خلافات بين القوى الغربية.. وروحاني يدعو لعدم تفويت الفرصة

اتهامات لفرنسا بمحاولة لعب دور في اللحظات الأخيرة في جنيف .. وماراثون مفاوضات بين الوزراء وظريف

خلافات بين القوى الغربية.. وروحاني يدعو لعدم تفويت الفرصة
TT

خلافات بين القوى الغربية.. وروحاني يدعو لعدم تفويت الفرصة

خلافات بين القوى الغربية.. وروحاني يدعو لعدم تفويت الفرصة

دخل وزراء خارجية القوى الست الكبرى في مفاوضات ماراثونية طوال يوم أمس مع إيران في محادثات جنيف حول القضايا الخلافية في الملف النووي الإيراني بعد أن مددت المباحثات يوما إضافيا. وبينما كان القرار المفاجئ برفع التمثيل إلى مستوى وزراء الخارجية الذي اكتمل أمس بوصول سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا قد رفع سقف التوقعات، كانت المؤشرات تفيد مساء أمس بوجود عقبات وخلافات حتى بين الدول الغربية بعدما أبدت فرنسا تحفظات على صيغة الاتفاق المطروحة، معتبرة أنه لا يزال هناك أسئلة يتعين الإجابة عنها من جانب الطرف الإيراني. وأرسلت روسيا والصين وزيري خارجيتهما إلى جنيف لإكساب المحادثات زخما. ويهدف الاتفاق المؤقت قيد البحث إلى خلق إطار زمني للمفاوضات حول اتفاق أكثر شمولا من شأنه أن ينهي عشرة أعوام من المواجهة بشأن البرنامج النووي الإيراني. ويبدو أن من بين نقاط الخلاف الرئيسية الدعوات المنادية بغلق مفاعل إيراني قد يساعد طهران في النهاية على إنتاج وقود نووي يستخدم في تصنيع أسلحة، ومصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية، وطبيعة تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على الجمهورية الإسلامية وتدرجه. كما كشفت إيران عن نقطة رئيسية مثار خلاف، إذ قال عضو وفد المفاوضين الإيرانيين مجيد تخت روانجي لوكالة مهر للأنباء الجمعة إن القوى الغربية يجب أن تبحث تخفيف العقوبات النفطية والمصرفية في المرحلة الأولى من أي اتفاق.
وعرضت القوى العالمية على إيران الحصول على أموالها المجمدة بالخارج منذ عدة أعوام، لكنها استبعدت أي تخفيف ملموس للعقوبات في المراحل الأولى لأي اتفاق.
وقال دبلوماسيون إنه حتى لو حدثت انفراجة مطلع هذا الأسبوع فلن تكون سوى بداية لعملية طويلة لبناء الثقة ترمي إلى إيجاد حل دائم يبدد المخاوف الدولية من مساعي إيران النووية.
وتدخل الرئيس الإيراني حسن روحاني في محاولة لإنقاذ المباحثات الصعبة، داعيا القوى الكبرى إلى عدم تفويت «الفرصة الاستثنائية» المطروحة حاليا للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني لطهران خلال المفاوضات المستمرة في جنيف.
وقال روحاني في تصريحات أوردتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا): «آمل أن تغتنم القوى التي تفاوض إيران ضمن مجموعة (5+1) الفرصة الاستثنائية التي وفرتها الأمة الإيرانية للتوصل إلى نتيجة إيجابية خلال مدة معقولة».
وأضاف الرئيس الإيراني: «هذه الفرصة وجدت مع انتخابات 14 يونيو (حزيران)»، في إشارة إلى فوزه في الانتخابات الرئاسية التي كان «أحد شعاراتها التفاهم البناء مع العالم».
واعتبر روحاني أن «طلبات تعليق (البرنامج النووي) والعقوبات لم تحل المشاكل، وإنما عقدتها»، مشيرا إلى أن «الحل الوحيد هو التفاوض في إطار الاحترام والثقة المتبادلة». وأدلى روحاني بهذه التصريحات خلال استقباله وزير الخارجية الياباني فوميو كيشيدا الذي يزور إيران حتى اليوم.
وتحدث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي يرأس الوفد الإيراني في جنيف عن تحقيق تقدم مع مجموعة «5+1» (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين وألمانيا) من دون تأكيد ما إذا كان سيجري التوصل إلى اتفاق مساء أمس على «نص الإعلان المشترك».
لكن ظريف قال إن هناك «خلافات في وجهات النظر» بين الدول الكبرى نفسها في المحادثات النووية بجنيف حول ملف إيران النووي.
وقال مفاوض غربي إنه في ضوء العقبات التي ظهرت فقد تكون هناك حاجة إلى جولة جديدة من المفاوضات، بينما رفض الجانب الإيراني أي تمديد جديد، فإما الاتفاق مساء أمس أو عقد جولة جديدة ما بين 7 و10 أيام. وقال ظريف أثناء فترة استراحة بعد ساعتين من المباحثات مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون: «إذا لم نتوصل إلى اتفاق هذا المساء، فإن المفاوضات ستستأنف بعد أسبوع أو عشرة أيام».
