غضب تركي «منضبط» تجاه قرار ترمب تسليح أكراد سوريا

المعارضة التركية تطالب إردوغان بإلغاء زيارة واشنطن

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يصافح كمال كيليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض في العاصمة التركية أنقرة خلال الاحتفال بالذكرى الـ«149» لـ«مجلس الدولة» (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يصافح كمال كيليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض في العاصمة التركية أنقرة خلال الاحتفال بالذكرى الـ«149» لـ«مجلس الدولة» (أ.ب)
TT

غضب تركي «منضبط» تجاه قرار ترمب تسليح أكراد سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يصافح كمال كيليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض في العاصمة التركية أنقرة خلال الاحتفال بالذكرى الـ«149» لـ«مجلس الدولة» (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يصافح كمال كيليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض في العاصمة التركية أنقرة خلال الاحتفال بالذكرى الـ«149» لـ«مجلس الدولة» (أ.ب)

حرصت أنقرة على التزام لغة هادئة في التعبير عن غضبها تجاه القرار الأميركي بتسليح ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في شمال سوريا ضمن الحملة الهادفة لهزيمة تنظيم داعش الإرهابي في معقله في الرقة، إلا أنها حذرت في الوقت نفسه من أن هذا القرار الذي وصفته بـ«غير المقبول» ستكون له عواقب ونتيجة سلبية على واشنطن التي لا تزال لديها فرصة للتراجع. وفي هذه الأثناء، توقع دبلوماسيون وخبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن يتجنب الجانبان التصعيد انتظاراً لزيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لواشنطن، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم 16 مايو (أيار) الحالي.
وبينما طالبت المعارضة التركية بإلغاء الزيارة، اعتبر خبراء أتراك قرار واشنطن ضربة للعلاقات مع تركيا، متوقعين أن تتخذ تركيا قراراً بإغلاق قاعدة إنغرليك في جنوب البلاد التي يستخدمها التحالف الدولي في ضرباته الموجهة لـ«داعش» في سوريا والعراق.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان استخدم لهجة هادئة في رد فعله على القرار الأميركي، إذ قال خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس سيراليون إرنسي باي كروما في ختام مباحثاتهما بالعاصمة أنقرة مساء أمس (الأربعاء): «موقفنا واضح من التنظيمات الإرهابية، وقلنا منذ البداية إنه لا يمكن القضاء على تنظيم إرهابي (داعش) بالاستعانة بتنظيمات إرهابية أخرى (وحدات حماية الشعب الكردية)».
وتابع إردوغان قوله إن «جميع التطورات في العراق وسوريا مهمة بالنسبة لتركيا وتمس أمنها القومي، وسأوضح ذلك للرئيس الأميركي دونالد ترمب عند لقائه في واشنطن، الأسبوع المقبل، وكذلك في لقائي مع قادة أوروبا على هامش اجتماعات حلف شمال الأطلسي (ناتو). ونحن على استعداد للتعاون مع جميع الدول والحلفاء لحل الأزمة السورية». ثم أضاف «موقفنا واضح وهو ضرورة حل الأزمة السورية بالعقل السليم. ونتمنى أن يتراجع جميع الأطراف عن الأخطاء التي ترتكب في هذه الأزمة».
وفي السياق نفسه، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، أمس (الأربعاء)، إن القرار الأميركي بتسليح «وحدات حماية الشعب» الكردية «قد تكون له عواقب ونتيجة سلبية على واشنطن». واعتبر يلدريم في تصريحات قبيل توجهه إلى لندن للمشاركة في مؤتمر حول الصومال، أنه «ما زالت هناك فرصة أمام الإدارة الأميركية كي تأخذ في الحسبان حساسيات تركيا تجاه حزب العمال الكردستاني وامتداده في سوريا (حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية: وحدات حماية الشعب الكردية). إذا كان هناك قرار آخر، فبالتأكيد ستكون له عواقب ونتيجة سلبية على الولايات المتحدة أيضاً».
ومن جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن «كل سلاح يحصل عليه مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردية السورية يعد تهديداً لتركيا»، مؤكداً معارضة أنقرة للقرار الأميركي بتسليح مقاتلي الميليشيا الكردية بحجة قتال تنظيم داعش. وتابع في تصريحات أمس إن «(حزب العمال الكردستاني) و(وحدات حماية الشعب) تنظيمان إرهابيان، ولا يختلفان عن بعضهما إلا في الاسم. كل سلاح تحصل عليه وحدات حماية الشعب الكردية هو تهديد لتركيا».
