«انقطاع الكهرباء» في مصر أزمة تتعاقب عليها الحكومات

دخلت مفردات الصراع السياسي.. والآمال معقودة على الرئيس القادم

جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
TT

«انقطاع الكهرباء» في مصر أزمة تتعاقب عليها الحكومات

جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)

«حالنا واقف.. الكهرباء أصبحت تنقطع أكثر من خمس مرات يوميا، وكل مرة أكثر من ساعة، لا يمكنني أن أطبخ ولا أستريح، ولا الأولاد يمكنهم أن يستذكروا دروسهم».. وبحسم تابعت حسنية، وهي ربة بيت في عباءة الخمسين: «الرئيس الذي سيقدم حلولا واقعية لمشكلة الكهرباء سأنتخبه فورا».. ثم أردفت بغضب: «أنا لا أصدق كلام الحكومة، وزير الكهرباء قال إن الكهرباء ستنقطع ساعة واحدة في الصيف. وقلنا إننا سنحتمل، لكن الساعة أصبحت أربع وخمس ساعات يوميا».
وتفاقمت أزمة انقطاع التيار الكهربائي في مصر على نحو لافت في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وكانت أحد أسباب الغضب الشعبي العارم ضده، حتى أطيح به في 30 يونيو (حزيران) من العام الماضي، لكن الأزمة استمرت أيضا في ظل الإدارة الحالية للبلاد.
وعلى غرار قصة شهيرة في الثمانينات، عرفت باسم «فأر السبتية»، الذي حملته وزارة الكهرباء في مصر آنذاك مسؤولية انقطاع التيار الكهربائي عن منطقة «السبتية» الشعبية بالقاهرة، مؤكدة أن الفأر قام بقطع الأسلاك بأسنانه المدببة، وهو بالتالي المتهم عن إغراق المنطقة في الظلام الدامس لعدة أسابيع، سخر المصريون من الرئيس المعزول مرسي، حين حاول تسييس المشكلة، مشيرا في إحدى خطبه إلى أنها مفتعلة من قبل خصومه ومعارضيه، وأنهم يقومون برشوة عمال المحطات، وأنه «بعشرين جنيها، الولد ينزل السكينة (المفتاح الرئيس في محطات الكهرباء) ويقطع الكهرباء».
يضحك أحمد، وهو شاب تخرج حديثا في الجامعة ويدير مقهى راقيا بحي الزمالك بالقاهرة، قائلا: «المشكلة لم تعد مقصورة على فأر السبتية ولا العامل الذي يشد السكينة، مصر كلها أصبحت تغرق في الظلام، تقريبا أكثر من ثلاث ساعات اليوم، هناك قرى في الصعيد والمحافظات تنقطع عنها الكهرباء أكثر من سبع ساعات على مدار اليوم.. لا بد من الشفافية ومصارحة الناس بحجم المشكلة، حتى يكونوا جزءا من خطط الحكومة لحلها، أو على الأقل يدعمون هذا الخطط عن وعي واقتناع».
من جانبها، قررت الحكومة المصرية، العودة إلى العمل بالتوقيت الصيفي مجددا، والذي يتيح العمل به استغلال ساعة زائدة من النهار، كحل وقتي لخفض معدلات استهلاك الطاقة. وذلك بعد ثلاث سنوات من اعتماد الدولة التوقيت الموحد على مدار العام عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وأعلن مجلس الوزراء في بيان على موقعه الرسمي أمس أنه سيعود إلى العمل بالتوقيت الصيفي بدءا من الخميس المقبل، الموافق 15 مايو (أيار) الحالي، مع استثناء شهر رمضان المبارك، وذلك «نظرا للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وما تعانيه من نقص في مصادر الطاقة، بما يترتب عليه من اضطرار وزارة الكهرباء إلى قطع التيار الكهربائي في أوقات الذروة لتخفيف الأحمال وذلك من أجل المساهمة في تقليل استهلاك الكهرباء».
ودخلت أزمة انقطاع الكهرباء على أجندة المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية في مصر المقرر إجراؤها يومي 26 و27 من الشهر الحالي، المشير عبد الفتاح السيسي، وحمدين صباحي، ويؤكد القائمون على حملتيهما أن أزمة الطاقة والكهرباء هي أحد أهم الأزمات التي سيركز عليها كل منهما، وطرح حلول جذرية لها.