وتعرضت فرنسا إلى انتقادات إيرانية بأنها تتخذ مواقف متشددة، ولم يقتصر ذلك على المفاوضين الإيرانيين، بل أخذ الموقف نفسه بعض المفاوضين الغربيين، وعلى وجه الخصوص ألمانيا، كما علمت «الشرق الأوسط». وقال أحد المندوبين الأميركيين إن فرنسا مثل من جاء متأخرا ويتمسك بالعودة لنقطة البداية، مما عقد من جلسات التفاوض بين إيران والمجموعة الدولية التي تضم فرنسا وبقية الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن بالإضافة لألمانيا.
من جانبه أكد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، إصرار بلاده وتمسكها ببحث القضايا العالقة ككل، وقضية تلو الأخرى، وليس إرجاء البعض باعتبار أن العمل سوف يجري كمراحل. وشدد على أن باريس لا يمكن أن تقبل باتفاق خاسر.
ووفقا للقليل الذي تسرب من المفاوضات فإن الفرنسيين كثيرا ما طلبوا العودة أكثر من مرة للتركيز على كيفية التصرف حيال مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بكل نسبه بما في ذلك النسب البسيطة التي تسمح بها اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي، ناهيك عما خصبته إيران من يورانيوم بنسبة 20 في المائة التي أولتها الأطراف كافة كل الأهمية.
وكان فابيوس قد أشار منذ لحظة وصوله لـ«القضايا الهامة التي ما تزال قائمة»، وبالأمس كرر القول إن العالق من القضايا إذا لم يجرِ حله فلن يكون من الممكن إبرام اتفاق، محذرا مما وصفه بلعبة غير مجدية، ومطالبا بموقف واضح وصريح بخصوص مفاعل أراك للمياه الثقيلة.
وتفيد متابعات «الشرق الأوسط» بأن رئيس الوفد الإيراني قد اشتكى مرارا مما وصفه بتعنت فرنسي حول إصرار فرنسا لرهن التفاوض وتمديده بدعوى ضرورة أن تحصل على موقف جماعي محدد بشأن مفاعل أراك الذي لم يكتمل بناؤه ولا تعده الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقدمة المواقع الإيرانية التي تصر على معاينتها بحكم أن المفاعل قد تعثر؛ إذ ما يزال تحت الإنشاء (جنوب شرقي طهران) رغم أن التفكير في إنشائه بدأ منذ عام 1980 ولم يشرعوا في تخطيطه إلا عام 2002 ولم يتم كمبنى حتى 2006 وحتى أكتوبر (تشرين الأول) هذا العام لم يكتمل تركيب خزانه الرئيسي، ورغم إعلانات سابقة ببداية تجربة العمل فيه إلا أن ذلك قد لا يتحقق العام المقبل. ويتوقع أن ينتج في حال نجاحه ما يقدر بـ10 - 12 كيلوغرام من البلوتونيوم في العام.
وبعد لقاء منفرد مع ظريف قال فابيوس في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: «نود التوصل إلى اتفاق، لكن مسائل هامة ما زالت عالقة تتعلق خصوصا بمفاعل أراك وبمخزون وتخصيب اليورانيوم».
وأثارت هذه العرقلة تعليقات في العواصم الأوروبية. وأكد وزير الخارجية السويدي كار بيلت في تغريدة على موقع «تويتر»: «يبدو أن المفاوضات في جنيف لا تجري مع إيران، بل في صفوف المجموعة الغربية. هذا ليس أمرا جيدا».
ويرجع الاهتمام الفرنسي بهذا المفاعل لخطورة ما يمكن أن ينتجه يوما ما من بلوتونيوم يعد مادة رئيسية في إنتاج قنابل نووية.
في هذا السياق كان وزير الخارجية الإيراني، كما علمت «الشرق الأوسط»، قد طلب لقاء رباعيا جمعه وأشتون ووزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ ووزير الخارجية الألماني مباشرة بعد لقاء ثلاثي جمعه وأشتون ووزير الخارجية الفرنسي وكان قد غادره في ساعة متأخرة ليلة الجمعة غاضبا.
من جانبها نقلت وكالة «إرنا» الإيرانية عن ظريف قوله إنهم تحملوا ضغوطا حتى تصل المفاوضات إلى نتيجة، متهما الفرنسيين باتخاذ مواقف متشددة كما أصبح حالهم في السنوات الأخيرة.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الطلابية عن ظريف قوله: «حول بعض النقاط توصلنا إلى اتفاق، وحول نقاط أخرى لا تزال هناك خلافات. وكما أشارت وسائل الإعلام هناك تضارب في وجهات النظر ضمن مجموعة (5+1)». وأعلن ذلك خلال استراحة بعد ساعتين من المباحثات مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون.
وصرح دبلوماسي غربي للصحافيين بأن «الأميركيين والاتحاد الأوروبي والإيرانيين عملوا بشكل مكثف طوال أشهر على هذا الاقتراح، وهذه ليست إلا محاولة من فابيوس للتدخل في اللحظة الأخيرة للعب دور في المفاوضات».
وحذرت إيران من أنه إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج إيران النووي السبت، وهو اليوم الثالث من المحادثات، فإن النقاشات ستؤجل إلى جولة جديدة ولن تتواصل المفاوضات الأحد.
