العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان

طه عبد الرحمن يعرّي العنيف ويفكك خطابه في كتاب جديد

العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان
TT

العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان

العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان

بعد إصداره لكتابه «دين الحياء» بأجزائه الثلاثة، صدر للدكتور طه عبد الرحمن، عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع في بيروت، كتاب جديد بعنوان «سؤال العنف». ميزة هذا المنجز الجديد المخصص لدراسة «العنف»، تكمن في أن قسمه الأكبر جاء في شكل حوار أجرته معه المؤسسة الناشرة، ما أعطاه حيوية، بالإضافة إلى ما فيه من تشويق ومتعة. فالحوار كما نعلم، قد يفضح بعضا من نيات الكاتب، نظرا لما تنطوي عليه الأسئلة من عنصر المفاجأة، التي تجعل الباحث يطرق مواضيع، قد لا يعيرها اهتماما، إن كان يكتب في غياب محاور. ينطلق طه عبد الرحمن في تمهيد كتابه، من ذكر حيرته الدائمة من عنف الإنسان وقسوته تجاه أخيه الإنسان، وهو العاقل. عنف يتجاوز، أحيانا، مستوى الحيوان وهو الأعجم. والأخطر عنده، هو فتك المسلم بأخيه المسلم، على الرغم من أن دينه يحرم ذلك، ويجعل قتل الواحد كقتل الناس جميعا، ويجعل القاتل مخلدا في النار أبدا.
هذا ما دفع بطه عبد الرحمن، إلى التفكير في الموضوع بإلحاح، بحثا عن الأسباب الداعية إلى الوقوع في العنف والسير بعكس ما يمليه روح الدين، من دون أن ينسى تذكيرنا بأن قراءة التاريخ تبرز أن العنف قائم في البشر، منذ تسلط «قابيل» على «هابيل» وسفك دمه. على الرغم من ذلك، يبدي طه تفاؤلا وأملا كبيرين في قدرة البشرية على الخلاص، وتجفيف منابع العنف وقطع دابره، بل الإطاحة به «بضربة قاضية». وحتى لو سار التاريخ في اتجاه يعاكس هذا الطموح، وأبرز عنفا بعد عنف، فإن الإمكان البشري يظل أوسع من التاريخ، والخروج من «العالم القابيلي»، الذي يرمز لعالم الشر، نحو «العالم الهابيلي» الذي يرمز لعالم الخير، يظل أمرا متاحا، بشرط أن يتم اتباع روح الدين الذي يدعو الإنسان إلى الاشتغال بعيدا عن حب التملك، وبعيدا عن كل تسيد.
هذا الكتاب - الحوار، غني جدا، ويجد فيه القارئ معطيات كثيرة. ففيه يقدم طه محاولة لتعريف العنف مثلا، والفرق بينه وبين القوة. كما ينقاش ما يسمى «العنف المشروع» المروج في المرجعيات الغربية، الذي جرى نقله إلى تربتنا من عالم الاجتماع «ماكس فيبر»، وأفكار أخرى بالطبع. وسنحاول الوقوف بالضبط عند الوصفة التي يقدمها طه عبد الرحمن، لمواجهة ظاهرة العنف باسم الدين.
المطلع على عموم مشروع طه عبد الرحمن، سيكتشف أن توجهه الفكري بدأ يأخذ طابعا مستقلا، ويتخذ لنفسه اسما خاصا هو «الفلسفة الائتمانية»، خصوصا في كتبه الأخيرة، ونقصد، روح الدين وبؤس الدهرانية، وشرود ما بعد الدهرانية، ودين الحياء، وسؤال العنف، الكتاب الذي نقدمه للقارئ.
يحصر طه عبد الرحمن منطلقات أو مسلمات هذا النظر الائتماني، في ثلاثة عناصر هي:
- إنه فكر أخلاقي بالأساس، والأخلاق يجب أن تعمم في كل تفاصيل الأفعال من دون استثناء، على عكس الفلسفة المعاصرة التي تجعله حكرا على بعض الأفعال.
