هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

المخازن أصبحت أهم من المتاجر الفخمة في أولويات الشركات والتجار

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟
TT

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

في ولاية نيويورك الأميركية، وعلى امتداد شوارع سوهو الممهدة بالحصى، تظهر حقائب «شانيل» وسترات «أركتيريكس» في المتاجر على نحو يجعلها تبدو أشبه بمعروضات المتاحف، لتشهد بذلك على ما تشتهر به هذه الضاحية من مواكبة لأحدث خطوط الموضة. ومع ذلك، من اللافت في الوقت الحالي أن عدد المتاجر الخالية داخل المنطقة في تزايد مستمر.
والملاحظ أن بعض أكثر العقارات التي يتهافت عليها تجار التجزئة ليست في سوهو، وإنما على بعد خمسة أميال منها ـ تحديداً ريد هوك، وهو جيب رملي في بروكلين كان معقلاً فيما مضى لصناعة السفن. واليوم، يتصارع التجار المعنيون بالتجارة الإلكترونية على استئجار جزء من المساحات الضخمة التي كانت مخصصة كمخازن من قبل، والتي تمتد على مسافة 11 فدانا، بحيث يتمكنون من توصيل السلع في يوم طلبها عبر الإنترنت.
وتأتي هذه التحولات في إطار عملية إعادة ترتيب عميقة لمشهد التسوق داخل نيويورك، على نحو يعكس إعادة هيكلة واسعة لقطاع بيع التجزئة الأميركي بأكمله.
وقد نجحت العناصر المشاركة في التجارة الإلكترونية، بقيادة شركة «أمازون» العملاقة، في جعل التسوق عبر الإنترنت تجربة بالغة السهولة والسرعة أمام الأفراد، لدرجة خلقت أمام قدرة تجار التجزئة التقليديين، الذين يشعرون بالتقييد بسبب انحسار العقارات وثقافة البيع داخل المتاجر، على المنافسة تحديات كبيرة. ومع هذا، يرى خبراء اقتصاديون وعاملون بمجال بيع التجزئة ومستثمرون بالمجال العقاري أن هذا التحول بدأت وتيرته في التسارع خلال الشهور الأخيرة على وجه الخصوص.
تكشف الأرقام أنه بين عامي 2010 و2014 نمت التجارة الإلكترونية بمتوسط 30 مليار دولار سنوياً. أما على امتداد السنوات الثلاث الماضية، فقد ارتفع معدل النمو السنوي إلى 40 مليار دولار.
عن ذلك، علقت باربرا دنهام، الخبيرة الاقتصادية البارزة لدى «ريس»، وهي شركة معنية بجمع وتحليل البيانات العقارية، بقولها: «هناك تحديداً تكمن نقطة التحول. إن الأمر أشبه بما يعرف باسم (تأثير دوبلر)، ذلك أن التغيير يأتي إليك سريعاً للغاية بدرجة تجعلك تشعر أنه يتسارع».
ونتيجة لهذا التحول، بدأت مراكز التسوق في المناطق الحضرية تخلو شيئا فشيئاً، بينما تواجه أسماء تجارية لامعة وذات تاريخ طويل شبح الإفلاس، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خسائر هائلة على صعيد الوظائف.
وتكشف الإحصاءات أن مزيدا من العاملين داخل متاجر البيع بوجه عام تعرضوا للتسريح منذ أكتوبر (تشرين الأول) قرابة 89 ألف أميركي. ويفوق هذا العدد جميع من جرى تسريحهم داخل صناعة الفحم الأميركية، والذين تزعم الرئيس دونالد ترمب قضيتهم أثناء حملته الانتخابية باعتبارها نموذجا صارخا على كيفية أن حركة الاقتصاد نحو التعافي تخلف العمال وراء ظهرها.
من ناحية أخرى، من الممكن أن تترك خسائر الوظائف بمجال التجزئة تداعيات اجتماعية وسياسية غير متوقعة، مع فقدان أعداد ضخمة من العاملين منخفضي الأجور بمجال التجزئة الحماية الاقتصادية التي يتمتعون بها، تماماً مثلما حدث مع العاملين بمجال التصنيع خلال العقود الأخيرة. وجدير بالذكر أن واحداً من بين كل 10 أميركيين يعمل بمجال تجارة التجزئة.
