فيلم جديد لمايكل أبتد حول عملية إرهابية قيد التنفيذ

أظهر ميلاً لأفلام المرأة وشخصياتها

مايكل أبتد
مايكل أبتد
TT

فيلم جديد لمايكل أبتد حول عملية إرهابية قيد التنفيذ

مايكل أبتد
مايكل أبتد

تعرض صالات السينما بدءاً من الأسبوع الأول من الشهر المقبل فيلماً جديداً للمخرج المتمرّس مايكل أبتد بعنوان «غير مقفل» (Unlocked). وهو الفيلم الأول له منذ خمس سنوات عندما أخرج عملاً من بطولة جيرارد بتلر وإليزابث شو بعنوان «مطاردة منفردين» (Chasing Mavericks).
في الواقع أكمل أبتد إخراج ذلك الفيلم (2012) بعدما اضطر مخرجه الراحل كيرتس هانسن (المعروف بفيلميه «نهر متوحش» مع ميريل ستريب و«سري لوس أنجليس/Confidential L‪.A ‬») إلى التوقف عن العمل بسبب توعك صحته.
لكن الفيلم الجديد، «غير مقفل»، الذي يقود بطولته كل من أورلاندو بلوم ونوومي راباس وجون مالكوفيتش ويشترك في تمثيله أربعة ممثلين عرب؛ هم مكرم خوري وأيمن حمدوشي ومحمد علي ورامي نصر، لن يرى نور العرض في الولايات المتحدة قبل أسابيع معدودة من نهاية السنة. هذا إما عائد إلى أنه لا ينتظر منه نجاحاً كبيراً، أو أن القائمين على إنتاجه يرون أنه أهل بموسم الجوائز المقبل.
موضوعه يدور حول عملية إرهابية يتم التخطيط لها لكي تُنفذ في لندن ويتصدى لها عملاء حكوميون أميركيون وبريطانيون، ساعين للكشف عن تفاصيلها قبل وقوعها. ما يجعلها، والفيلم إلى حد، مختلفة هي أن المنفذين ينوون إطلاق قنبلة جرثومية.
* حياة على مراحل
مايكل أبتد، الذي ولد في مدينة أليسبوري في بريطانيا سنة 1941، هو واحد من السينمائيين الذين تجاوزوا خط التجاهل التام من دون أن يتمكّن من الحفاظ على قمة الشهرة. من رعيل أنجز نجاحات جيدة طوال عقدين ماضيين (السبعينات والثمانينات)، ثم تباعدت هذه الإنجازات في التسعينات ثم أخذت تضمحل تدريجياً فيما بعد.
تاريخه حافل (41 فيلماً) وتجربته تستحق اهتماماً أعلى مما نالته وعمله رصد، في أفضل أفلامه، حالات البشر في المحنة، وحافظت، في تلك العادية منها، على مستوى تنفيذي رصين وجيد.
درس مايكل أبتد في البداية القانون والتاريخ في جامعة كمبردج، إنجلترا. لكنه عندما اختار العمل بدأ كاتباً لمشاريع تلفزيونية سنة 1963. في عام 1964 عمل مساعداً لمخرج تلفزيوني كندي اسمه بول ألموند على مشروع فيلم تسجيلي للتلفزيون بعنوان «Seven Up» الذي عمد إلى تصوير حياة 14 ولداً في سن السابعة. بعد ذلك قام أبتد بالعودة إلى هؤلاء الأولاد بعد سبع سنوات ثم كل سبع سنوات بعد ذلك، مما شكل حتى الآن ثمانية أفلام تتابع مراحل نمو وحاضر كل فترة زمنية في الأعوام 1964 و1970 و1977 و1984 و1991 و1998 و2005 و2012.
إذن، من مساعد مخرج في مطلع الفترة التلفزيونية إلى الإخراج من عام 1967 لمسرحيات تلفزيونية وبرامج تسجيلية وحلقات وأفلام روائية منجزاً حضوراً كبيراً طوال تلك الفترة وإلى اليوم.
