لعبة المطاردة الكبرى لـ«بوكو حرام»... إما أن تكون قاتلاً أو مقتولاً

تورط عناصرها في أعمال قتل واختطاف على امتداد 8 سنوات من الدمار

قياديان من جماعات الصيد النيجيرية التي انضمت إلى الجيش للقتال ضد «بوكو حرام» (نيويورك تايمز)
قياديان من جماعات الصيد النيجيرية التي انضمت إلى الجيش للقتال ضد «بوكو حرام» (نيويورك تايمز)
TT

لعبة المطاردة الكبرى لـ«بوكو حرام»... إما أن تكون قاتلاً أو مقتولاً

قياديان من جماعات الصيد النيجيرية التي انضمت إلى الجيش للقتال ضد «بوكو حرام» (نيويورك تايمز)
قياديان من جماعات الصيد النيجيرية التي انضمت إلى الجيش للقتال ضد «بوكو حرام» (نيويورك تايمز)

منذ أن كان صبياً صغيراً، حرص بونو بوكار على المشاركة في ألعاب المطاردات الكبرى داخل غابات شمال شرقي نيجيريا، حيث كان يقتفي آثار أقدام خنازير برية وأفيال عبر الأشجار الكثيفة.
أما اليوم، فإن الفرائس التي يتتبعها تترك وراءها آثار دراجات نارية!
كان بوكار والعشرات من أعضاء اتحاد للصيد يعود تاريخ تأسيسه إلى قرن مضى قد حولوا أسلحتهم نحو جماعة «بوكو حرام» المسلحة التي تورط أفرادها في أعمال قتل واختطاف وحرق للقرى على امتداد 8 سنوات من الدمار والخراب بمختلف أرجاء المنطقة.
أيضاً، دفعت نيجيريا بفرق ضخمة من الجيش في عملية اكتساح ضخمة ضد المتمردين الذي تقهقروا منذ ذلك الحين إلى مخابئ نائية داخل الغابات.
خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أحرزت نيجيريا نصراً كبيراً في حربها ضد المسلحين، بنجاحها في فك أسر 82 فتاة كان المسلحون اختطفوهن من مدرسة داخلية منذ 3 سنوات من قرية تشيبوك.
من جانبه، قال بوكار إنه كان برفقة جنود نيجيريين الخريف الماضي عندما شاهد واحدة من التلميذات المختطفات؛ أمينة علي التي كانت تبحث عن الطعام مع عدد من أعضاء «بوكو حرام». وكانت أمينة أول من عثر عليها من الفتيات المخطوفات اللائي سببت جريمة خطفهن صدمة للعالم بأسره عام 2014.
من ناحيتها، تملك مجموعة الصيد التي ينتمي إليها بوكار معرفة جيدة بمناطق الغابات النائية التي يتحصن بها المسلحون. وكانت أولى المواجهات بين مجموعته و«بوكو حرام» عندما فر مسلحو الجماعة من العاصمة منذ 4 سنوات، ليشنوا حملة دموية ضد مناطق ريفية شملت المنطقة التي اعتادت مجموعة الصيد التجول بها.
من جانبه، قال بوكار (51 عاماً) أمين عام اتحاد الصيد: «في البداية، لم تكن ثمة مشكلة. كان الصيادون والمسلحون يلتقون بالغابات، لكن كان كل منهم ينشغل بشؤونه».
إلا أن الوضع تبدل عندما بدأت قوات الجيش في مطاردة «بوكو حرام» عبر الريف، ذلك أن الجنود باتوا بحاجة للمعاونة في العثور على مياه وظل أثناء اجتيازهم مناطق لا يعرفونها. وعليه، لجأوا إلى الصيادين طلباً للعون. ولم يمر وقت طويل حتى أدرك أفراد «بوكو حرام» أن الصيادين يقدمون العون لقوات الجيش، وبالتالي سعوا للانتقام منهم.
كان الهدف الأول لـ«بوكو حرام»، ماي أجيرامبي، أحد زعماء مجموعة الصيد. كان المتمردون قد اقتفوا أثره حتى قرية قرب منزله واختطفوه. وعندما عثر عليه رفاقه الصيادون، وجدوه مقطوع الرأس.
وقال بوكار: «خلصنا في تلك اللحظة إلى أنهم لن يتوقفوا حتى يقضوا علينا جميعاً».
