العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان

طه عبد الرحمن يعرّي العنيف ويفكك خطابه في كتاب جديد

العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان
TT

العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان

العنف يخون ميثاق الإشهاد والائتمان

بعد إصداره لكتابه «دين الحياء» بأجزائه الثلاثة، صدر للدكتور طه عبد الرحمن، عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع في بيروت، كتاب جديد بعنوان «سؤال العنف». ميزة هذا المنجز الجديد المخصص لدراسة «العنف»، تكمن في أن قسمه الأكبر جاء في شكل حوار أجرته معه المؤسسة الناشرة، ما أعطاه حيوية، بالإضافة إلى ما فيه من تشويق ومتعة. فالحوار كما نعلم، قد يفضح بعضا من نيات الكاتب، نظرا لما تنطوي عليه الأسئلة من عنصر المفاجأة، التي تجعل الباحث يطرق مواضيع، قد لا يعيرها اهتماما، إن كان يكتب في غياب محاور. ينطلق طه عبد الرحمن في تمهيد كتابه، من ذكر حيرته الدائمة من عنف الإنسان وقسوته تجاه أخيه الإنسان، وهو العاقل. عنف يتجاوز، أحيانا، مستوى الحيوان وهو الأعجم. والأخطر عنده، هو فتك المسلم بأخيه المسلم، على الرغم من أن دينه يحرم ذلك، ويجعل قتل الواحد كقتل الناس جميعا، ويجعل القاتل مخلدا في النار أبدا.
هذا ما دفع بطه عبد الرحمن، إلى التفكير في الموضوع بإلحاح، بحثا عن الأسباب الداعية إلى الوقوع في العنف والسير بعكس ما يمليه روح الدين، من دون أن ينسى تذكيرنا بأن قراءة التاريخ تبرز أن العنف قائم في البشر، منذ تسلط «قابيل» على «هابيل» وسفك دمه. على الرغم من ذلك، يبدي طه تفاؤلا وأملا كبيرين في قدرة البشرية على الخلاص، وتجفيف منابع العنف وقطع دابره، بل الإطاحة به «بضربة قاضية». وحتى لو سار التاريخ في اتجاه يعاكس هذا الطموح، وأبرز عنفا بعد عنف، فإن الإمكان البشري يظل أوسع من التاريخ، والخروج من «العالم القابيلي»، الذي يرمز لعالم الشر، نحو «العالم الهابيلي» الذي يرمز لعالم الخير، يظل أمرا متاحا، بشرط أن يتم اتباع روح الدين الذي يدعو الإنسان إلى الاشتغال بعيدا عن حب التملك، وبعيدا عن كل تسيد.
هذا الكتاب - الحوار، غني جدا، ويجد فيه القارئ معطيات كثيرة. ففيه يقدم طه محاولة لتعريف العنف مثلا، والفرق بينه وبين القوة. كما ينقاش ما يسمى «العنف المشروع» المروج في المرجعيات الغربية، الذي جرى نقله إلى تربتنا من عالم الاجتماع «ماكس فيبر»، وأفكار أخرى بالطبع. وسنحاول الوقوف بالضبط عند الوصفة التي يقدمها طه عبد الرحمن، لمواجهة ظاهرة العنف باسم الدين.
المطلع على عموم مشروع طه عبد الرحمن، سيكتشف أن توجهه الفكري بدأ يأخذ طابعا مستقلا، ويتخذ لنفسه اسما خاصا هو «الفلسفة الائتمانية»، خصوصا في كتبه الأخيرة، ونقصد، روح الدين وبؤس الدهرانية، وشرود ما بعد الدهرانية، ودين الحياء، وسؤال العنف، الكتاب الذي نقدمه للقارئ.
يحصر طه عبد الرحمن منطلقات أو مسلمات هذا النظر الائتماني، في ثلاثة عناصر هي:
- إنه فكر أخلاقي بالأساس، والأخلاق يجب أن تعمم في كل تفاصيل الأفعال من دون استثناء، على عكس الفلسفة المعاصرة التي تجعله حكرا على بعض الأفعال.