لجانب تلك السلسلة التسجيلية، أخرج أبتد حلقات روائية من السلسلة البريطانية الشهيرة «كورنايشن ستريت»، بالغة النجاح (ما زالت معروضة على نظامها الإنتاجي ذاته من 1960) تدور حول شخصيات متعاقبة في مراتب اجتماعية شعبية في الأساس وتعكس، طوال تلك السنوات من حياة المسلسل، تعاقب أجيال مختلفة في مشكلات عاطفية واجتماعية متعددة. من بين أعماله التلفزيونية الأخرى «Haunted» (‬«مسكون»، 1967) و«Dustbinmen» («الزبالون»، 1969) و«Play for Today» («مسرحية اليوم»، 1972). هذا المسلسل الأخير استمر حتى عام 1977 وشمل تقديم عدد كبير من المسرحيات على شاشة «BBC» البريطانية التي انتقل إليها من بعد عمله في محطة «ITV» المنافسة.
خلال ذلك نقل أبتد خبرته الممتزجة بين الدراما والتسجيلي إلى السينما وحافظ عليها، فأنجز أفلاماً تسجيلية وأفلاماً روائية. أول أعماله السينمائية كان روائياً بعنوان «The Triple Echo» («الصدى الثلاثي»، 1972) الذي وجد ردود فعل إيجابية مهدت له البقاء في العمل السينمائي منذ حينها، ولو أنه لم يتخلَّ كذلك عن تحقيق برامج وأفلام تلفزيونية كلما سنحت الفرصة.
لكن فيلمي أبتد التاليين، «ستاردست» (Stardust) و«البوليس» (The Squeeze) مرّا كعملين عاديين. في عام 1979 قام بتحقيق أكبر أفلامه حينها وهو «أغاثا» (عن حقبة من حياة أغاثا كريستي) وبه دلف للسينما الأميركية على نطاق أكبر عبر سلسلة ناجحة على أكثر من مستوى كما في «ابنة عامل منجم الفحم» و«غوركي بارك» و«غوريلات في الضباب»، لكن ليس من دون سقطات خصوصاً في فترة الثمانينات من مسيرته.
في عام 2003 تم انتخابه رئيس «نقابة المخرجين في أميركا» بعدما كان نقل نشاطه إلى الولايات المتحدة. على ذلك، عاد للإخراج التلفزيوني سنة 2005 عبر مسلسل «Rome» (روما).
* التقاط التفاصيل
أظهر أبتد ميلاً نحو الأفلام التي تتناول المرأة كشخصية رئيسية، وهذا واضح في «أغاثا» و«ابنة عامل منجم الفحم» و«غوريلات في الضباب» و«قضية نوعية» و«طرفة عين» بين أخرى. هذه الأفلام لم تغفل عن تصوير المحيطين الاجتماعي والاقتصادي لبطلاته، سواء في «ابنة عامل منجم الفحم» في حياتها المرتبطة بأوضاع المنطقة الاقتصادية الصعبة، أو في «فعل ذو مستوى» (Class Action) الذي قدم فيه وضعاً معيشياً مرتفعاً. هذا الاهتمام يتجاوز بديهية الحدث ومكانه ليتعامل مع موجباته وآلياته.
أسلوب عمل أبتد مباشر في فهمه لما يقصد تصويره. الكاميرا بمثابة العين الملاحظة لشتى ما تلتقطه من تصرفات وأحداث، لكن دورها، كما المعالجة الكلية لأبتد، لا ينتميان، رغم ذلك، إلى الواقعية. إنه منطلق من حب التقاط التفاصيل الذي تأسس لديه من خلال خبرته التسجيلية، لكنه ملتزم بالمعالجة الدرامية التزاماً كاملاً، وهو الذي عاين أنواعاً متعددة من الدراما تشمل التشويق ودراما المحاكم وأفلام أكشن ودراميات اجتماعية وبيئية. النتائج الفنية تراوحت بين المعتدل والجيد، هذا التباين بين مستويات أفلامه يعود، في عدة مناسبات، إلى السيناريوهات المختلفة التي لم يكن من الممكن تلافي هبوطها إلا بعدم الإقدام على تنفيذها. أعماله ازدادت قيمة في التسعينات وما بعد، مستفيدة من باعه الطويل في العمل.