وأضاف جاويش أوغلو: «هناك مقاتلون عرب ضمن قوات سوريا الديمقراطية، هؤلاء هم من يجب أن يدخلوا الرقة... الولايات المتحدة على دراية بموقف تركيا، وهذه القضايا سيبحثها الرئيس رجب طيب إردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما يزور واشنطن، الأسبوع المقبل».
وفي الاتجاه نفسه، وصف وزير الدفاع التركي فكري إيشيك قرار واشنطن بـ«الأزمة»، معتبراً أن القرار لن يصب في صالح واشنطن أو المنطقة.
كذلك عبر نائب رئيس الوزراء التركي نور الدين جانيكلي، عن رفضه القرار الأميركي، وقال إنه «قرار غير مقبول»، وأعرب عن أمله في أن تعدل واشنطن عن «هذا الخطأ»، لافتاً إلى أن «هذه السياسات لا تعود بالفائدة على أحد». واستطرد جانيكلي: «لا علاقة بالحقيقة لما تقوله واشنطن إن العمليات البرية في الحرب ضد (داعش) يمكن أن تحقق نجاحاً من خلال مشاركة وحدات حماية الشعب الكردية».
في المقابل، قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس إنه واثق من أن واشنطن ستتمكن من نزع فتيل التوتر مع أنقرة بخصوص القرار، فيما اعتبره مراقبون محاولة من جانب واشنطن لتخفيف التوتر مع أنقرة. وكانت المتحدثة باسم البنتاغون دانا وايت قد قالت، أول من أمس (الثلاثاء)، إن ترمب خول وزارة الدفاع الأميركية بتجهيز عناصر ميليشيا «وحدات حماية الشعب» المنضوية ضمن ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» بالسلاح عند الضرورة، وذلك لـ«تحقيق نصر مدوٍ في الرقة ضد تنظيم داعش الإرهابي»، وأن الولايات المتحدة تدرك المخاوف الأمنية التركية حيال «وحدات حماية الشعب»، ثم أردفت أن «واشنطن ترغب في منح الشعب والحكومة التركيين ضمانات حول تمسك الإدارة الأميركية بمبدأ ردع المخاطر الأمنية المحدقة بتركيا، وذلك من خلال التحالف القائم بين الجانبين».
وتشمل الأسلحة التي ستقدِمها واشنطن للأكراد والعرب في تحالف «قوات سوريا الديمقراطية» رشاشاتٍ ثقيلة، وقذائف هاون، وأسلحة مضادة للدبابات، وعرباتٍ مدرّعة، ومعداتٍ هندسية، بحسب ما كشفت عنه تقارير أميركية.
ولكن، في تعليق على القرار الأميركي قال الخبير الاستراتيجي هاكان أكباش لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار الأميركي لا يتفق مع روح التحالف بين تركيا والولايات المتحدة في (الناتو). وهذه هي المرة الأولى التي تتوجه فيها أميركا لتقديم أسلحة بكل علني ومباشر إلى مجموعة مسلحة في منطقة ما بعدما كان مثل هذا العمل يعتبر من الفضائح في أميركا». واعتبر أن «ما يشغل ترمب هو أن يظهر أنه يتبع سياسة أكثر حزماً في مواجهة الإرهاب عن سلفه باراك أوباما، كما أن الجيش الأميركي يدرك أن عملية الرقة عملية صعبة وطويلة، ولذلك فإن الخيار هو تسريع العملية من خلال القوات الجاهزة التي يمكنها التقدم بشكل أسرع».
وتابع الخبير التركي قوله: «إن التصريحات الأميركية بشأن طمأنة تركيا بشأن عدم الإخلال بأمن حدودها الجنوبية هو حفاظ على استراتيجية (الناتو) في هذا الشأن»، ولفت أيضاً إلى أن تصريح جاويش أوغلو حول بحث الأمر من جانب الرئيسين التركي والأميركي في واشنطن الأسبوع المقبل يحمل إشارة إلى عدم الرغبة في تصعيد التوتر، وهو ما أكدته أيضاً مصادر دبلوماسية تركية لـ«الشرق الأوسط».
وفي حين طالب حزب الشعب الجمهور، أكبر أحزاب المعارضة التركية، على لسان المتحدث الرسمي باسمه بولنت تزجان، أمس، إردوغان، بإلغاء زيارته لتركيا رداً على القرار الأميركي، رأى أكباش أن «مثل هذه خطوة غير جيدة ولا يجب أن تتخذها أنقرة». واستطرد: «على أميركا أن تستفيد من الدروس السابقة في أفغانستان والعراق... والأزمة في سوريا لن تحل إلا من خلال عملية سياسية تشارك فيها الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية وإيران».
من جهته، اعتبر خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية إيراي جوتشلار في تعليق لـ«الشرق الأوسط» أن القرار الأميركي يشكل «ضربة قوية للعلاقات التركية - الأميركية... إذ إن تركيا كانت تعول على إدارة ترمب في تغيير الموقف السابق لإدارة أوباما بشأن دعم أكراد سوريا». ورأى أن تركيا لن تتجه إلى التصعيد مع واشنطن، لكنها ستسعى إلى ضمان عدم حدوث أي تغيير ديموغرافي في الرقة، وأن تبقى المدينة محافظة على هويتها العربية.
في المقابل، توقع الخبير السياسي بورا جولار أن تلجأ تركيا إلى خطوات للرد على القرار الأميركي، منها إغلاق قاعدة إنجيرليك، لكنه أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات التي ستتخذها تركيا ستتوقف على نتائج مباحثات إردوغان وترمب في واشنطن في 16 مايو الحالي.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.