وكرر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أمس أنه ما زالت هناك «مسائل هامة» عالقة في المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، وذلك عقب لقاء مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في جنيف.
وفي هذا الاتجاه قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إن هناك «خلافات في وجهات النظر» بين الدول الكبرى في المحادثات النووية بجنيف حول ملف إيران النووي.
وفي طهران انتقد نواب إيرانيون السبت تصلب فرنسا في المفاوضات حول الملف النووي الإيراني في جنيف، متهمين وزير الخارجية الفرنسي بالدفاع عن «مواقف» إسرائيل التي تندد بالاتفاق الذي يجري بحثه.
ورأى وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ أنه «علينا أن نفعل ما بوسعنا لانتهاز اللحظة والفرصة للتوصل إلى اتفاق لم ينجح العالم في التوصل إليه منذ فترة طويلة»، حيث بدا مصمما على تقريب وجهات النظر بين الغربيين.
غير أنه أبدى حذرا مؤكدا أنه حاليا من المستحيل التأكيد «على حصول اتفاق هذا المساء». وتابع: «لكن وإن لم يحدث فعلينا الاستمرار في الأسابيع المقبلة بالبناء على التقدم المحرز».
وتوالت منذ الصباح المشاورات المكثفة برئاسة وزيرة الخارجية الأوروبية كاثرين أشتون بتفويض من الأمم المتحدة. كما جرت مناقشات ثنائية وثلاثية.
وتتمحور المحادثات «البالغة التعقيد» بين إيران ومجموعة الدول الكبرى «5+1» (الولايات المتحدة، روسيا، فرنسا، بريطانيا، الصين وألمانيا) حول «اتفاق مؤقت» حول البرنامج النووي الإيراني قبل العمل على اتفاق نهائي.
وبحسب الاقتراح الذي يشمل فترة تجربة من ستة أشهر ولم يعلن مضمونه، توافق إيران مقابل تخفيف العقوبات على تعليق كلي أو جزئي لتخصيب اليورانيوم الذي يجري حاليا بنسبتي 3.5 في المائة و20 في المائة، ويمكن أن يسمح بإنتاج سلاح ذري إذا بلغت نسبة التخصيب 90 في المائة.
ويدخل مفاعل المياه الثقيلة في أراك (الفرع الثاني في آلية إنتاج سلاح نووي باستخدام البلوتونيوم)، الذي تحدث عنه فابيوس، في الخدمة في الصيف المقبل. وبعد تشغيله سيكون من الصعب جدا وقفه، بحسب الخبراء.
من المسائل الأخرى التي ينبغي حلها مصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة لدى إيران. وأفادت وسائل إعلام بأن طهران قد توافق على تجميد أنشطة آلات الطرد المركزي الأكثر تطورا لديها طوال ستة أشهر كبادرة حسن نية.
أما إسرائيل فحذرت بقوة من الاتفاق مع إيران الذي لا يؤدي إلى تفكيك برنامجها النووي.
وصرح مسؤول إسرائيلي كبير لوكالة الصحافة الفرنسية: «مع كل تفاصيل إضافية تجمعها إسرائيل حول الاتفاق الذي يصاغ في جنيف يتفاقم اضطرابها حيال الاستعجال في توقيع اتفاق على هذه الدرجة من السوء للعالم».
وتضم مجموعة «خمسة زائد واحد» التي تتفاوض مع إيران الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا.
وتجنب وزير الخارجية الأميركي جون كيري الظهور في وسائل الإعلام أمس قبل المشاركة في محادثات مكثفة لمدة ساعتين مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وممثلة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون. وكان الثلاثة التقوا على مدى خمس ساعات يوم الجمعة الماضي.
وكانت مشاركة وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا: جون كيري وويليام هيغ وفابيوس وغيدو فسترفيلي، ثم الروسي سيرغي لافروف أمس، والمشاركة المتوقعة لوزير الخارجية الصيني وانغ يي بعد ظهر اليوم، زادت التكهنات بقرب الوصول إلى اتفاق.
وليس أمام المفاوضين سوى مساحة محدودة للمناورة؛ إذ إن هناك معارضة من المتشددين في طهران والكونغرس الأميركي لأي تقارب بين البلدين، خاصة الحرس الثوري ورجال الدين الشيعة المحافظين في إيران.
وقال مسؤول إسرائيلي أمس إن إسرائيل «ترفض تماما» الاتفاق الذي يجري بحثه في جنيف حول البرنامج النووي الإيراني بين إيران والدول العظمى. وقال المسؤول طالبا عدم كشف اسمه: «ترفض إسرائيل تماما الاتفاق الذي يبحث بين إيران والدول الكبرى وهي غير ملزمة به».
وأضاف: «كلما حصلت إسرائيل على مزيد من التفاصيل بشأن الاتفاق قيد البحث في جنيف يزداد قلقها من جدوى توقيع اتفاق سيئ لهذه الدرجة بالنسبة إلى العالم».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.