رئيس بنك «أوف أفريكا» المغربي: تحرير سعر الصرف ملائم لاقتصادنا

التويمي لـ «الشرق الأوسط» : التوسع الخارجي للبنوك لن يتسبب في أزمات

التويمي
التويمي
TT

رئيس بنك «أوف أفريكا» المغربي: تحرير سعر الصرف ملائم لاقتصادنا

التويمي
التويمي

قال إبراهيم بنجلون التويمي، رئيس بنك «أوف أفريكا» والمدير العام التنفيذي للبنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا، إن بنك البركة التشاركي (الإسلامي) سيفتح أبوابه في المغرب خلال شهر يونيو (حزيران) المقبل، في إطار شراكة بين مجموعة البنك المغربي للتجارة الخارجية ومجموعة البركة الخليجية المتخصصة في مجال المعاملات المصرفية الإسلامية.
وأشار بنجلون، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن طموحات البنك الجديد تتجاوز الحدود المغربية، وتتطلع لآفاق التوسع في أفريقيا من خلال دعم البنك المغربي للتجارة الخارجية الذي أصبح ثاني مجموعة بنكية أفريقية من حيث عدد الفروع.
كما تناول الحديث آفاق تحرير سعر صرف الدرهم المغربي، وأداء النظام المصرفي المغربي في سياق تداعيات تراجع النمو الاقتصادي، وحصيلة التوسع الدولي للمجموعة المصرفية المغربية، كما عبر عن رأيه في تحذيرات صندوق النقد الدولي من مخاطر التوسع الأفريقي للبنوك المغربية... وفيما يلي نص الحوار.
* حصلتم في المغرب على ترخيص من أجل فتح بنك تشاركي... إلى أين وصلت تحضيراتكم لهذا المشروع؟
- نحن الآن بصدد وضع اللمسات الأخيرة للمشروع، بحيث تعتزم المؤسستان الشريكتان؛ «مجموعة البركة» الخليجية الرائدة في مجال المعاملات المالية التشاركية، ومجموعة «البنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا»، إطلاق أنشطة بنكهما المشترك في يونيو المقبل. وسيبدأ مصرفنا التشاركي، خلال مرحلة أولى، بشبكة تناهز 20 وكالة بنكية، ستغطي كل المدن الكبرى للمملكة المغربية.
* ما طموحاتكم في هذا المضمار؟
- إنها طموحات معقولة وواقعية. ولا يخفى عليكم أنه لا يمكن الحديث في الوقت الحالي عن معطيات محددة رقمياً، فذلك سابق لأوانه، وفي جميع الأحوال، فنحن ننطلق في طموحاتنا من مستويات معقولة وواقعية، حتى نتمكن من بلوغها، وعلى الخصوص، من ضمان استمرارها. كما أن المقاربة التدريجية للدخول إلى السوق المغربية تشكل سلوكاً رشيداً يندرج في سياق المصلحة العليا للنظام البنكي برمته. وما نود التأكيد عليه بهذا الصدد هو أن مصرفنا التشاركي نريد له أن يكون بنكاً تجارياً بارزاً ومستعداً لتقديم خدمات مالية ذات جودة عالية، سواء بالنسبة للأفراد، أو بالنسبة للمقاولات والمشاريع الصغرى والمتوسطة، أو بالنسبة للشركات الكبرى، إضافة بكل تأكيد للمساهمة في تلبية حاجات سوق الخزينة الحكومية. ومن خلال تضافر وتكامل التجارب والوسائل والمؤهلات التي تزخر بها المجموعتان الرائدتان، كل واحدة في مجال نشاطها، إذ تتوفر لمجموعة البركة خبرة راسخة في مجال المعاملات المالية الإسلامية، ويتوفر للبنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا، باعتباره مجموعة مصرفية متعددة المهن ومنتشرة في أفريقيا، على معرفة ودراية بالمناخ الاجتماعي والاقتصادي والمالي، ومن المؤكد أن البنك التشاركي الذي سيرى النور بفضل تكافلهما سيبدأ حياته الطويلة إن شاء الله مُعززاً بكثير من المزايا.
* هل تقتصر طموحات هذا البنك التشاركي الجديد على المغرب؟ أم لديكم تطلعات خارج الحدود؟
- خلال المرحلة الأولى، وتنفيذاً لإرادة الرئيسين عثمان بنجلون وعدنان يوسف، سنركز المجهودات والطاقات على المغرب. سنبدأ أولاً بتوطيد حضور البنك وترسيخ تجربته في المغرب، إضافة إلى صقل الشراكة وإرساء العلاقات بين الشريكين وإثبات صلابتها. وسترون بعد ذلك أن البنك الجديد سيتجه بشكل طبيعي نحو التطلع لسبر آفاق جغرافية أخرى، بما فيها الآفاق الأفريقية، غير أنه لن يكون بمفرده.
