمسية؛ والتي يقول خبراء، إنها الأمثل والأكثر مواءمة للبيئة، والأقل تكلفة، لكنها ستستغرق بضع سنوات.
وزادت تصريحات صحافية أخيرا لوزير الكهرباء والطاقة المتجددة، المهندس محمد شاكر، من غضب المواطنين، خصوصا أنه أكد فيها أن التيار قد ينقطع ما بين ثلاث إلى ست ساعات يوميا في فصل الصيف، إذا ما حدث عجز بالوقود المتوفر بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة، لكن رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، حافظ سلماوي قال إن «تصريحات الوزير بشأن انقطاع الكهرباء، يقصد بها تحضير الناس للسيناريو الأسوأ، لكن هناك إجراءات تجري لتجنب حدوث هذا الأمر».
وتعمل مصر على استيراد كميات من السولار والغاز المسال لتقليل انقطاع التيار في فصل الصيف من خلال التفاوض للوصول إلى اتفاق مع «إحدى الدول العربية»، وفقا لما أكده سلماوي، لكنه أشار إلى أن نفس معدل الدعم القائم لن يستمر، إذ ليس متوقعا أن يجري الانتهاء من الأزمة قبل عام 2017. ولفت سلماوي إلى أن استخدام الفحم ضمن منظومة الطاقة لن ينفذ قبل عام 2020، ولا سيما أن المحطات الحالية لا تعمل بالفحم، وقد يتغير الوضع في هذا التوقيت.
وفي كلمته أول من أمس أمام المؤتمر الدولي للتقاضي الإلكتروني، قال إبراهيم محلب، رئيس الوزراء المصري، إن الحكومة تتخذ الكثير من الإجراءات من أجل المواطن، لعل أبرزها الحرص على وصول الدعم لمستحقيه بشكل كامل، مؤكدا أنه «لا دعم للأغنياء من اليوم».
وتشهد مصر جدلا واسعا حول زيادة أسعار الطاقة والوقود من فترة، بعد قرار مجلس الوزراء المصري رفع أسعار الغاز الطبيعي للمنازل اعتبارا من الشهر الحالي، وهي الخطوة التي رأى البعض أنها بداية لرفع الدعم عن الوقود. وما بين هذه الوعود والإجراءات، يخشى المصريون - الذين هدد الكثيرون منهم بالامتناع عن دفع فاتورة الكهرباء - أن يتحول انقطاع الكهرباء إلى هم آخر يطاردهم، بعدما عانوا سنوات طويلة من قائمة هموم لا تنتهي، كان أبرزها الحصول على رغيف العيش.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.