ومن ضمن هذه الحلول السريعة استخدام «اللمبات الموفرة للطاقة» بدلا من اللمبات العادية، وهو الاقتراح الذي يراه السيسي بمثابة عتبة تمهيدية لحل الأزمة، لافتا إلى أن طاقة المنازل تستهلك نحو 15 ألف ميغاواط، منها ستة آلاف ميغاواط للمبات الإضاءة فقط، طارحا استبدال لمبات الإضاءة بأخرى ستوفر أربعة آلاف ميغاواط، موضحا أن برنامج توفير الطاقة حاسم وسيجري تطبيقه بالقانون، قائلا: «ليس لدي خيار آخر».
وأشار السيسي في حوار تلفزيوني له أذيع أول من أمس إلى أن مصر تنتج 30 ألف ميغاواط، ولا يمكن الاعتماد على الفكر التقليدي بإنشاء محطات كهرباء، وأنه - في الأجل القصير - لا بد من ترشيد استخدام الطاقة وفقا لخطة محددة. ونوه السيسي بمشروعات الطاقة الشمسية التي ستسهم في حل مشكلات الطاقة في مصر، قائلا: «أحتاج إلى تفهم المصريين للإجراءات التي سيجري اتخاذها».
يضيف أحمد: «المشكلة أن التصريحات الحكومية المتعاقبة حول أزمة انقطاع الكهرباء لا تتغير، وتراوح في مكانها، مع بعض الرتوش الشكلية من وزير لآخر، فتارة تحمل المواطنين مسؤولية عدم ترشيد الاستهلاك، وأخرى تلقي بها على نقص الوقود، وهو ما يوسع من هوة نقص الثقة بين الحكومة والمواطنين، فتصبح مجرد اقتراحات على ورق. الناس بحاجة لحلول عملية يلمسونها على أرض الواقع».
ومثل سابقاتها، تعزو الحكومة الحالية المشكلة إلى نقص الوقود، ونقص توافر السيولة الكافية لاستيراده، وخروج بعض وحدات توليد الكهرباء للصيانة، مطالبة المواطنين بترشيد الاستهلاك، وكذلك قلة جدية البدائل المطروحة لحل المشكلة، والمتمثلة في استخدام الفحم الذي لاقى اعتراضا من قطاعات كبيرة في المجتمع، وخاصة وزارة البيئة، وكذلك الاستعانة بالطاقة الشمسية؛ والتي يقول خبراء، إنها الأمثل والأكثر مواءمة للبيئة، والأقل تكلفة، لكنها ستستغرق بضع سنوات.
وزادت تصريحات صحافية أخيرا لوزير الكهرباء والطاقة المتجددة، المهندس محمد شاكر، من غضب المواطنين، خصوصا أنه أكد فيها أن التيار قد ينقطع ما بين ثلاث إلى ست ساعات يوميا في فصل الصيف، إذا ما حدث عجز بالوقود المتوفر بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة، لكن رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، حافظ سلماوي قال إن «تصريحات الوزير بشأن انقطاع الكهرباء، يقصد بها تحضير الناس للسيناريو الأسوأ، لكن هناك إجراءات تجري لتجنب حدوث هذا الأمر».
وتعمل مصر على استيراد كميات من السولار والغاز المسال لتقليل انقطاع التيار في فصل الصيف من خلال التفاوض للوصول إلى اتفاق مع «إحدى الدول العربية»، وفقا لما أكده سلماوي، لكنه أشار إلى أن نفس معدل الدعم القائم لن يستمر، إذ ليس متوقعا أن يجري الانتهاء من الأزمة قبل عام 2017. ولفت سلماوي إلى أن استخدام الفحم ضمن منظومة الطاقة لن ينفذ قبل عام 2020، ولا سيما أن المحطات الحالية لا تعمل بالفحم، وقد يتغير الوضع في هذا التوقيت.
وفي كلمته أول من أمس أمام المؤتمر الدولي للتقاضي الإلكتروني، قال إبراهيم محلب، رئيس الوزراء المصري، إن الحكومة تتخذ الكثير من الإجراءات من أجل المواطن، لعل أبرزها الحرص على وصول الدعم لمستحقيه بشكل كامل، مؤكدا أنه «لا دعم للأغنياء من اليوم».
وتشهد مصر جدلا واسعا حول زيادة أسعار الطاقة والوقود من فترة، بعد قرار مجلس الوزراء المصري رفع أسعار الغاز الطبيعي للمنازل اعتبارا من الشهر الحالي، وهي الخطوة التي رأى البعض أنها بداية لرفع الدعم عن الوقود. وما بين هذه الوعود والإجراءات، يخشى المصريون - الذين هدد الكثيرون منهم بالامتناع عن دفع فاتورة الكهرباء - أن يتحول انقطاع الكهرباء إلى هم آخر يطاردهم، بعدما عانوا سنوات طويلة من قائمة هموم لا تنتهي، كان أبرزها الحصول على رغيف العيش.



العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
TT

العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)

جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين بلاده والولايات المتحدة، بوصفها أحد المرتكزات الرئيسية لدعم الاستقرار ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، مشيراً إلى الرهان على أنَّ اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى.

تصريحات العليمي جاءت في وقت تمضي فيه الحكومة اليمنية في تنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية تستهدف تعزيز أداء مؤسسات الدولة، والحفاظ على استقرار السوق المحلية، وتخفيف التداعيات الإنسانية التي فاقمتها الحرب المستمرة.

وخلال استقبال العليمي سفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاغن، بحضور عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، تناولت المباحثات مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وأوجه التعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب التطورات المحلية والإقليمية، والجهود المطلوبة لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة التحديات المتراكمة، وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي، خلال اللقاء، أنَّ الشراكة مع واشنطن تمثل عنصراً محورياً في مواجهة المخاطر الأمنية المتنامية، خصوصاً تلك المرتبطة بتهديدات الملاحة الدولية، والأنشطة العابرة للحدود، والتنسيق بين الجماعات المسلحة وشبكات التطرف والتهريب في المنطقة، مشيراً إلى أنَّ هذه التحديات تتطلب مقاربةً دوليةً أكثر صرامة في التعامل مع مصادر التهديد وأدوات زعزعة الاستقرار.

نهج تصعيدي

في قراءة للتطورات الإقليمية، عدَّ رئيس مجلس القيادة اليمني أنَّ استئناف طهران سلوكها التصعيدي في المنطقة يمثل مؤشراً إضافياً على استمرار نهج قائم على إدارة الأزمات وتوسيع دوائر النفوذ عبر أدوات غير مباشرة، مؤكداً أنَّ التجارب الممتدة من اليمن إلى دول أخرى في الإقليم أظهرت أنَّ أي رهان على تغيُّر هذا السلوك من دون معالجة أسبابه البنيوية كان يقود دائماً إلى مزيد من التصعيد، لا إلى فرص حقيقية للسلام.

وأشار العليمي إلى أنَّ السلوك الحوثي خلال الأسابيع الأخيرة يقدم، وفق تقديره، دليلاً عملياً على استمرار هذا النهج، سواء من خلال التهديدات البحرية، أو عبر الممارسات التي تمس الأمن الإنساني والاقتصادي، أو من خلال ما وصفه بـ«تنسيق متزايد مع شبكات إرهابية في القرن الأفريقي»، في تطورات يرى أنَّها تعكس اتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالأزمة اليمنية وتجاوزها حدودها المحلية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وفي المقابل، شدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنَّ الحكومة في بلاده تواصل العمل على أكثر من مسار داخلي، في مقدِّمتها الإصلاحات الاقتصادية والمالية المدعومة من السعودية، إلى جانب جهود توحيد القرارَين الأمني والعسكري، وتعزيز فاعلية المؤسسات العامة، بما يسمح ببناء قدرة أكبر للدولة على التعامل مع الملفات الملحة، ورفع مستوى التنسيق بين أجهزتها المختلفة.