أول فيلم قام أبتد بإخراجه هو «The Triple Echo» («الصدى الثلاثي»، 1972). شركة «همدال» (Hemdale) التي كانت إحدى أنشط الشركات البريطانية نجاحاً في مطلع السبعينات، اختارت المخرج لتحويل آخر رواية نشرها المؤلف هربرت آرنست بايتس قبل وفاته. والحكاية دارت، ككثير من أعمال المؤلف، في رحى الحرب العالمية الثانية حول زوجة (غلنيدا جاكسون) تشرف وحدها على المزرعة في غياب زوجها المجند. ذات يوم (يبدأ الفيلم به) تستقبل هارباً من الجندية اسمه بارتون (برايان ديكون)، ولكي تخفيه تقترح عليه ارتداء ثياب نسائية. هذا التنكر يقود جندياً آخر (أوليڤر ريد) للوقوع في حبه/ حبها. لم يسع أبتد لخلق حالة كوميدية (ولا يوجد بين أفلامه إلا فيلمان كوميديان) بل اكتفى بمتابعة الظرف الذي نشأ عن هذه الخدعة التي تنكشف بعد حين.
فيلمه اللاحق «Stardust» (من بطولة المغني ديڤيد أسكس، 1974) نوع من البيوغرافيا المتخيلة لم يترك أثراً يُذكر، لكن فيلمه الثالث كان أنضج وأنجح. عنوانه «The Squeeze» (تعني «العصر» لكنها تعبير إنجليزي شائع لوصف البوليس) حققه سنة 1977 من بطولة ديڤيد همنغز والأميركيين ستايسي كيتش وستيفن بويد. بوليسي يتعامل مع حكاية فتاة شابّة تم اختطافها لتكون رهينة، بينما تدبّر العصابة أمر سرقة شاحنة مصرفية.
منحى المخرج التسجيلي يمكن ملاحظته هنا على كل الفيلم، خصوصاً في المشاهد المغلقة كالمشهد الذي يتم فيه التخطيط والاستعداد للعملية. توزيع الشخصيات وحركتها والتصوير غير المشروط بتقاليد كما مونتاج اللقطات داخل المشهد.
* شخصيات نسائية
رابع أفلام أبتد كان «أغاثا» (Agatha) الذي حول مرحلة من حياة المؤلّفة البوليسية الروائية الشهيرة. ففي عام 1926 اختفت الكاتبة البوليسية لأسباب ما زالت غامضة إلى اليوم قبل أن يُكتشف وجودها في فندق صغير تحت اسم مستعار. يومها قيل إن خلافها مع زوجها الذي أمّ علاقة عاطفية مع سكرتيرتها هو السبب. في الفيلم يتبرع السيناريو بتوفير مسببات وأحداث غير موثّقة.
ڤنيسا ردغراف كانت رائعة، كعادتها، في أي دور، لكن دستن هوفمن أقل من جيد في دور الصحافي الأميركي الذي يتحرّى عن مكان وجود كريستي. المشكلة نبعت من تدخل الممثل في السيناريو واستسلام المخرج لذلك تحت ضغط شركة «وورنر» المموّلة. هوفمن أراد الفوز بنصيب أكبر من الظهور، وكان له ذلك إنما على حساب الفيلم الذي قام بتصويره الإيطالي ڤيتوريو ستورارو.