وعليه، حشد هو وصيادون آخرون أفراد أسرهم ونقلوهم بعيداً عن القرى إلى عاصمة الإقليم، مايدوغوري، لضمان سلامتهم. بعد ذلك، انضموا إلى القتال ضد «بوكو حرام». والآن، يضطلع صيادون أحياناً بقيادة الجنود في المعارك معتمدين على أسلحة نارية صنعوها بأيديهم. ومثلما الحال مع غالبية الصيادين، كثيراً ما يتباهون بانتصاراتهم ويتحسرون على إخفاقاتهم.
وجاءت واحدة من كبرى إخفاقات بوكار في اليوم الذي عثر فيه الجنود على أولى فتيات تشيبوك. قال بوكار إنه ألقى القبض على أحد المسلحين وسلمه إلى الجنود، لكنه تمكن بطريقة ما من الهرب في خضم حالة الإثارة التي سيطرت على الجميع بالعثور على واحدة من التلميذات المختطفات.
وبينما يشكل تحرير طالبات تشيبوك خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي نصراً كبيراً، فإن بوكار يدرك جيداً أن الحرب ضد «بوكو حرام» لا تزال طويلة.
المثير أنه عندما يتهيأ لمهمة، يحرص بوكار على اتباع ذات الخطوات التي اعتادها منذ صباه، وذلك بوضعه مزيجاً من الأعشاب على جسده للتمويه على رائحته وارتداء قلادته المفضلة التي يتفاءل بها. داخل الميدان، يلتزم الهدوء بأكبر قدر ممكن، معتمداً على إشارات اليد في التواصل مع رفاقه الصيادين. ولا يقدم بوكار على مطاردة فريسته قط، وإنما يتركها تأتي إليه.
وقال: «بمجرد أن تقف أمام الفريسة، لا يبقى أمامك سوى خيارين: أن تكون قاتلاً أو مقتولاً».
جدير بالذكر أن الصيادين يعتمدون في عملهم على تقاليد توارثوها عبر أجيال، وكثيرون منهم بدأوا ممارسة الصيد منذ سن صغيرة للغاية بصحبة آبائهم أو أعمامهم. والمثير أن بضعة سيدات يمتهنّ الصيد انضممن أيضاً للقتال ضد «بوكو حرام».
وحتى اليوم، يحرص بعض الصيادين على حمل سكاكين صنعها أجدادهم منذ سنوات طويلة مضت. ويرى الصيادون أن مطاردة بني البشر أكثر صعوبة من مطاردة الحيوانات - حتى الأفيال التي تشتهر بمقاومتها الشديدة.
وعن هذا، قال بوكار: «إذا تسلقت شجرة، فإنك قد تصبح بمأمن من فيل، لكن ليس من أحد أعضاء (بوكو حرام)»، مشيراً إلى أن أفراد هذه الجماعة خبراء في صنع الأفخاخ. وأوضح أنه في بعض الأحيان تكون الاستراتيجية المثلى لإلقاء القبض على أحد أفراد الجماعة صنع حفرة داخل شجرة ضخمة والاختباء داخلها بانتظار مرور مجموعة من أعضاء الجماعة، عادة على دراجات بخارية، والتي تعتبر محظورة داخل بورنو.
اللافت أن غالبية الصيادين يؤمنون بخرافات، الأمر الذي ينطبق على بوكار ورفاقه. وعليه، فإنهم يحرصون على ارتداء كثير من التمائم والتعويذات لدرء الشر عنهم.
من بين هؤلاء، أبا بالومي (20 عاماً)، الصياد صاحب الوجه الطفولي، الذي يرتدي تعويذات سحرية حول خصره وسترة مصنوعة من جلد طبيعي غير مصبوغ. ويؤكد بالومي أن هذه التعويذات والسترة يمنحانه شعوراً بالحماية.
وأشار بالومي إلى أنه حصل على أسلاب من الغارات التي شارك بها ضد مخابئ «بوكو حرام» - بينها هواتف جوالة وأموال، وكذلك تمائم لجلب الحظ الحسن. وقال بالومي إنه وأشقاؤه حطموها.
أما بالنسبة لبا بونو (25 عاماً) زعيم إحدى مجموعات الصيد، فإن التميمة الجالبة للحظ بالنسبة له ذيل قط أسود يتدلى من رأسه.

* «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».