«فتيات الحجارة» يدخلن على خط التوتر في كشمير

شاركن في مظاهرات عنيفة ضد قوات الأمن الهندية

تلميذات يلقين الحجارة على قوات الأمن الهندية في إقليم كشمير (إ.ب.أ)
تلميذات يلقين الحجارة على قوات الأمن الهندية في إقليم كشمير (إ.ب.أ)
TT

«فتيات الحجارة» يدخلن على خط التوتر في كشمير

تلميذات يلقين الحجارة على قوات الأمن الهندية في إقليم كشمير (إ.ب.أ)
تلميذات يلقين الحجارة على قوات الأمن الهندية في إقليم كشمير (إ.ب.أ)

كان الحجر الأول ثقيلا في يدها، فسارعت برميه بعيدا ليسقط على ساق أحد الجنود. ولم تنتظر حتى تشهد ردة فعل الجندي قبل أن تلتقط حجرا آخر.
والحجارة هي السلاح المختار للشباب الانفصاليين ضد قوات الأمن الهندية في إقليم كشمير، الذي تغمره الاضطرابات في الهند، أو ربما هو الطوب إن تمكنوا من العثور عليه. ولدى الجنود الهنود المقلاع الخاص بهم كذلك، إلى جانب الأسلحة التقليدية وبنادق الخرطوش التي قتلت وشوهت عشرات الضحايا.
اندلعت جولة جديدة من العنف بين الطرفين، أدت إلى مقتل ما يقرب من 12 شخصا في اشتباكات مع قوات الأمن الهندية، مما أثار احتجاجات طلابية استمرت لعدة أيام في مختلف أنحاء إقليم كشمير. ولقد انضمت طالبات المدارس، بحجابهن وزيهن المدرسي المميز، إلى الاحتجاجات بجانب المتظاهرين من الذكور وبأعداد غفيرة للمرة الأولى في الذاكرة الحديثة لذلك الصراع.
تقول الطالبة نيشا زاهور (18 عاما)، التي تمسك بمقلاع للحجارة خلال المواجهات التي نشبت مع القوات العسكرية في إحدى الساحات الأسبوع الماضي: «لقد سقط العديد من الفتيان قتلى في هذه المواجهات. وحان الدور الآن على الفتيات لأن يخرجن للاحتجاج من أجل الحرية».
ولقد ناشد المسؤولون، الذين يخشون من تجدد أعمال العنف التي تسببت في شلل المنطقة لمدة خمسة أشهر خلال العام الماضي، الجميع بالهدوء وضبط النفس. ولقد طارت رئيسة حكومة كشمير، محبوبة مفتي، إلى نيودلهي خلال الأسبوع الحالي لحث رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على عقد المحادثات مع الانفصاليين. ولقد تأسست فرقة جديدة من الشرطة النسائية للتعامل مع فتيات المدارس، وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالأمن العام في الإقليم. كما فرضت حكومة مفتي حظرا لمدة شهر كامل على استخدام مختلف وسائل التواصل الاجتماعي مثل «واتساب»، و«فيسبوك»، و«تويتر»، وغيرها في الإقليم اعتبارا من يوم الأربعاء الماضي، بهدف إبطاء انتشار مقاطع الفيديو المثيرة للغضب بين الشباب، بما في ذلك أحد الفيديوهات الذي قام فيه جنود الجيش الهندي بربط أحد الرجال إلى سيارة الجيب العسكرية لاستخدامه كدرع بشرية في مواجهة المتظاهرين.
يقول المدير العام المسؤول عن قوة الشرطة الاحتياطية المركزية في إقليم جامو وكشمير: «لا أستطيع الإفصاح عن مدى صعوبة ذلك الأمر، ولكنني على ثقة عالية بأنه سوف يتم احتواء التوتر».
ومع ذلك، يعتبر البعض وجود الفتيات الصغيرات في المظاهرات علامة على أن الأوضاع الأمنية في المنطقة باتت خارج نطاق السيطرة. ولقد غرد الوزير الكبير الأسبق في الإقليم خلال الأسبوع الحالي يقول إن الاحتجاجات الطلابية هي القلق الجديد في ذلك الصراع، ونشر صورة لفتاة بالزي المدرسي وهي تركل جانب إحدى سيارات الشرطة. وكانت تمسك بحجر في إحدى يديها، وكرة للسلة تحملها تحت ذراعها.
تجدر الإشارة إلى أن منطقة كشمير الواقعة بين الهند وباكستان كانت محل نزاع مستمر بين البلدين منذ استقلال الهند عن بريطانيا، وقيام دولة باكستان في عام 1947. وشهد الوادي الخصيب الذي يقع عند سفح جبال الهيمالايا التمرد المسلح العنيف في فترة التسعينات من القرن الماضي، ما مهد الطريق في وقت لاحق لكسر حالات الهدوء المتقطعة. ولكن الأغلبية المسلمة في الإقليم ثارت من جديد في يوليو (تموز)، عندما سقط القائد الشعبي برهان واني قتيلا، مما أدى إلى شهور من احتجاجات أودت بحياة 78 مواطنا من سكان الإقليم.
بعد ذلك، وفي 12 أبريل (نيسان)، ارتكب جنود الجيش الهندي خطأ بالظهور في عربات عسكرية مدرعة في اجتماع روتيني مع المدرسين في إحدى الجامعات الحكومية في بولواما لمناقشة مسابقة للرسم، وكان استعراض القوة هو ما أثار مشاعر الغضب لدى الطلاب. فقاموا بإلقاء الحجارة عليهم. وبعد ثلاثة أيام اشتبكوا مع القوات الأمنية داخل أسوار إحدى المدارس. وتعرض أكثر من 30 طالبا للضرب المبرح بالعصي الثقيلة في مكتبة المدرسة، وفقا لأقوال نائب مدير المدرسة، كما تعرض العشرات لإصابات مختلفة.