تنظيم الواردات

بالتوازي مع هذه التصريحات السياسية، عقدت اللجنة الوطنية اليمنية لتنظيم وتمويل الواردات، اجتماعها الرابع للعام الحالي في مقر البنك المركزي بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة محافظ البنك المركزي أحمد غالب، وبمشاركة وزير الصناعة والتجارة نائب رئيس اللجنة محمد الأشول، إلى جانب ممثلين عن الجهات ذات العلاقة، بينما شارك وزير المالية مروان غانم في الاجتماع، بدعوة من اللجنة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الوزارة ومؤسساتها في دعم استقرار السوق، وتنظيم حركة التجارة.

واستمعت اللجنة إلى تقارير تنفيذية وفنية تناولت سير الأداء في المنافذ البرية والبحرية، ومستوى الالتزام بالتعليمات والآليات المُنظِّمة لعمل اللجنة، فضلاً عن مراجعة الملاحظات المرتبطة ببعض الإشكالات الناجمة عن التطورات الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد، وما ترتب عليها من تحويل وجهات الشحن وتغيُّر مسارات الوصول لبعض الواردات.

ونقل الإعلام الرسمي أنَّ الاجتماع ناقش حزمةً من المعالجات المقترحة لتجاوز التحديات التشغيلية، وأقرَّ إجراءات تستهدف تعزيز كفاءة الأداء، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية واحتياجات السوق المحلية بانسيابية أكبر، إلى جانب تطوير الآليات الإدارية والتنظيمية بما يواكب المتغيرات المتسارعة، ويسهم في تسهيل الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المعنية.


اقتصاد اليمن يدفع تكلفة الحرب الحوثية الباهظة

حشد موالٍ للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد موالٍ للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد اليمن يدفع تكلفة الحرب الحوثية الباهظة

حشد موالٍ للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد موالٍ للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

كشفت بيانات حكومية يمنية عن حجم التدهور الاقتصادي والإنساني غير المسبوق الذي تعيشه البلاد بفعل الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، مؤكدة أن الصراع الذي أشعلته الجماعة الحوثية ألحق بالاقتصاد الوطني خسائر تراكمية قُدرت بنحو 126 مليار دولار حتى عام 2021، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر والبطالة، وتتراجع فرص التعافي الاقتصادي بصورة مقلقة.

وأظهرت البيانات الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي أن الاقتصاد اليمني واصل انكماشه تحت وطأة الحرب وتداعياتها الممتدة على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، في ظل استمرار تعثر الصادرات النفطية، وتراجع النشاط التجاري، وازدياد الضغوط على العملة المحلية؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستويات المعيشة وقدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وبحسب التقرير الخاص بالمؤشرات الاقتصادية والتنموية والإنسانية في اليمن، خلال عامي 2024 و2025، فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 43 في المائة بين عامي 2015 و2024. بعد أن كان قد سجل انكماشاً بنحو 50 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2021، وهو ما يعكس، وفق معدّي التقرير، عمق الأزمة الاقتصادية واستمرار آثارها التراكمية على مختلف مفاصل الاقتصاد الوطني.

الحرب تسببت في تراجع أنشطة المواني اليمنية ورفعت رسوم التأمين (إعلام حكومي)

وتُظهر البيانات اليمنية أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تراجع إلى 471 دولاراً فقط خلال عام 2024، مقارنة بـ1430 دولاراً في عام 2014، وهو تراجع حاد يكشف حجم الانهيار الذي أصاب القوة الشرائية ومستويات الدخل الفردي خلال سنوات الحرب.

ويعزو التقرير جانباً من هذا التراجع إلى تداعيات الحرب واستهداف الحوثيين موانئ تصدير النفط؛ الأمر الذي أدى إلى توقف الصادرات النفطية، وهي المورد الرئيس للعملة الصعبة في البلاد، بما فاقم من اختلالات المالية العامة، وأضعف قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية والإنفاق التنموي.

