فرنسا توازن بصعوبة بين التشبث بنظام الرعاية الاجتماعية والتقشف

ارتفاع تكاليف المساعدات المقدمة لغالبية العائلات يسبب متاعب للرئيس الاشتراكي هولاند

فرنسا توازن بصعوبة بين التشبث بنظام الرعاية الاجتماعية والتقشف
TT

فرنسا توازن بصعوبة بين التشبث بنظام الرعاية الاجتماعية والتقشف

فرنسا توازن بصعوبة بين التشبث بنظام الرعاية الاجتماعية والتقشف

يشن باتريك جوف، مالك أحد متاجر الألعاب هنا في شارع لوي براي، هجوما على اللوائح الحكومية التي تفرض قيودا على مساحة لعبة الشطرنج البراقة والكرة النطاطة التي رسمها على واجهة متجره. فإذا كانت مساحة الدهان أو الرسم تغطي أكثر من 36 قدما، فإنه يعد إعلانا ويجب عليه سداد رسم قدره 1.350 دولار أميركي. لكن رغم ذلك، يتطلع جوف، 57 سنة، للحصول على معاش حكومي كبير بما يساعده على تأمين خطة تقاعده في الريف عند وصوله إلى سن 62 سنة.
وعلى مسافة قريبة في نفس الشارع، تعتمد فيرجيني شارغرو، زوجة أحد الخبازين، على «إعانة أسرية» باليورو تعادل قيمتها 404 دولارات أميركي تحصل عليها من الحكومة للمساعدة في تربية أطفالهما الثلاثة. تعمل هي وزوجها لمدة ستة أيام في الأسبوع لتحصل على ما يعادل نحو 2.200 دولار أميركي شهريا. وتقول: «كنا سنواجه مشاكل لتوفير بعض أموار الرفاهية للأسرة لو لم نحصل على تلك الإعانة» الحكومية.
تعد مسألة الوجود المتغلغل للحكومة في الحياة الفرنسية بدءا بالقواعد المتعلقة بأماكن العمل ووصولا إلى الإعانات الصحية والتعليمية، موضوع جدل كبير، حيث تصارع البلاد لمعرفة ما إذا كان بإمكانها الحفاظ على نموذج الديمقراطية الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية أم لا.
وأدى ارتفاع تكاليف برامج الرعاية الاجتماعية من المهد إلى اللحد ضعف قدرة الحكومة الفرنسية على زيادة الضرائب اللازمة للسداد مقابل كل هذا، والتسبب في خلق مشاكل سياسية متزايدة للرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند. وأصبحت قدرة البلاد على الإبداع والتنافس عالميا مسألة يُلقى عليها بظلال الشك، وينفر المستثمرون من واضعي اللوائح الحكومية والضرائب المرتفعة.
بيد أنه في شوارع هذه المدينة، ذات المساحة المتوسطة والتي تقع على بعد 325 ميلا جنوب غربي باريس، لا تكون المناقشة مجردة أو حتى سياسية بصورة علانية. فالمحادثات الموجودة في هذا الصدد تذكّر كيف عمد الكثير من الأشخاص، بلا وعي تقريبا، على توفيق تعليمهم وعادات العمل وفق احتياجهم، على الإعانات التي يرون فيها أحد المكونات الأساسية لحياتهم.
ويقول لوي باريس، 25 سنة، وهو ابن لزوجين يعيشان في شارع لوي برايل، وهو شارع مثالي في مدينة سانت إيتيان، التي تضم الطبقة العاملة ذات الأصول المترسخة، وتعتمد تاريخيا على الاشتراكيين: «لا يمكنك أن تنزع السلاح من الأميركيين، وبنفس الطريقة يتعذر عليك إبعاد الإعانات الاجتماعية عن الشعب الفرنسي». وأضاف باري، العاطل عن العامل والذي ما زال يبحث عن عمل منذ تركه للجامعة من أجل الحصول على وظيفة بدوام كامل توفر له الحصول على المزايا والإعانات: «لا يطيق السكان تحمل سداد هذه المبالغ».
في فرنسا، تتحمل الحكومة سداد معظم رسوم رعاية الأطفال والتعليم العالي، والتي تكون متاحة عالميا، كما هو الحال بالنسبة للرعاية الصحية. ومقارنة بالولايات المتحدة مثلا تعد تلك الأمور الثلاثة الأكثر تكلفة في ميزانيات غالبية الأسر الأميركية.