ولقد أججت هذه الحادثة المزيد من الاحتجاجات التي استمرت خلال الأسبوع الحالي وتضمنت مشاركة الفتيات للمرة الأولى، وفقا لأقوال صدف بشرى الأستاذة المساعدة لمادة الصحافة في جامعة كشمير المركزية. وظن كثير من الطالبات أن مدارسهن هي من أكثر الأماكن أمنا للتعبير عن غضبهن من قيود عائلاتهن المسلمة الصارمة، كما قالت الأستاذة بشرى التي أضافت: «إنه نوع جديد من الاحتجاج بسبب وجود الجنس اللطيف الذي أصبح جزءا لا يتجزأ منه الآن».
ولقد شهدت زاهور وصديقاتها، الطالبات في الصف الثاني عشر في المعهد الحكومي العالي للطالبات في ناواكادال في سرينغار، التقارير الإخبارية بشأن تعرض التلاميذ للضرب المبرح. ولقد شهدن الفيديوهات التي انتشرت انتشار النار في الهشيم. ولكنهن انطلقن إلى الشوارع عندما سمعن أن طالبة شابة قد أصابها حجر ألقته قوات الأمن الهندية ثم توفيت بسببه متأثرة بجراحها. وتبين أن الخبر كاذب.
وأغلق مديرو المدرسة الأبواب الحديدية لإبقاء الطالبات في الداخل، ولكن مع انتهاء اليوم الدراسي لم يكن هناك ما يمكنهم فعله لإيقافهن. وانطلق المئات من الفتيات عبر الشوارع، مما أجبر المتاجر والشركات على إغلاق أبوابها، وهتفت الفتيات «نحن نريد الحرية!»، و«اذهبوا إلى الهند، ارجعوا إلى بلادكم!». ووصلوا إلى خط قوات الشرطة شبه العسكرية الذين يصطفون حاملين دروع مكافحة الشغب. وأطلقت قوات الشرطة الغازات المسيلة للدموع. وردت الفتيات بإلقاء الحجارة. وفي نهاية الأمر، سقطت العديد من الفتيات على الأرض يعانين من النزيف أو فقدان الوعي.
وفي المدرسة، جلست الطالبات على المكاتب الخشبية البسيطة المعتادة داخل الفصول الدراسية الخاوية وتذكرن اندفاعهن في صفوف المحتجين بالحجارة المخالفين للقوانين. وكن، بطريقة ما، مثل أي فتاة من سن المراهقة. ولقد حاول المدرسون إسكات أصواتهن العالية داخل الفصول. وهن معجبات بنجم البوب الهندي هاني سينغ وجاستن بيبر. وكن يسخرن من القواعد المدرسية الصارمة التي تجبرهن على دفع عشر روبيات في اليوم بسبب عدم الالتزام بارتداء الزي المدرسي الأبيض بالكامل.
واعترفت البنات أن الترعرع في إحدى أكثر المناطق اشتعالا في العالم له تأثيره الأكيد عليهن. وهن يصفن قوات الأمن الهندية بقولهن «الكلاب السوداء»، وألفاظا أخرى تعتبر جارحة للمقيمين في المناطق الأكثر فقرا في الهند.
وقالت واحدة فقط منهن إنها تريد لإقليم كشمير أن يظل تابعا للسيادة الهندية. وترى طالبة أخرى أن قوات الشرطة الهندية تهاجم الحي الذي تسكن فيه كل مساء. وقالت الطالبة إيشرات بشير، وعيناها مليئة بالدموع، كيف أنها فقدت شقيقها البالغ من العمر 16 عاما في الأيام الأخيرة بسبب أحداث العنف المستمرة، وأضافت تقول: «هذه الأحداث مستمرة. وإن لم نحتج ونتظاهر، فما الذي يمكننا فعله؟».
في وقت لاحق، جلست زاهور في منزلها الذي لا يبعد كثيرا عن المدرسة، وأمسكت بهاتفها الجوال ذي الشاشة المكسورة لتراجع صور خالها المتوفي، رياس أحمد شاه (22 عاما) الذي كان يعمل حارس أمن في أحد المصارف والذي تعتقد الشرطة أنه تعرض للقتل على أيدي قوات الأمن الهندية في شهر أغسطس (آب) الماضي. إن وفاة خالها هي ما يحفزها على الخروج والاحتجاج كما تقول. وجاءت السيدة فريدة شاه، والدة الطالبة نيشا، لتقدم عصير المانجو، ثم جلست بجوار ابنتها، وقالت إنها فخورة للغاية بخروج ابنتها في المظاهرات والاحتجاجات. وأردفت السيدة فريدة تقول: «إنها تفعل الشيء الصحيح. لقد قتلوا خالها بكل وحشية ومن دون سبب واضح. وتلك هي الطريقة الوحيدة للتعبير عن غضبنا».
وسألتها: «ماذا عن الحجارة التي تلقيها ابنتك على قوات الأمن شبه العسكرية؟» فردت محدقة بابنتها «أتفعلين ذلك؟». ومنحتها نظرة صارمة؛ جزء منها يرفض ذلك وجزء آخر يؤيد ما تفعل. ثم قالت: «حسنا، لقد كان رياس بمثابة أخ لها، أكثر مما كان خالها».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ « الشرق الأوسط»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.