بطالة تتجاوز المعدلات

في سوق العمل، رسمت البيانات الحكومية اليمنية صورة قاتمة عن أوضاع التشغيل؛ إذ بلغ معدل البطالة بين الشباب 32.4 في المائة، متجاوزاً المتوسط العالمي البالغ 13.6 في المائة، وكذلك المتوسط العربي الذي يقف عند 25.9 في المائة، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وضعف قدرة الاقتصاد المنهك على توليد فرص عمل جديدة.

ويرى التقرير أن استمرار التراجع في قطاعات التعليم والصحة ومستويات المعيشة أسهم في تعميق هذه الأزمة، مع تآكل رأس المال البشري واتساع رقعة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في أوساط الشباب الذين باتوا الأكثر تأثراً بانسداد فرص العمل وضعف برامج التدريب والتأهيل.

الناس يمرون أمام لافتة تحمل شعاراً للحوثيين يتضمن عبارات معادية للولايات المتحدة وإسرائيل (إ.ب.أ)

وفي سياق متصل، أظهرت مؤشرات التنمية البشرية تراجعاً حاداً في ترتيب اليمن عالمياً؛ إذ سجل البلد 0.470 نقطة في مؤشر التنمية البشرية، مقارنة بمتوسط عربي يبلغ 0.719، ليحتل المرتبة 184 من أصل 193 دولة في تقرير التنمية البشرية لعام 2025، بعد أن كان في المرتبة 160 عام 2014، بما يعكس حجم التراجع في مؤشرات التعليم والصحة ومستويات الدخل.

اتساع رقعة الفقر

على الصعيد الإنساني، أظهرت بيانات التقرير اليمني اتساع دائرة الاحتياج بصورة لافتة؛ إذ ارتفع عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية خلال العام الحالي إلى نحو 23.1 مليون شخص، مقارنة بـ19.5 مليون في العام الماضي، و18.2 مليون في العام الذي سبقه، في وقت يشهد فيه التمويل الإنساني تراجعاً حاداً.

ووفق البيانات الحكومية اليمنية، فإن نسبة تغطية التمويل الفعلي للاحتياجات الإنسانية خلال العام الماضي لم تتجاوز 28 في المائة من إجمالي الاحتياجات، مقارنة بمتوسط بلغ 64 في المائة خلال الفترة بين 2016 و2024، ما يضع ملايين اليمنيين أمام فجوة متزايدة بين الاحتياجات المتصاعدة والموارد المتاحة للاستجابة الإنسانية.

طوال سنوات الحرب استمر التدهور اليمني على كافة مستويات الحياة (إعلام محلي)

كما أكدت البيانات أن 50.3 في المائة من الأسر اليمنية تعاني من الفقر متعدد الأبعاد، مع تفاوت واضح بين الأرياف والمدن؛ حيث ترتفع النسبة في المناطق الريفية إلى 51.1 في المائة مقابل 44.3 في المائة في المناطق الحضرية، وهو ما يعكس اتساع الحرمان في مجالات الدخل والتعليم والصحة والخدمات الأساسية.

وحذر التقرير من أن استمرار هذا المسار ستكون له تداعيات طويلة الأمد على رأس المال البشري وفرص التعافي الاقتصادي، في ظل ارتباط وثيق بين تراجع النمو وارتفاع معدلات الفقر والبطالة واتساع هشاشة الأسر اليمنية.

غذاء متوفر... لكنه بعيد المنال

في ملف الأمن الغذائي، أشارت وزارة التخطيط اليمنية إلى أنه رغم توفر السلع الغذائية في الأسواق خلال فبراير (شباط) الماضي، فإن القدرة على الوصول إليها ما زالت تمثل التحدي الأكبر للأسر اليمنية، نتيجة الارتفاع المستمر في الأسعار، وتراجع قيمة العملة المحلية، والانخفاض الحاد في حجم المساعدات الإنسانية.

وبحسب تقرير السكرتارية الفنية للأمن الغذائي بوزارة التخطيط والتعاون الدولي، المدعوم من برنامج نظم معلومات الأمن الغذائي والتغذية التابع لـ«منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)»، وبتمويل من «البنك الدولي»، فإن إجمالي واردات السلع الغذائية الأساسية خلال فبراير بلغ نحو 194 ألفاً و517 طناً، بينها 84 ألف طن من القمح، بما يمثل 43 في المائة من إجمالي الواردات الغذائية.