يتم إدراج كلفة الرعاية الصحية في فرنسا كجزء لا يتجزأ من الضرائب المفروضة على العمال وأصحاب العمل، حيث يقدم العمال إسهامات إلزامية قدرها نحو 10% من نسبة رواتبهم لتغطية التأمين الصحي، وإجمالي نحو 22% للسداد مقابل كافة الإعانات التي يستفيدوا بها.
يمكن أن تصل نسبة ضريبة الرواتب لأصحاب العمل إلى 48%، مما يعني أنه بالنسبة لموظف يتلقى راتبا يعادل في قيمته مبلغ ألف دولار أميركي، تكون التكلفة لصاحب العمل 1.480 دولار، وفقا لإحصائيات الحكومة الفرنسية. ولذلك يحصل الموظف لمدة سنتين على تأمين ضد البطالة تتحمل الحكومة سداده. ويحصل أولياء الأمور على مبلغ شهري عن كل طفل بعد الطفل الأول حيث يبدأ المبلغ من 176 دولارا للطفل الثاني، ويُطلب من معظم العمال المتلقين لرواتب أن يحصلوا على إجازة قدرها خمسة أسابيع، رغم أن المهنيين والمالكين للأنشطة التجارية، مثلما يفعل الكثير في شارع لوي برايل، يأخذون أقل من ذلك.
وقد زادت حدة المعارضة السياسية للتخفيضات المتواضعة التي طرأت على البرامج الاجتماعية. وقام سلف هولاند، الرئيس السابق المحافظ نيكولا ساركوزي، بتقليل بعض أقساط الكفالة الاجتماعية وتقليص معايير الحصول على إعانات البطالة والحد الأدنى للدخل، كما طرح مقترحات أخرى لم يستطع تنفيذها في ضوء مواجهة الاحتجاجات التي قد أدت في بعض الأحيان إلى خروج مئات الآلاف من الشعب في الشوارع للتظاهر.
ويواجه الرئيس هولاند معارضة عنيفة بالنسبة للمقترح الذي يطالب الشعب بالعمل لمدة أطول قدرها 18 شهرا لاستحقاق الحصول على إعانات التقاعد.
هناك حالة من التوتر تسود حياة الأفراد بين الضغط لتقليل الميزانية والطبيعة المترسخة بشدة في البرامج الحكومية. استطاعت سارة ريفي، 31 سنة، التي تعيش في شارع لوي برايل، أن تعود إلى العمل في أحد المكاتب الحكومية المحلية بعد إنجابها طفلا وذلك بسبب برنامج عام يسمح لها بالحصول على شهادة يمكنها أن تستخدمها للعمل في الحكومة المحلية. وحصلت أيضا على إعانة حكومية لمرحلة ما قبل الدراسة لطفلها البالغ من العمر 3 سنوات وتلقت إعانات أسرية من الحكومة، مما ساعدها على القدرة على تحمل تكاليف جليسة أطفال لطفلها الذي يصل عمره سنة واحدة.
بيد أنه عندما تم تسريحها من العمل بسبب خفض الميزانية، لم تكن مؤهلة للحصول على إعانات البطالة نظرا لعملها بدوام جزئي وحصولها على وظيفة مؤقتة. ورغم ذلك، فإن ريفي لا تزال تؤمن بضرورة وجود نظام حكومي يضمن للفقراء، على وجه الخصوص، وجود شبكة أمان كافية. وتقول ريفي: «سأختار بالقطع مواصلة هذا الأمر».
وتدير ميريل روجير، التي تعيش في شارع لوي برايل: «مركز بابي»، وهو عبارة عن منظمة خدمة اجتماعية غير هادفة للربح تدعمها الحكومة لخدمة إحدى المناطق الأكثر فقرا في المدينة. ونظرا لأن الكثير من عملاء المركز يعيشون في منطقة تضم شخصا عاطلا بين كل أربعة أشخاص على الأقل، فإنهم يعتبرون المساعدة الحكومية أمرا ضروريا. وتقول روجير: «سأكون سعيدة عندما أسدد المزيد من ضرائب الرواتب، لكي يحصل الآخرون على المزيد من الإعانات».
يتلقى بعض الأشخاص في المركز دخلا إضافيا من الحكومة لضمان حصولهم على الحد الأدنى للمعيشة. وفي شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، كان هذا الدعم يصل إلى 1.664 دولار للشخص الواحد ونحو 3.100 دولار للأسرة المكونة من أربعة أفراد بينهم أطفال فوق ثلاث سنوات. وعلاوة على ذلك، هناك بعض الأشخاص المؤهلين للحصول على إعانة سكنية والإعانات الأخرى. ويقول سالفاتور غارافا - بوتا، وهو جزار ونائب أمين أكبر نقابة في سانت إيتيان: «لقد طبقت الدولة النظام، لكننا صرنا عبيدا له».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».