- التسليم بـ«عالمية الإسلام». فالفلسفة الائتمانية تجتهد في إبراز الجوانب التي تشترك فيها البشرية جمعاء. وبالحديث عن واقعة العنف، موضوع الكتاب، فهي تعود إلى الحدث الفاصل والكوني الذي أخبرت به كل الأديان السماوية، وهو «قتل قابيل لهابيل». بل نظيرا لهذه القصة، وجد لدى الشعوب القديمة، الأمر الذي شرحته بحوث «التحليل النفسي» و«الأنثربولوجيا».
- التسليم بـ«خاتمية الإسلام». فطه عبد الرحمن، يعتبر أن القيم الإسلامية تصدق أبد الدهر، فهي الأفق المتبقي للبشرية.
والآن، وبعد ذكر المنطلقات التي يستند إليها طه من أجل بناء معمار فلسفته الائتمانية، لنقف عند بعض الحجج التي يقدمها لإبراز أن العنف هو عملية قلب للأصل الديني، فالعنيف يقلب الدين رأسا على عقب.
يعود طه عبد الرحمن إلى الواقعة الأصلية لـ«مقتل هابيل»، ويركز عليها بشكل أساسي لفهم العنف من جهة، وإيجاد الخلاص أيضا من جهة أخرى. فالعنيف يدخل البشرية إلى «عالم قابيلي»، حيث يشبه سلوكه تلك الجريمة الأولى التي تمس الفاعل والمفعول به معا. فالقاتل يجعل من مورس عليه العنف، مجرد شيء، نظرا لإرادة تملكه عن طريق إتلاف جسده، ومن ثم ينزع عنه لباس الإنسانية أي لباس الأخلاق. لكن وفي الوقت نفسه، ينقلب الأمر على العنيف بإيذاء أسوأ، إذ ينسلخ عن إنسانيته، ليس إلى درك «البهيمية» أو درك «الشيئية»، بل إلى درك «الإبليسية»، على أساس أن إبليس اتخذ من الإنسان عدوا له وأقسم بغوايته ونزع لباسه عنه، لهذا فالعنيف يحتذي حذوه تماما. وهنا نتذكر «الخيار الهابيلي» المخالف تماما، فهابيل قرر الإبقاء على لباس الإنسانية (الأخلاق) بعدم بسط يده للقتل.
ولا يفوت طه عبد الرحمن، التأكيد على أن العنف نوعان: فقد يكون بالقول وهو «التطرف»، وقد يكون بالفعل وهو «الإرهاب». فالمتطرف يعمل على نشر ثقافة العنف، ويعمل على تهييج العواطف وشحن الصدور. لهذا فالتطرف إرهاب، ولا ينتظر إلا الظروف المواتية لينقلب إلى عنف مادي بالفعل. فما هو مزروع في الذهن لا محالة يجد طريقه إلى الأرض. يتوقف طه عبد الرحمن في إحدى محطات حواره المطول، عند «العنف الديني»، ليبين أنه يتجاوز تعدي الحدود وظلم الخلق، إلى ظلم الخالق سبحانه. لأن العنيف ببساطة، ينسب بعض الكمالات الإلهية إلى نفسه. فحين يجبر الناس على الاعتقاد والفعل، فهو يتصف بصفة «الجبار». وهنا يذكر طه عبد الرحمن، بأن لفظ (جبار) قد جاء في القرآن الكريم، في مقابل ثلاثة ألفاظ أخرى، وهي «الإصلاح» في قوله تعالى: «إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين». وأيضا في مقابل «المذكر»، أي «المبلغ» في قوله تعالى: «وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد». وكذلك جاءت لفظة جبار، في مقابل «البر» بالوالدين، في قوله تعالى: «وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا».
فالملاحظ مما ورد في الذكر الحكيم إذن، هو أن لفظة «جبار» جاءت في مقابل «الإصلاح» و«التذكير» و«البر»، وهي أفعال لن تتم إلا بالرأفة وليونة الجانب، والابتعاد عن الإكراه والقسوة والغلظة، وتحتاج من الفاعل الصبر والتأني في المعاملة.
إن «الجبار» اسم من أسماء الله الحسنى، ولا ينبغي أبدا منازعته في ذلك. فحين يؤتي العنيف أعمالا، كالتربب، أو التسيد، وحين يكفّر ويعذب ويقتل، فهو يكون بذلك، قد تحلى بمظاهر التجبر.