لكن هذه الوفرة النسبية في المعروض لم تمنع من استمرار ارتفاع الأسعار؛ إذ بلغ سعر السلة الغذائية الواحدة نحو 232 ألف ريال يمني خلال فبراير، بزيادة 3 في المائة مقارنة ببداية العام الحالي، فيما ارتفعت أسعار السلة الغذائية بنسبة 575 في المائة مقارنة بمستوياتها المسجلة عام 2016.

50 % من الأسر اليمنية تعاني من الفقر متعدد الأبعاد (إعلام محلي)

وزاد من حدة الأزمة انخفاض توزيع المساعدات الغذائية بصورة كبيرة؛ إذ وصلت المساعدات الغذائية إلى 2 في المائة فقط من إجمالي المستفيدين، فيما بلغت نسبة المستفيدين من المساعدات التغذوية نحو 6 في المائة، وهي مستويات متدنية تعكس محدودية الاستجابة قياساً بحجم الاحتياج المتصاعد.

ودعا معدّو التقرير إلى تبني حزمة سياسات عاجلة، في مقدمتها دعم مسار السلام الشامل والمستدام، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز القطاعات كثيفة العمالة، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري، إلى جانب توسيع برامج تشغيل الشباب والتدريب المهني، باعتبار ذلك المسار الأكثر واقعية للحد من الفقر وتحقيق التعافي المستدام.


كبير مستشاري ترمب لـ«الشرق الأوسط»: لا حل عسكرياً بالسودان

مسعد بولس خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن منتصف فبراير الماضي (حسابه على إكس)
مسعد بولس خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن منتصف فبراير الماضي (حسابه على إكس)
TT

كبير مستشاري ترمب لـ«الشرق الأوسط»: لا حل عسكرياً بالسودان

مسعد بولس خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن منتصف فبراير الماضي (حسابه على إكس)
مسعد بولس خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن منتصف فبراير الماضي (حسابه على إكس)

رغم تعقيدات الوضع الميداني في السودان، لا تزال واشنطن تؤمن بوجود فرص نجاح مسار خفض التصعيد، ويعتقد كبير مستشاري الرئيس دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بأنه «لا يوجد أي حل عسكري» للنزاع الدائر هناك منذ سنوات، مشدداً على «أهمية أن يتوقف الدعم المالي والعسكري الخارجي المقدم إلى الأطراف المتحاربة».

وقال بولس، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، تناولت أيضاً التطورات الإقليمية ونزاع «سد النهضة» بين مصر وإثيوبيا: «هناك مسار قابل للتحقق نحو خفض التصعيد والتوصل إلى حل دائم للنزاع، يبدأ بقبول الطرفين، ومن دون شروط مسبقة، الهدنة الإنسانية المطروحة عليهما». ويتعين على جميع الأطراف بالسودان، بحسب بولس، «الوفاء بالتزاماتها، ووقف الأعمال العدائية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وآمن ومن دون عوائق، ويجب ألا تكون هناك أي شروط مسبقة تتعلق بالمساعدات الإنسانية أو تسييس لعمليات الوصول الإنساني».

بولس خلال مشاركته في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة الإنسانية في السودان منتصف أبريل الماضي (حسابه على إكس)

وعن تأخير تحقيق اختراق حقيقي بشأن الهدنة، أضاف كبير مستشاري ترمب: «تقع المسؤولية على (قوات الدعم السريع) والقوات المسلحة السودانية للتوصل إلى هدنة إنسانية والالتزام بها، بما يضع حداً للفظائع ويخفف من المعاناة الهائلة التي يعيشها الشعب السوداني». وتابع قائلاً: «يتفق أعضاء المجموعة الرباعية (السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات)، على ضرورة السعي إلى تسوية تفاوضية ومسار ثابت وقابل للتنفيذ للمضي قدماً؛ إذ إن الجميع يريد إنهاء هذه الفظائع وتحقيق الاستقرار في السودان، خاصة أنه لا يوجد أي حل عسكري قابل للاستمرار».