* انخرط البنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا خلال العشرية الأخيرة في تطور دولي، على الخصوص التوسع في القارة الأفريقية. ما الحصيلة التي قمتم باستخلاصها من هذا التوجه الاستراتيجي؟
- الحصيلة كانت بكل تأكيد إيجابية بالنظر إلى بعض المؤشرات الأساسية التي سجلتها مجموعة البنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا منذ انخراطها في هذا التوجه الأفريقي عبر الاستحواذ على مجموعة بنك أفريقيا (بانك أوف أفريكا) تنفيذاً لإرادة رئيسها عثمان بنجلون. غير أن ذلك لم يكن نتيجة إعادة توجيه استراتيجي من طرفنا. وحتى نكون منصفين مع التاريخ، نود التذكير بأن أول استثمار للبنك المغربي للتجارة الخارجية في أفريقيا جنوب الصحراء، يعود إلى سنة 1989، عبر شرائه حصصاً في بنك التنمية لمالي وإشرافه على إعادة هيكلته ليصبح رائداً في السوق التي يشتغل بها. وكان «المغربي للتجارة الخارجية» في ذلك الوقت لا يزال بنكاً حكومياً قبل تخصيصه في 1995، وفي سنة 2003 أيضاً استجاب البنك المغربي للتجارة الخارجية لدعوة المساهمين في الشركة الكونغولية للبنوك، التي كانت على حافة الإفلاس، ونجح في تقويمها وترقيتها لتصبح فاعلاً رئيسياً في القطاع المصرفي ببلدها وعلى الصعيد الإقليمي في وسط أفريقيا. ويكفينا فخراً بهذا الصدد أن نكون ضمن البنوك السبعة التي أهلها امتدادها الأفريقي الواسع لتصنف من طرف صندوق النقد الدولي على أنها بنوك عبر أفريقية، وأن نرتب كثاني بنك على الصعيد الأفريقي، من حيث عدد فروعه بالقارة الأفريقية.
* وخارج القارة الأفريقية، كيف تقيمون تموقع البنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا خصوصاً في أوروبا وآسيا وأميركا؟
- يعمل البنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا في أوروبا وتحديداً في فرنسا منذ سنة 1972. ووفاء لهذا التقليد الدولي الراسخ، تمت هيكلة هذه الهيئة الأوروبية لتنتشر الآن في الديار البريطانية والإسبانية وتشتغل في التمويل التجاري وتمويل الشركات. وستتعزز هذه الخطوة لاحقاً في آسيا، وخصوصاً في الصين في مرحلة أولى، ثم في دول الخليج العربي. وفي هذا السياق، نعتبر أن مجموعتنا تمتلك دعامة أساسية في خدمة الشراكة الأوروبية المغربية ـــ الأفريقية بفضل الدور الذي نضطلع به في تصميم وهيكلة الصفقات التجارية وتمويل نشاط الشركات الكبرى في القارة الأفريقية ولأجلها. وبفضل فروعنا الإضافية التي تتولى الأنشطة المرتبطة بالمهاجرين، تقدم ممثلياتنا في إيطاليا وبلجيكا والبرتغال وكندا والإمارات العربية المتحدة للمغاربة المقيمين بالخارج، وعما قريب للأفارقة المقيمين بالخارج، خدمات لتحويل الأموال، وتدعم تعزيز الشمول المالي في بلدانهم الأصلية.
* هل كان لهذا التوسع الدولي للبنوك المغربية، وبالأخص البنك المغربي للتجارة الخارجية لأفريقيا تأثير ملموس على الاقتصاد الوطني؟
- بالفعل، كان له تأثير كبير. فلا يجادل اثنان على أن تنوع المبادلات والانفتاح الكبير للاقتصاد المغربي تم عبر مواكبة البنوك وبالأخص مجموعتنا البنكية، إن لم أقل كان من صنع هذه المصارف، في كثير من المناطق الجغرافية. وإن كان من الصعب تقييم هذا التأثير، فإن الأكيد أن الاقتصاد المغربي لم يكن ليثبت مناعته من دون قطاع بنكي قوي ومنيع. هذه المناعة التي تعزى إلى توسع هذه المصارف دولياً ــــ وهو عمل يستحق الإشادة به ــ موازاة مع سياستها الرامية لترسيخ عملها في السوق المحلية وتعميم الشمول المالي في صفوف السكان والإدماج المالي للفئات غير المنخرطة في النظام البنكي.
* أبدى صندوق النقد الدولي تحفظات على التوسع الأفريقي للبنوك المغربية. ما القراءات التي استخلصتموها من هذه التحذيرات؟
