أفلام القوة الضاربة تكشف عن مخاوف نفسية عميقة

ملامحها الأولى من أدب إدغار آلان بو... والمرأة هي البطل

سكارليت جوهانسون في «شبح في الصدفة»
سكارليت جوهانسون في «شبح في الصدفة»
TT

أفلام القوة الضاربة تكشف عن مخاوف نفسية عميقة

سكارليت جوهانسون في «شبح في الصدفة»
سكارليت جوهانسون في «شبح في الصدفة»

في فيلمها الجديد «شبح في الصدفة»، (Ghost in the Shell)، الذي سيطرح للعروض العالمية مع نهاية هذا الشهر، تعود سكارليت جوهانسون إلى أدوار «السوبر وومان» التي مثلتها خلال السنوات القريبة في «المنتقمون» و«كابتن أميركان» و«لوسي». المرأة التي لا تهاب وتتمتع بقدرات خارقة تمكنها من البقاء حية إثر كل مجابهة عنيفة تتعرض لها.
لكن هناك ميزة إضافية في «شبح في الصدفة» وهي أنها في الأساس كيان لا يمكن قتله. هي ليست بشراً وليست مخلوقاً، بل حالة صناعية تلتقي وحالة الوحش الذي ابتدعه الطبيب فرنكنستين في رواية ماري شيلي الشهيرة. فلقد تم صنع «ذا مايجور»، كما سمّوها، من أجزاء بشرية مختلفة تم شحنها بخبرة أعوام من التقنيات الحديثة التي تتحكم في «ذا ماجور» بقدر ما تتحكم «ذا مايجور» فيها أو زيادة.
بذلك سنرى هذا المخلوق الأنثى يغير من جلده ويطير ويسبح في الفضاء ويواجه جموع الأشرار ويقاتل ويربح المعارك. نستطيع أن نعرف أن هذا الكائن الذي يحمل وجه وجسد سكارليت جوهانسون دخل مرحلة القتال عندما تُخلع عنه - تلقائياً - الملابس والأمارات البشرية باستثناء لباس بلون البشرة يغطي الشخصية كما لو كانت عارية. ونعرف أن دورها في المجابهة انتهى إما بمراقبة سقوط آخر الضحايا الذين جابهوها أو بقفزها في ظلمة الليل ثم اختفائها مثل فقاعات الصابون. كانت هنا وأصبحت فجأة هناك.
* تأكيد الخرافة
الشخصية، كما الفيلم، مأخوذة من سلسلة أفلام أنيميشن طويلة قام الياباني مامورو أوشاي بإخراجها منذ عام 1995. والنجاح الجيد لذلك الفيلم أدّى، كما العادة، إلى إطلاق سلسلة من تلك الأفلام اليابانية المرسومة، إلى أن تم الاتفاق على استنساخ الفكرة وأحداثها الواردة في الفيلم الأول إلى فيلم أميركي حي. هذا الاتفاق يعود إلى عام 2008، لكن السيناريو الذي تمّ اعتماده لتحقيق هذا الفيلم كتب في مطلع 2014، والتصوير بوشر به في 10 فبراير (شباط) 2016.
أقرب ما مثلته سكارليت جوهانسون لملامح وعناصر هذه الشخصية هو ما ورد في فيلم «لوسي» حيث لعبت دور امرأة عادية تم تجهيزها لتتحول إلى مقاتلة تبدو من نوع البشر لكنها تتجاوزهم. الحكاية هنا تتشابه في هذه المدلولات وإن كانت تقع في عام 2051، وسيترك لنا الفيلم إمكانية معرفة كيف ستتم حياكة عالم مستقبلي سبقته عوالم كثيرة في كثير من الأفلام المستقبلية. مثلاً؛ وضع الفيلم الياباني الأول الأحداث في زمن مستقبلي، لكنه لم يستهلكه في تصوير ما هو مختلف. حتى المصعد الكهربائي في أحد المشاهد يطلع براكبيه أبطأ من مصاعد اليوم. الفكرة وفلسفتها وما تعنيه وجدانياً سادت العمل الأصلي، في حين تشي المقدّمات المشاهدة في النسخة الأميركية بأن الغاية هي إطلاق فيلم «أكشن» لا يكف عن الحركة (المصحوبة بالموسيقى المناسبة) كما هو شأن أفلام «السوبر هيرو» الشبيهة.