وشدد على «أهمية أن يتوقف الدعم المالي والعسكري الخارجي المقدم إلى الأطراف المتحاربة». وأضاف بولس: «يتوجب أيضاً على (قوات الدعم السريع) والقوات المسلحة السودانية وقف الأعمال العدائية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق إلى جميع أنحاء البلاد، وحماية المدنيين، واتخاذ خطوات نحو سلام تفاوضي ودائم يشمل حواراً جامعاً».

«سد النهضة»

وفي 20 أبريل (نيسان) الماضي، زار بولس العاصمة المصرية القاهرة، والتقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث ناقش معه عدة قضايا إقليمية، بينها نزاع «سد النهضة» الإثيوبي.

وقال بولس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس ترمب «أعرب (في يناير «كانون الثاني» 2026) عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة». وأضاف: «وقد دعمت الولايات المتحدة حلاً دبلوماسياً بشأن نهر النيل يراعي احتياجات جميع الأطراف، ونعتقد أن التوصل إلى اتفاق شامل أمر ممكن، ونحن على استعداد لدعم التفاوض بشأنه وإنجازه».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدولتي المصب».

الرئيس المصري خلال لقاء مع كبير مستشاري ترمب في 20 أبريل الماضي (حساب بولس على إكس)

أزمة شرق الكونغو

ومن السودان وإثيوبيا إلى شرق الكونغو الذي يشهد توترات متفاقمة للعام الثالث، وتلعب فيه واشنطن دوراً كبيراً للتهدئة. يعتقد بولس أن «هناك إمكانية لإنهاء النزاع العنيف»، مضيفاً: «قال ترمب لقد وقّعنا اتفاق سلام تاريخياً بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، يوفر لأول مرة مساراً نحو السلام لإنهاء نزاع عنيف بشكل لا يُصدق استمر 30 عاماً. لا شيء سهلاً». وتابع: «نحن ممتنون للغاية للدور الذي لعبته قطر، بالشراكة مع الولايات المتحدة وأطراف أخرى، للمساعدة في إنهاء النزاع، كما نثمّن شراكتنا الوثيقة مع دول أخرى تعمل معنا ومع قطر، بما في ذلك الأدوار المهمة التي لعبها مؤخراً الاتحاد الأفريقي وتوغو وسويسرا في دعم المحادثات».

ولا تزال الولايات المتحدة، بحسب بولس، «تشعر بقلق بالغ إزاء استمرار أعمال العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتعمل بشكل وثيق مع الشركاء الإقليميين لتعزيز وقف إطلاق النار». وأضاف: «ويتعين على رواندا إنهاء دعمها لحركة (إم 23) والانسحاب من شرق الكونغو الديمقراطية، التزاماً بما نصت عليه (اتفاقات واشنطن)». وكشف عن جهود جارية لحل النزاع بشرق الكونغو قائلاً: «سنواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لضمان وفاء الطرفين بالتزاماتهما، ولا تعليق إضافياً لدينا بشأن المناقشات الدبلوماسية الجارية».

الحرب الإيرانية

وهاجم كبير مستشاري الرئيس دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية إيران، مؤكداً أنه «لا تراجع في الموقف الأميركي بشأنها»، خاصة ما يتعلق برفض امتلاكها سلاحاً نووياً. وقال بولس إن «إيران هي الراعي الأول للإرهاب على مستوى الدول في العالم. فهي تدعم (حزب الله) و(حماس) و(الحوثيين) و(طالبان) و(القاعدة) وشبكات إرهابية أخرى». وأضاف: «كما أن (الحرس الثوري) الإيراني مُصنّف من قبل الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، منظمةً إرهابية أجنبية. كذلك تم تصنيف عدد من قادة النظام إرهابيين».

وشدد بولس على موقف بلاده من طهران قائلاً: «يبقى الموقف الأميركي واضحاً ومباشراً ولم يتغير: لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».

وفي نهاية فبراير (شباط)، شنت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً على إيران، قبل أن تعلن واشنطن عن هدنة بدأت في 8 أبريل الماضي، مع وساطة باكستانية لوقف نهائي للنزاع الذي طالت تداعياته اقتصادات العالم.