- كان لي الشرف أن أنوب عن الرئيس عثمان بنجلون، وباعتباري رئيساً لبنك أفريقيا، في الملتقى الذي نظمه صندوق النقد الدولي في جزر موريشيوس خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، الذي ضم كثيراً من هيئات الرقابة الأفريقية والدولية، وانضمت لهذا الحدث 3 بنوك أفريقية كبرى من ضمنها مؤسستنا. وخلال هذا الملتقى اجتمعت مع كريستين لاغارد، المدير العام لصندوق النقد الدولي، ويمكنني أن أؤكد لكم أن القراءة التي استخلصتها بعيدة تماماً عما جاء في طرحكم. صحيح أن هيئة الرقابة بالمغرب ونظيراتها الأفريقية وصندوق النقد الدولي تدعو لتوسع منضبط للبنوك الأفريقية الكبرى، ومن ضمنها البنوك المغربية الثلاثة التي تنشط قارياً باعتبار المخاطر التي تحيط بأنشطة هذه المصارف سواء في دول الاستقبال أو في دولهم الأصلية، فإن ذلك لم يعتبره أحد تحذيراً ولا دعوة للتراجع إلى الوراء. ويشكل تعزيز تدابير المراقبة الداخلية وتحسين الحوكمة في الهيئات المكونة لمجموعاتنا، فضلاً عن المواكبة المتبصرة واليقظة لسلطاتنا التنظيمية، وإشعاع روح الحوار والشفافية والإفصاح عن الحسابات، حصوناً عتيدة تعزز مناعتنا، وتقينا من حدوث أزمات خطيرة.
* ما تقييمك لأداء القطاع البنكي المغربي في ظل الانكماش الذي يخيم على الاقتصاد العالمي؟
- لسنا وحدنا في القطاع المصرفي من يقول ذلك، بل إن مجموع الأطراف المعنية وطنياً ودولياً، والهيئات متعددة الأطراف، تشهد وتعترف باستقرار القطاع البنكي المغربي، وتصنفه على أنه الأكثر صلابة وأداء على صعيد القارة الأفريقية. صحيح أن القطاع عرف تدهوراً * متحكماً فيه بشكل إجمالي * من حيث مستوى القروض المتعثرة في المغرب وأفريقيا، والناتج عن تباطؤ النمو الاقتصادي في بلداننا، فهذا التباطؤ ناتج بدوره عن أجواء الركود التي تمر بها أوروبا، وتباطؤ نمو الدول الآسيوية المؤثرة في نمو الاقتصاد العالمي، مثل الصين، مع كل ما يعنيه ذلك من انعكاسات على أسعار المواد الأولية وعلى توازنات ميزانيات ومبادلات الدول الأفريقية، التي تعاني بالخصوص من ضعف تنويع اقتصادها.
* يتجه المغرب نحو اعتماد نظام الصرف المرن. كيف يستعد البنك لهذا الانتقال؟ وما التأثير الذي تتوقعه؟
- نعتبر اعتماد سياسة الصرف المرن إجراءً منطقياً بالنسبة لاقتصاد يتزايد اندماجه في الاقتصاد الدولي، مثل الاقتصاد المغربي. وأضحت تنافسيته الخارجية، بما فيها سعر الصرف الذي يعد من المتغيرات الأساسية، مكوناً حاسماً. وتسمح مرونة الصرف بالوقاية، في ظل هذا الاندماج الدولي المتزايد، من التغيرات القوية التي قد تطرأ لاحقاً على معادلات الصرف. فتصور معي ما الذي يمكن اتخاذه من إجراءات لإصلاح اختلالات التوازن المتراكمة جراء اعتماد سعر الصرف الثابت، في ظل التفاقم المتواصل للعجز الخارجي وانخفاض احتياطات الصرف، والتضخم القوي والاختلال المتواصل للميزانية. في المغرب، واستناداً إلى التجربة التي راكمها البنك المغربي للتجارة الخارجية، باعتباره مؤسسة شريكة ومنخرطة في التحضير للانتقال إلى نظام الصرف المرن، أخذ بنك المغرب ما يلزم من الوقت حتى تتمكن البنوك من الاستعداد التقني لهذا التحول، وبالتالي تحضير زبائنها لمواجهة هذا «المعطى الجديد». تجدر الإشارة إلى الأهمية الحاسمة التي تكتسبها أدوات تغطية المخاطر التي توفرها البنوك المغربية لزبائنها، والتي يجب أن توسع في أقرب وقت، وأن تشمل جميع العملات الأجنبية المتداولة في البلاد، مع تمديد آجالها. فهذه الأدوات تعتبر أساسية من أجل «تطويق حالة الشك والارتياب» حول السعر المستقبلي للعملة الوطنية، لأنها تمكن من التحديد المسبق لسعر الصرف، وتعفي الفاعلين الاقتصاديين من القلق بشأنه، مهما كانت التطورات اللاحقة التي يمكن أن يعرفها في السوق. وتكتسي المقاربة التدريجية في التوجه نحو تحرير نظام الصرف بأهمية خاصة، وتعتبر الأكثر ملاءمة في الظروف الحالية، وحتى البنيوية للاقتصاد المغربي.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.