في كل الأحوال، قاد هذا الفيلم مايكل أبتد لتصوير أول عمل له في الولايات المتحدة وهو «ابنة عامل منجم» سنة 1980 (لحساب يونفرسال). هذه المرة السيرة الغنائية ليست متخيلة بل مستمدة من الواقع: لوريتا لِن التي ولدت في مطلع الثلاثينات في بيئة اقتصادية جافّة كابنة عامل منجم ثم تحوّلت إلى واحدة من أكثر مغنيات نوع «كنتري أند وستر» نجاحاً. سيسي سبايسك تؤدي الدور وأبتد يؤمّن للفيلم محيطه الاجتماعي المعاش وأجواء الفترة والمكان جيداً، والأوسكار في السنة التالية كان من نصيب سبايسك عن دورها في هذا العمل.
من «أغاثا» و«ابنة عامل منجم» رعى المخرج بضعة أعمال من بطولة نسائية في محيط حاد البيئة. هو جيد في إدارة شخصياته النسائية كما في «Gorillas in the Mist» («غوريلات في الضباب» مع سيغورني ويڤر، 1988) و«Blink» («طرفة عين» مع مادلين ستاو، 1994). في دور امرأة عمياء تستعيد بعض بصرها وتشاهد شبح قاتل. هي الشاهدة الوحيدة والتحري (إيدن كوين) لا يأخذ أقوالها على محمل الجد، لكنه لاحقاً يدرك أنها باتت مهددة من قِبل القاتل. يرمي المخرج نظرة بانورامية لمدينة باردة الأوصال (شيكاغو) ليضم هذه النظرة إلى حسنات الفيلم الأخرى.
من ناحيته، نجد «غوريلات في الضباب» بحثاً في الموقف ذاته (عالمة تعيش بين الغوريلات الأفريقية) معالجاً بإدارة مكان وأحداث وشخصيات جيداً، ولو أن سيغورني ويڤر ستبقى محط الاهتمام الأول لجانب الوسائل التي استخدمها الفيلم لتصويرها وسط غوريلات متأقلمة معها (إلى ما قبل النهاية). لكن السيناريو لا يصرف وقتاً على منح المشاهد معلومات عن بطلته، علماً بأنها شخصية حقيقية.
يقف «غوريلات في الضباب» على مسافة قريبة من فيلم آخر لأبتد يتعامل والمرأة والغابة هو «Nell» («نل»، 1994). هنا حكاية فتاة (جودي فوستر) تم اكتشافها في بعض المجاهل المعزولة في إحدى الولايات تعني بها الباحثة باولا (ناتاشا رتشردسون) وتحاول نقلها من حياة همجية إلى أخرى مدنية.
ليس غريباً، وهذا الجزء من أعماله تناول المرأة في أوضاع الخطر، أن أحبّت الممثلة جنيفر لوبيز أن يتعاون معها في مشروع فيلم كتبه نيكولاس كازان، ابن المخرج الراحل إيليا كازان، تحت عنوان «Enough» («كفاية»، 2002) كونه يتحدّث عن امرأة تواجه خطر حدة طباع، ثم شرور، زوجها (بيلي كامبل). كعادته في مثل هذه الأفلام التشويقية، أم المخرج العمل بعدته الكاملة من إجادة تنفيذ المشاهد ومنح الحكاية عناصر الحدث الذي تتطلّبه.
«طرفة عين» و«كفاية»، ومن قبلهما «Firstborn» («مولود أول»، 1984) اجتمعت على معايشة البيت من خلال المرأة. فيها كشف أبتد عن عنايته بتشريح العلاقات بين الرجال والنساء وتخصيص المرأة بدور الضحية الماثلة تحت سطوة الرجل. في «مولود أول» تقع الأم المطلقة تيري غار في حب رجل يطمع في الاستيلاء على ثروتها الصغيرة ومنزلها ومن فيه (بيتر وَلر) ويقودها إلى الإدمان. الأمر يتوقف على ابنها الفتى (كريستوفر كولِت) لمواجهته وحماية أمّه.
* البحث عن عدالة
وهناك فيلمان مهمّان لا يتعاطيان مسائل نسوية حققهما أبتد في عام واحد (1992). هما «Thunderheart» و«Incident at Oglala».