لكن هناك ما يكشفه هذا المنوال من الأفلام... ذلك الوارد في معظم ما يصل إلينا هذه الأيام من إنتاجات «بطولية» مماثلة، وما يكشفه قد يعود إلى ما تحدّث عنه الكاتب الروائي إدغار ألان بو في روايته «سقوط منزل آل آشر» سنة 1839.
المعلّق في تلك الرواية (التي تم نقلها عدة مرّات إلى الشاشة الكبيرة) غير معروف، وهو يقول في معرض حديثه عن ملاحظاته حول نفسه: «قلت إن التأثير الوحيد لتجربتي الطفولية بعض الشيء كان لأجل تعميق الانطباع الذاتي. ليس هناك من شك في أن وعيي بالارتفاع السريع لخرافتي خدم تلك الزيادة بعينها».
ما نتج في تلك الرواية، حسب ألان بو، هو تأكيد الخرافة بمجرد التفكير بها بدل تبديدها، ما يوضح أن الناتج عن اعتماد المعلق في تلك الرواية على خرافة تجلّت له تبعاً للأحداث، هو تثبيت حالة الفزع التي كثيراً ما كانت محور معظم أفلام هذا الروائي المبدع. وهذه الحالة تلتقي وما يرد في سياق أفلام الشخصيات الخارقة التي تطالعنا هذه الأيام. شخصية «ذا ماجور» وشخصيات «لوغان» و«آيرون مان» و«ذا هالك» و«هوك آي» كما شخصية «بلاك ويدو» التي تؤديها جوهانسون في سلسلة «المنتقمون»، هي أشبه بما ورد في نص ألان بو: «الاعتقاد بخرافة الديمومة والقوّة الفردية المطلقة ناتج عن، ومؤدٍ إلى، الخوف من الخرافة ومن الحياة ذاتها».
* الخوف من الحياة والموت
ليس غريباً، والحال هذه، أن الشخصيات البطولية الممطرة علينا كل سنة تتشابه في دوافعها وكثير من نتائجها. «سوبرمان» و«باتمان» و«سبايدر مان» و«آيرون مان» حُرموا جميعاً من التمتع بحياة أسرية كاملة. والد كل منهم مات في حادثة. نشأوا يتامى؛ عليهم تعلم مهنة الدفاع عن النفس في جو اجتماعي معاد وسط عالم من الدكانة والعنف. إذن المحرك الأساسي للقرار المتخذ في تطويع الذات لممارسة قدرات خارقة ليس الدفاع عن العدالة والقانون (هذا يأتي في السياق)؛ بل الخوف الكامن في الجذور... الشعور بعدم الطمأنينة الذي يولد الحاجة إلى البطولة.
الخوف والتخويف كانا عاملين دائمين متلازمين في الحياة وفي الأفلام والمنتجات البصرية بأسرها. يرقص تشارلي تشابلن في «أزمنة معاصرة»، (1936)، ممتطياً زلاجات رياضية، وكلما اقترب من حافة الطابق العلوي المفتوح، هددنا الوضع بأن يسقط تشابلن أرضاً، خصوصا أنه يؤدي حركاته من دون النظر إلى الوراء.
المشاهد الأولى للقطارات المتسارعة صوب الكاميرا، في حقبة العقد الأول من القرن الماضي، تلك التي جعلت بعض المشاهدين يرمون بأنفسهم وراء المقاعد اتقاء للخطر، كانت استخداماً ماهراً لذلك الخوف. حتى اليوم، إذا ما نجح الفيلم في إثارة الخوف، فإن الناتج هو زعزعة ثقة المشاهد في العالم الخارجي، ولو إلى حين.
حدث ذلك، على سبيل المثال، عندما عرض جورج أ. روميرو فيلمه المثير للتوتر «ليلة الموتى - الأحياء»، (1968)، وعندما أخرج داني بويل «بعد 28 يوماً أخرى»، (2002)، ويحدث دوماً كلما تعامل الفيلم مع عنصر الخوف مباشرة أو على نحو غير مباشر. لكن أفلام الزومبيز وكلاسيكيات الرعب الشهيرة، مثل «دراكولا» و«فرنكنستين» و«الرجل الذئب»، أشركت شخصياتها كما المشاهدين في تعميم احتمالات مستقبلية مطروحة. بَنت حكاياتها على البحث في المحتمل. أما تلك التي تقوم على البطولات الخارقة فهي غيّبت أي احتمالات وقفزت إلى تجسيد حال واقع يقبل عليه العاقل ليقبل حالة غير عقلانية وبذلك يشاركها كما هي.