وهو بذلك يتطاول على صفة من صفة الله. وهو ما يتنافى والميثاق الأصلي، الذي وجد بين الله والإنسان في عالم الملكوت، والذي ينقسم إلى قسمين هما: ميثاق الإشهاد المرتبط بالاعتقاد، الذي تم فيه إعلان أن الربوبية والتوحيد خالص لله وحده، وميثاق الائتمان المرتبط بالأعمال، الذي تم فيه وضع العالم كأمانة في يد الإنسان، وإعلان أن التصرف فيه يجب أن يكون بإبعاد الذات عن كل حيازة أو تملك، ليصبح كل شيء فيه مجرد وديعة.
إن العنيف يقلب الأمور جملة وتفصيلا، ويخرج عن الميثاق الأولي، بل يخونه تماما، فهو لا ينازع الله في صفة «الجبار»، بل ينازعه في ميثاقه، وكأنه بعنفه، يعترض على ربوبية الله، وكون أن من مورس عليه العنف هو أصلا قد تم إشهاده وائتمانه في عالم الملكوت. باختصار نقول، إن العنيف ينصب نفسه في مرتبة الله سبحانه، فهو يعطي لنفسه صلاحيات التربب والتكفير، وهو قد أشهد نفسه بتركها لله وحده. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهو حين يسعى إلى تملك الآخرين، بتعذيبهم وقتلهم، يهمل تماما الأمانة التي تحملها بأن تكون الأمور وديعة بين يديه وليست حيازة يعبث بها.
إن الشخص العنيف، كما يلح طه عبد الرحمن، يعتقد في داخله، أنه يخدم الدين بأعماله. بينما يرتكب، في الحقيقة، خطيئة وزلة فظيعة، لأنه بتشدده وإيذائه المسرف، يعطي لنفسه الحق في الإشهاد ويجعله معه وحده، ويسمح لنفسه أيضا، بأن يكون العدل في الائتمان بيده وحده. وهو بذلك يدخل في منازعة واضحة لله واعتداء صارخ عليه. وهذه خيانة كبرى وقلب لروح الدين الأصلي.
إضافة إلى هذا كله، يرى طه عبد الرحمن، أن عجز أهل العلم عن ردع العنيف باسم الدين، يرجع بالأساس، إلى زعم العنيف بأنه مالك لزمام الفقه والاجتهاد والإفتاء، وأنه ليس في حاجة إليهم. لهذا لا يتوقف طه عبد الرحمن، عن التأكيد على ضرورة تغيير مقاربة الاشتغال، والخروج من النموذج التقليدي «الأمري»، الذي يهتم بالأوامر في جانبها القانوني لا في جانبها الأخلاقي، والانتقال رأسا إلى النظرة الائتمانية التي تذكر المرء بالميثاق الملكوتي الأصلي إشهادا وائتمانا. فالاستشهاد بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء، لن يصرف أبدا العنيف عن اعتقاده وأعماله. لأن العنيف ببساطة، سيؤوّل الشواهد لصالحه، وسيرى في تشدده معيارا وميزانا للتقوى في عالم يراه في ضلال وفساد. بل سيعلن هذا العنيف، أن أهل العلم هم متساهلون جدا، بل سيتهمهم بالتواطؤ مع أهل السلطة. أما لجوء أهل السلطة إلى القوة والتهديد، فهو طريق لن يصح أيضا، بل سيزيد العنيف تطرفا واقتناعا أنه محق.
نخلص إلى أن العنيف قد تشرب الآلية «الأمرية»، وأصبح بارعا فيها إلى درجة العمى والغرور، والادعاء بأن الصواب المحض هو إلى جانبه. لهذا فالتصدي له، من وجهة نظر طه عبد الرحمن، يتطلب استراتيجية أخرى تواجهه بخطاب يخالف خطابه، ولغة جديدة لا يعرفها، تذكره بانزلاقاته وهو ما سيجعله ينصت ويصغي. هذه الاستراتيجية تقدم الجانب الأخلاقي على الجانب القانوني، وتذكر على الدوام، أن الامتثال للأوامر التي أصبحت ميكانيكية، يجب إعادة وصلها بحضرة الآمر سبحانه، الذي بيده فقط الإشهاد والائتمان.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.