من ناحيته، أكد مارك كوهين، المسؤول التنفيذي السابق لدى «سيرز»، والذي يتولى حالياً إدارة دراسات تجارة التجزئة داخل كلية كولومبيا لإدارة الأعمال، أن «ثمة تحولا هائلا بقطاع التجزئة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تحول هائل بقطاع التوظيف».
في تلك الأثناء، فإن معدلات إغلاق المتاجر هذا العام في طريقها نحو تجاوز أعداد المتاجر التي أغلقت أبوابها في خضم أزمة الركود العظيم عام 2008. في تلك الفترة الماضية، انحسرت رغبة الأميركيين في الشراء جراء ما عانوه من إجراءات حجز عقاري وخسائر استثمارية.
أما الموجة الحالية من إجراءات غلق المتاجر فتأتي في وقت تقف ثقة المستهلكين عند مستوى قوي وتتسم البطالة بمعدل منخفض، ما يوحي بأن ثمة عملية إعادة هيكلة دائمة تجري في الوقت الراهن، وليس مجرد تراجع في إطار الدورة الطبيعية للنشاط التجاري. باختصار، لن تعرف تجارة التجزئة التقليدية طريقها نحو التعافي مجدداً قط.
ومن المفترض أن عملية إعادة الهيكلة تلك لا تشكل مفاجأة بالنسبة لأولئك الذين شعروا بسعادة لحظية لدى حصولهم على الكتاب الذي طلبوا شراءه في غضون 24 ساعة فقط من صدور أمر الشراء، أو أي شخص عاين مسؤولي المبيعات الذين يبدوا عليهم الإنهاك داخل كثير من المتاجر.
في الواقع، لقد اتسعت المسافة الفاصلة بين تجارة التجزئة في وقتنا الحالي وما كانت عليه خلال عصرها الذهبي في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، على نحو هائل. آنذاك، ساعدت الطرق السريعة الممهدة حديثاً في نقل الناس ذهاباً وإياباً من الضواحي، ما أدى نهاية الأمر إلى ظهور مراكز التسوق - والتي أصبحت أشبه بمبان تذكارية ضخمة ومريحة ومكيفة لتخليد الثقافة الاستهلاكية.
بمرور الوقت، اتسعت مساحة المراكز التجارية لدرجة جعلتها أقرب إلى حجم المدن الصغيرة. على سبيل المثال، فإن «مول أوف أميركا» الذي جرى افتتاحه في مينيسوتا عام 1992 تكفي مساحته الهائلة لاستيعاب تسع نسخ من «استاد يانكي» بداخله.
اللافت أن كثيرا من هذه المراكز الخاصة بالتسوق التجاري بدأت متاجرها تخلو الآن أو يجري تحويلها إلى ساحات انتظار أو معاهد دراسية. عن ذلك، قال بروس باتكين، الرئيس التنفيذي لـ«تيرا كابيتال بارتنرز»، وهي شركة تعمل بالمجال العقاري: «لقد بني قطاع التجزئة مساحات شاسعة للغاية».
وأشار باتكين إلى أنه تلقى طلباً الأسبوع الماضي من صاحب عقار يتطلع نحو إعادة تمويل مركز تسوق تجاري يملكه بالاعتماد على قرض لمدة 10 سنوات. وقال باتكين إنه عجز عن اتخاذ رأي قاطع بشأن هذا الطلب، لأنه من العسير للغاية التوقع بما يمكن أن يحدث للعقار خلال 10 سنوات من الآن.
وأضاف: «الأوضاع تتبدل سريعاً للغاية بقطاع التجزئة، لدرجة أن العام الواحد ربما يشهد تطورات كان من الطبيعي حدوثها على امتداد سنوات كثيرة».
ومع هذا، لا يزال كثير من المستثمرين متمسكين بفكرة إمكانية تحقيق تعايش بين تجارة التجزئة الإلكترونية والمتاجر التقليدية؛ وأن يزدهرا معاً. وقد أعرب تجار التجزئة عن أملهم في أن تنجح متاجرهم، من خلال أساليب العرض المبهرة والخدمة السرعة، في اجتذاب المتسوقين بعيداً عن شاشات الكومبيوترات والأجهزة الذكية. وربما يتمثل الدليل الأقوى على أن تجارة التجزئة التقليدية لا تزال حية، في إقدام «أمازون» على تجريب إدارة متاجر فعلية تتبعها.