- التسليم بـ«عالمية الإسلام». فالفلسفة الائتمانية تجتهد في إبراز الجوانب التي تشترك فيها البشرية جمعاء. وبالحديث عن واقعة العنف، موضوع الكتاب، فهي تعود إلى الحدث الفاصل والكوني الذي أخبرت به كل الأديان السماوية، وهو «قتل قابيل لهابيل». بل نظيرا لهذه القصة، وجد لدى الشعوب القديمة، الأمر الذي شرحته بحوث «التحليل النفسي» و«الأنثربولوجيا».
- التسليم بـ«خاتمية الإسلام». فطه عبد الرحمن، يعتبر أن القيم الإسلامية تصدق أبد الدهر، فهي الأفق المتبقي للبشرية.
والآن، وبعد ذكر المنطلقات التي يستند إليها طه من أجل بناء معمار فلسفته الائتمانية، لنقف عند بعض الحجج التي يقدمها لإبراز أن العنف هو عملية قلب للأصل الديني، فالعنيف يقلب الدين رأسا على عقب.
يعود طه عبد الرحمن إلى الواقعة الأصلية لـ«مقتل هابيل»، ويركز عليها بشكل أساسي لفهم العنف من جهة، وإيجاد الخلاص أيضا من جهة أخرى. فالعنيف يدخل البشرية إلى «عالم قابيلي»، حيث يشبه سلوكه تلك الجريمة الأولى التي تمس الفاعل والمفعول به معا. فالقاتل يجعل من مورس عليه العنف، مجرد شيء، نظرا لإرادة تملكه عن طريق إتلاف جسده، ومن ثم ينزع عنه لباس الإنسانية أي لباس الأخلاق. لكن وفي الوقت نفسه، ينقلب الأمر على العنيف بإيذاء أسوأ، إذ ينسلخ عن إنسانيته، ليس إلى درك «البهيمية» أو درك «الشيئية»، بل إلى درك «الإبليسية»، على أساس أن إبليس اتخذ من الإنسان عدوا له وأقسم بغوايته ونزع لباسه عنه، لهذا فالعنيف يحتذي حذوه تماما. وهنا نتذكر «الخيار الهابيلي» المخالف تماما، فهابيل قرر الإبقاء على لباس الإنسانية (الأخلاق) بعدم بسط يده للقتل.
ولا يفوت طه عبد الرحمن، التأكيد على أن العنف نوعان: فقد يكون بالقول وهو «التطرف»، وقد يكون بالفعل وهو «الإرهاب». فالمتطرف يعمل على نشر ثقافة العنف، ويعمل على تهييج العواطف وشحن الصدور. لهذا فالتطرف إرهاب، ولا ينتظر إلا الظروف المواتية لينقلب إلى عنف مادي بالفعل. فما هو مزروع في الذهن لا محالة يجد طريقه إلى الأرض. يتوقف طه عبد الرحمن في إحدى محطات حواره المطول، عند «العنف الديني»، ليبين أنه يتجاوز تعدي الحدود وظلم الخلق، إلى ظلم الخالق سبحانه. لأن العنيف ببساطة، ينسب بعض الكمالات الإلهية إلى نفسه. فحين يجبر الناس على الاعتقاد والفعل، فهو يتصف بصفة «الجبار». وهنا يذكر طه عبد الرحمن، بأن لفظ (جبار) قد جاء في القرآن الكريم، في مقابل ثلاثة ألفاظ أخرى، وهي «الإصلاح» في قوله تعالى: «إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين». وأيضا في مقابل «المذكر»، أي «المبلغ» في قوله تعالى: «وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد». وكذلك جاءت لفظة جبار، في مقابل «البر» بالوالدين، في قوله تعالى: «وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا».
فالملاحظ مما ورد في الذكر الحكيم إذن، هو أن لفظة «جبار» جاءت في مقابل «الإصلاح» و«التذكير» و«البر»، وهي أفعال لن تتم إلا بالرأفة وليونة الجانب، والابتعاد عن الإكراه والقسوة والغلظة، وتحتاج من الفاعل الصبر والتأني في المعاملة.
إن «الجبار» اسم من أسماء الله الحسنى، ولا ينبغي أبدا منازعته في ذلك. فحين يؤتي العنيف أعمالا، كالتربب، أو التسيد، وحين يكفّر ويعذب ويقتل، فهو يكون بذلك، قد تحلى بمظاهر التجبر.