الاستنتاجات القائمة على الربط بين أدب إدغار ألان بو وحالات البطولة الخارقة الحالية لا تتوقف فقط عند حقيقة أن التعامل قائم بين فرد يرى نفسه أضعف من الخيال فيحاول تصنيعه وتحقيق حلمه بالتحوّل إلى خرافة مستنداً إلى ذلك العامل النفسي بالخوف من الحياة والموت معاً، بل تمتد تلك الاستنتاجات صوب وضع أكثر إثارة وتعقيداً ويصب تماماً في الفيلم الجديد «شبح في الصدفة».
لقد لاحظ المعلق الخفي في «سقوط منزل آشر» أن لدى الشقيقين رودريك ومادلين آشر (كتب بو في تلك الرواية)، «تشابها حادا بين الأخ وأخته قبض على اهتمامي. كانا توأمين بينهما أواصر طبيعية واضحة». في إضافته اللاحقة يعيد كنه الملاحظة ويوحي بأنهما كانا أقرب لوجهي شخصية واحدة.
* المرأة المناوئة
حين يأتي الأمر إلى شخصية بطلة «شبح في الصدفة» فإن المسألة أكثر عمقاً. ما سبق من شخصيات رجالية هو التفسير الهيّن وغير المعمّق لحالة شيزوفرينية. أما بالنسبة لشخصية سكارليت جوهانسون، فإن الوجهان المتناقضان لا يعرفان حدوداً فاصلة. هما صلب شخصية واحدة تجمع في جذورها بقايا حياتها الأولى وكثيرا مما هي عليه الآن.
والاختلاف يمتد ليشمل جوانب أخرى.
حتى سنوات قريبة لم يقبل مشاهدو الأفلام على البطولات النسائية التي من هذا النوع. الفشل أصاب كثيرا من المحاولات السابقة. فيلم «ووندروومان» الذي سنشاهده بعد أسابيع قليلة، استغرق التحضير له سنوات كثيرة، كذلك «الشبح في الصدفة»، لكن الوضع الآن تغير، ما يتجاوب مع توجه شعبي عام بعدم الاعتراف بفوارق جنسية بين الذكر والأنثى. بذلك يمكن للمرأة أن تكون مناوئة للرجل في كامل صفاته وبكل استعدادها.
المرأة التي كانت دائماً ما تقف إما وراء الرجل لكي تساعده وإما ضده لكي تقضي عليه... الآن هذا لا يحدث. لا المرأة تحتاج لسلاح الأنوثة ولا الرجل صار يطلبه أساساً. مساواة من حيث لا تخدم المطلوب، وليس على النحو الذي لطالما طالبت به المرأة من حقوق متكافئة، بل هي الآن تنتزع ما تريده بالقوّة. في هذا الوضع، فإن الآية أصبحت معكوسة: الرجل الطيب هو الذي يقف في الخلفية. السيئ هو العدو. هي البطلة.
بما أن كل هذه الشخصيات البطولية نتاج حافز خوف نفسي يتصنّع البطولة وينشدها درءاً للخطر، فإن كلمات إدغار ألان بو تعود إلى الصدارة عندما نلحظ أن ثيماته المبنية على هذا المنحى، هي في واقعها دفاع عن بقاء الشخصيات التي تقود رواياته عقلانية في وسط ما هو غير عقلاني على الإطلاق. أبطاله هم المضاد لشخصيات البطولة الخارقة، لأن تلك هي نتاج الجنون وليس الانعكاس الحقيقي للبطولة.
نظرة واحدة على الطريقة التي تؤدي بها سكارليت جوهانسون دوريهما في «لوسي» و«شبح في الصدفة» تحيلنا إلى هذا المفهوم مجسداً... سكارليت تبدو واجمة، داخلية المشاعر، فاترة حيال الآخر بصرف النظر عن هويته، تستخدم أسلحتها من دون تردد خوفاً من ضعف الفاعلية إذا ما ترددت، والتردد هو التفكير، والتفكير سيحيل الشخصية إلى الواقع؛ وهذا ما لا ترغب فيه.
المهم أن المشاهد بات يشترك في الإيمان بفاعلية هذه البطولات وحدها. بذلك تحوّل من متابع لها يتسلّى بها ويحلم عبرها، إلى مؤمن بأنها شخصيات تمثّل الواقع الذي يجب أن يكون. بذلك، وكما أفصح ألان بو، فإن وعي المشاهد بالخرافة خدم زيادة إيمانه بها بدلاً من أن يضع حداً لها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».