في «ثندرهارت»، الذي قام روبرت دي نيرو بالمشاركة في إنتاجه، نجد ڤال كيلمر (الذي هو نصف شيروكي) يؤدي دور محقق هجر جذوره الهندية إلى أن يجد نفسه مطالباً بالتحقيق في جريمة قتل ضحيتها فرد من القبيلة التي ينتمي إليها (سيوكس). التحقيق نافذته صوب تاريخه وإدراكه بموقعه. لكن الفيلم فيه أكثر من هذا الخلط، إذ يتعامل مع الوضع المعيشي الصعب لسكان المناطق الممنوحة للقبائل وسط ظروف عيش مهملة.
أما «حادثة في أوغلالا» فهو تسجيلي عن المواطنين الأميركيين الأصليين، قام روبرت ردفورد بالتعليق على ما يرد فيه. وهو يتعامل مع حادثة فعلية وقعت سنة 1975 إثر خلاف بين محققين من «إف بي آي» وأفراد من قبيلة سيوكس نتج عنه مقتل اثنين من المحققين. هذا تبعه مسلسل طويل من التحقيقات والمحاكمات ادعت فيها السلطات على ثلاثة مواطنين، لكنها عمدت إلى إغفال حقائق عدّة؛ من بينها استفزاز المحققين للقبيلة وسقوط أحد أفرادها. ما ينجح أبتد في الكشف عنه هنا هو الوضع الاجتماعي المتأزم لشعب وجد نفسه، بفعل التجاهل، خارج التاريخ والحاضر.
إلى ذلك، شهدت مهنة أبتد نشاطاً في مجال الفيلم التسجيلي كما الحال في «Moving the Mountain» («تحريك الجبل»، 1992) و«Inspiration» («إلهامات»، 1997) و«Me & Isaac Newton» («أنا وإسحاق نيوتن»، 1999). كلها أفلام جيدة مثيرة في مواضيعها، ولو أن فيلمه التسجيلي الأسبق «Bring on the Night» («أحضر الليل»، 1985) يبرز كأكثرها ابتكاراً. ‬
هو فيلم ساحر حول المغني البريطاني ستينغ وفريقه الأفرو - أميركي تم تصويره في 9 أيام في باريس. في مطلعه لقطات متفرقة وسريعة لباريس ثم تتقدّم الكاميرا من باب فيلا وصولاً إلى ستينغ وفريقه يعزفون الأغنية التي في العنوان. يستمر الفيلم بهذا التنويع والسلاسة طوال وقته وأبتد يحسن التقاط جوانب العمل الفنية والتقنية كما السياسية، إذ يتحدث ستينغ عما يراه تفرقة عنصرية بين البوب الأبيض والجاز الأسود. يؤكد الفيلم موهبة ستينغ كأحد أبرز فناني عصره وموهبة المخرج أبتد في النوع التسجيلي. مقابلات وتصوير حي للتمارين وانتقالات سلسة بين المشاهد والشخصيات.
في سنة 1999 اختير أبتد لكي يخرج حلقة من مسلسل جيمس بوند وقام بالمهمّة على خير وجه في «The World is Not Enough»، وبذلك انتمى إلى حلقة المخرجين الذين حققوا أفلام بوند المعروفة. عاد أبتد للسينما الجاسوسية في «Enigma» وهو فيلم سابق لـ«لعبة المحاكاة» (The Intimate Game لمورتن تيلدَم، 2014) عن عالِم الحسابات الذي فك الشفرة النازية خلال الحرب العالمية الثانية وأفضل منه. نسخة أبتد تمزج الأحداث الواقعية بالتشويق على نحو كامل ومن دون اللجوء إلى مواضيع جانبية.
* أهم أفلام أبتد
أحضر الليل: تسجيلي موسيقي (1985)
ابنة عامل منجم الفحم: سيرة حياة (1980)
حديقة غوركي: تشويق بوليسي (1983)
حادثة عند أوغلالا: تسجيلي (1992)
ثندرهارت: تشويق (1992)
طرفة عين: تشويق بوليسي (1994)
العالم غير كافٍ: أكشن جيمس بوند (1999)



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».