وهو بذلك يتطاول على صفة من صفة الله. وهو ما يتنافى والميثاق الأصلي، الذي وجد بين الله والإنسان في عالم الملكوت، والذي ينقسم إلى قسمين هما: ميثاق الإشهاد المرتبط بالاعتقاد، الذي تم فيه إعلان أن الربوبية والتوحيد خالص لله وحده، وميثاق الائتمان المرتبط بالأعمال، الذي تم فيه وضع العالم كأمانة في يد الإنسان، وإعلان أن التصرف فيه يجب أن يكون بإبعاد الذات عن كل حيازة أو تملك، ليصبح كل شيء فيه مجرد وديعة.
إن العنيف يقلب الأمور جملة وتفصيلا، ويخرج عن الميثاق الأولي، بل يخونه تماما، فهو لا ينازع الله في صفة «الجبار»، بل ينازعه في ميثاقه، وكأنه بعنفه، يعترض على ربوبية الله، وكون أن من مورس عليه العنف هو أصلا قد تم إشهاده وائتمانه في عالم الملكوت. باختصار نقول، إن العنيف ينصب نفسه في مرتبة الله سبحانه، فهو يعطي لنفسه صلاحيات التربب والتكفير، وهو قد أشهد نفسه بتركها لله وحده. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهو حين يسعى إلى تملك الآخرين، بتعذيبهم وقتلهم، يهمل تماما الأمانة التي تحملها بأن تكون الأمور وديعة بين يديه وليست حيازة يعبث بها.
إن الشخص العنيف، كما يلح طه عبد الرحمن، يعتقد في داخله، أنه يخدم الدين بأعماله. بينما يرتكب، في الحقيقة، خطيئة وزلة فظيعة، لأنه بتشدده وإيذائه المسرف، يعطي لنفسه الحق في الإشهاد ويجعله معه وحده، ويسمح لنفسه أيضا، بأن يكون العدل في الائتمان بيده وحده. وهو بذلك يدخل في منازعة واضحة لله واعتداء صارخ عليه. وهذه خيانة كبرى وقلب لروح الدين الأصلي.
إضافة إلى هذا كله، يرى طه عبد الرحمن، أن عجز أهل العلم عن ردع العنيف باسم الدين، يرجع بالأساس، إلى زعم العنيف بأنه مالك لزمام الفقه والاجتهاد والإفتاء، وأنه ليس في حاجة إليهم. لهذا لا يتوقف طه عبد الرحمن، عن التأكيد على ضرورة تغيير مقاربة الاشتغال، والخروج من النموذج التقليدي «الأمري»، الذي يهتم بالأوامر في جانبها القانوني لا في جانبها الأخلاقي، والانتقال رأسا إلى النظرة الائتمانية التي تذكر المرء بالميثاق الملكوتي الأصلي إشهادا وائتمانا. فالاستشهاد بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء، لن يصرف أبدا العنيف عن اعتقاده وأعماله. لأن العنيف ببساطة، سيؤوّل الشواهد لصالحه، وسيرى في تشدده معيارا وميزانا للتقوى في عالم يراه في ضلال وفساد. بل سيعلن هذا العنيف، أن أهل العلم هم متساهلون جدا، بل سيتهمهم بالتواطؤ مع أهل السلطة. أما لجوء أهل السلطة إلى القوة والتهديد، فهو طريق لن يصح أيضا، بل سيزيد العنيف تطرفا واقتناعا أنه محق.
نخلص إلى أن العنيف قد تشرب الآلية «الأمرية»، وأصبح بارعا فيها إلى درجة العمى والغرور، والادعاء بأن الصواب المحض هو إلى جانبه. لهذا فالتصدي له، من وجهة نظر طه عبد الرحمن، يتطلب استراتيجية أخرى تواجهه بخطاب يخالف خطابه، ولغة جديدة لا يعرفها، تذكره بانزلاقاته وهو ما سيجعله ينصت ويصغي. هذه الاستراتيجية تقدم الجانب الأخلاقي على الجانب القانوني، وتذكر على الدوام، أن الامتثال للأوامر التي أصبحت ميكانيكية، يجب إعادة وصلها بحضرة الآمر سبحانه، الذي بيده فقط الإشهاد والائتمان.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.