بيد أنه على أرض الواقع، أشار بعض العاملين إلى أنهم كثيراً ما يقضون وقتاً في خدمة عميل داخل المتجر، ليفاجأوا به يرحل نهاية الأمر ويطلب شراء ما يرغبه عبر الإنترنت. وغالباً ما يتسبب مثل هذا الإجراء في أضرار مالية للبائعين، ذلك أن كثيرين منهم يعتمد على العمولات والتي لا يتقاضاها إلا عن المبيعات التي ينجزونها بصورة شخصية داخل المتجر.
داخل «بلومينغديل»، فإن الموظفين الذين هم أيضاً أعضاء باتحاد عاملي متاجر التجزئة والجملة، يرون ضرورة أن تعمل الشركة على تطوير أسلوب مكافأة العاملين عن معاونتهم في إنجاز صفقات بيع عبر الإنترنت ـ مثل مساعدتهم العملاء على اختيار سلع داخل المتجر طلبوا شراءها عبر الإنترنت.
وقال رئيس الاتحاد، ستيوارت آبلبوم: «بطبيعة الحال، ترغب الشركة في ضمان معايشة العميل لتجربة تسوق تخلق داخله الرغبة في القدوم إلى المتجر، الأمر الذي يتطلب فريق عمل لديه حافز كبير».
في المقابل، أعلنت متحدثة رسمية باسم «بلومينغديل» أن الشركة تتفاوض مع الاتحاد حول إبرام تعاقد جديد وتتخذ خطوات نحو الاستثمار في قوة العمل لديها.
جدير بالذكر أن صناعة التجزئة دائماً ما مرت بفترات صعود وهبوط، وينتقل العاملون باستمرار من متجر لآخر، مع تساقط صيحات وأسماء تجارية وظهور أخرى. ومع ذلك، فإنه حتى بالنسبة لكثير من العاملين المخضرمين بمجال تجارة التجزئة، المعتادين على خسارة وظائفهم تبعاً لتغير المواسم، تبدو فترة الانحسار الحالية غريبة عن المعتاد.
من بين هؤلاء، هيلدا أور، 27 عاماً، التي خسرت عملها بأحد متاجر ساكس فيفث أفنيو في لور مانهاتن الشهر الماضي. وبعد تنقلها بين عدة متاجر لبيع الملابس، قالت إن الكيل فاض بها الآن وتبحث حالياً عن مجال عمل مختلف تماماً.
وقالت أور التي كانت تتقاضى 16 دولاراً في الساعة: «أعشق حقاً معاونة العملاء على خلق أسلوب جديد في الملبس، لكن لم يعد لدي شعور بالأمان الوظيفي».
من ناحية أخرى، يرى فريق من الخبراء الاقتصاديين أن ما يجري حالياً يعكس الصورة التي من المفترض أن تعمل بها السوق، فبعد الركود كانت الوظائف بمجال التجزئة واحدة من المحركات القوية باتجاه التعافي الاقتصادي، لكن نظراً لأن الاقتصاد أصبح أقوى الآن، فإن عمال التجزئة ينبغي نظرياً الدفع بهم نحو وظائف ربما توفر أجورا أعلى وفرصا أكبر لتكوين ثروة.
وعن هذا، قال مارك زاندي، الخبير الاقتصادي البارز لدى «موديز أناليتيكس»: «يمكن النظر إلى هذا الوضع باعتباره الصورة المثالية للدمار الخلاق، فنحن نعمد إلى تقليص قطاع غير تنافسي من الاقتصاد. ورغم أن هذا الأمر مؤلم لمن يعايشونه، فإن هذا هو السبيل الذي من خلاله نحقق النمو ونبني الثروة».
إلا أن كوهين، من جامعة كولومبيا، حذر من أن تدمير صناعة بأكملها لن يكون بالأمر الهين، مضيفاً أن «هذه أزمة قائمة، وبدأت في التكشف منذ عامين مع الإعلان عن إغلاق متاجر. إن الناس يفقدون وظائفهم وليس أمامهم بديل يلجأون إليه».

* خدمة «نيويورك تايمز»



«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.