الهند تضع حداً للبذخ في حفلات الزفاف

10 ملايين مناسبة سنوية بتكلفة 35 مليار دولار

ساعد انتعاش الاقتصاد الهندي في توافر المال لدى عدد كبير من العائلات ما شكل تنافسا في حفلات الزفاف
ساعد انتعاش الاقتصاد الهندي في توافر المال لدى عدد كبير من العائلات ما شكل تنافسا في حفلات الزفاف
TT

الهند تضع حداً للبذخ في حفلات الزفاف

ساعد انتعاش الاقتصاد الهندي في توافر المال لدى عدد كبير من العائلات ما شكل تنافسا في حفلات الزفاف
ساعد انتعاش الاقتصاد الهندي في توافر المال لدى عدد كبير من العائلات ما شكل تنافسا في حفلات الزفاف

في بلد يتم فيه إقامة نحو 10 ملايين حفل زفاف سنوياً، يقدّر حجم صناعة حفلات الزفاف المزدهرة بنحو 35 مليار دولار في الهند، ويزداد بنسبة تصل إلى 30 في المائة سنوياً. كثيراً ما يتم وصف هذه الصناعة بأنها مقاومة للركود، حيث لا تتأثر بالانتكاسات المالية، أو التباطؤ الاقتصادي. وأصبحت حفلات الزفاف أكبر حدث اجتماعي بالنسبة إلى أكثر العائلات الهندية، وهو ما دفع أعضاء البرلمان إلى سنّ تشريع جديد يستهدف الاحتفالات الباذخة.
فهل يمكن إقناع الهنود بخفض حجم حفلات الزفاف والإنفاق عليها؟
لم يكن للتقشف مكان أبداً في حفلات الزفاف الهندية، التي تشتهر بصخبها، وأيامها الطويلة، بل يبدو أن كل تفاصيلها من بطاقات الدعوة إلى قاعات الاحتفال، والطعام، والملابس، تتجه نحو المزيد من البذخ والإسراف. ومن المعروف أن رجال الأعمال، والمشاهير، والسياسيين، في مختلف أنحاء البلاد يتنافسون مع بعضهم البعض في إقامة حفلات زفاف أبنائهم وبناتهم.
تقدم رانجيت رانجان، عضو في البرلمان الهندي من بيهار، إلى البرلمان بمشروع قانون جديد يحمل اسم «حفلات الزفاف - تسجيل إجباري ومنع إهدار النفقات» لعام 2016؛ وهو تشريع مقترح يلزم من ينفق على حفلات الزفاف أكثر من 7.500 دولار بالتبرع بنسبة 10 في المائة من المال إلى الحكومة التي سوف تستغله في تمويل زواج الفتيات الفقيرات. كذلك يستهدف التشريع وضع حد لعدد الضيوف المدعوين، والأطباق التي يتم تقديمها في حفلات الزفاف. وقد وافق مجلس الوزراء والرئيس على هذا المشروع.
وقد ساعد انتعاش الاقتصاد الهندي في توافر المال لدى عدد أكبر من العائلات الهندية، مما جعلهم يحاكون أفراد الأسر المالكة. وتزخر صناعة حفلات الزفاف الهندية بالكثير من الأمثلة الدالة على المبالغة في الاحتفال، ومنها الأفيال المتوجهة من الهند إلى مونت كارلو لتحمل العريس على ظهورها الضخمة، ودعوة فرقة باليه البولشوي الروسية لإقامة عرض في حفل الاستقبال، واستئجار أسطول من الطائرات الخاصة ليتمكن الضيوف من التحرك جيئة وذهاباً كما يحلو لهم.
وقد بدأ الاتجاه نحو الإنفاق المبالغ فيه على حفلات الزفاف في الانتشار في عام 2004 عندما أقام لاكشمي ميتال قطب الأعمال الشهير حفل زفاف ابنته، الذي بلغت تكلفته 36 مليون دولار، في قصر فرساي. منذ ذلك الحين والطبقات الاجتماعية العليا في الهند تحاول التفوق عليه على هذا الصعيد، سواء في الداخل أو في الخارج. عادة ما ترتدي العروس فستانا أحمر اللون كرمز للرخاء والخصوبة، لكن هذه الأيام بات من المعتاد الحصول على فستان يحمل بصمة مصمم أزياء شهير تصل تكلفته في المتوسط إلى 6 آلاف دولار. كذلك قد يظهر العريس على ظهر مهر أبيض، أو فيل مستأجر.
تقول أنايتا شروف أداجانيا، مديرة الموضة في مجلة «فوغ إنديا»: «الميزانية فلكية، حيث يريد الناس إقامة حفل أكبر وأفضل من آخر حفل زفاف حضروه. إنهم يريدون شيئا مختلفا في كل مرة». أثار حفل زفاف ابنة الوزير السابق جاناردان ريدي، الذي أقيم في مدينة بنغالور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 في وقت اتخاذ قرار إلغاء تداول فئتين من العملات الورقية، والذي بلغت تكلفته 75 مليون دولار، انتقادات حادة واسعة في جميع أنحاء البلاد، وبدأ مسؤولو الضرائب بالفعل في التساؤل عن مصدر المال الذي تم إنفاقه على حفل الزفاف.
وقال رانجان، عضو البرلمان، إنه بعد تفعيل التشريع المقترح، سيتم تسجيل كل حفلات الزفاف في غضون 60 يوم من الاحتفال. وللحكومة وضع سقف لعدد الضيوف والأقارب، وأطباق الطعام المقدمة للضيوف والأقارب خلال حفل الزفاف، أو حفل الاستقبال الذي تتم إقامته بعده، ولها أن ترى ضرورة منع إهدار الطعام.
وصرح رانجان لصحيفة «إنديان بريس» قائلا: «هدف مشروع القانون المذكور هو منع الإنفاق ببذخ وإسراف على الزيجات، وفرض زواج أكثر بساطة».
على الجانب الآخر، عبّرت بعض الأصوات عن اعتراضها على هذا التشريع المقترح المقيد، حيث قالت أنيشا تشوغ، التي سوف تتزوج في غضون شهر: «بصفتي مواطنة أدفع الضرائب وألتزم بالقانون أريد القول إنه لا يحق لأحد أن يملي علي كيف أنفق أموالي، ويحدد الأمور التي أنفق المال عليها. لا يحق للدولة التدخل في حياتي الشخصية».
وازدادت حدة الانتقادات للتدخل في الاحتفالات الشخصية، حيث سارعت وسائل الإعلام إلى توضيح أن رانجان قد دعا إلى حفل زفاف ابنته 100 ألف ضيف. ويرى الكثيرون أن فرض دفع 10 في المائة على حفلات الزفاف، التي تتجاوز ميزانيتها 7.500 دولار أميركي، يعد ضريبة على الزفاف تضاف إلى الضرائب الأخرى التي يدفعونها. تقول كافيتا تشوداري، وهي والدة تستعد لإقامة حفل زفاف: «في مجتمعاتنا يبدأ الآباء في الادخار لحفل زفاف أبنائهم، وأحياناً يكون ذلك بمجرد ولادتهم، وذلك بعد دفع ما علينا من ضرائب قانونية».
مع ذلك أليس الهدف من هذه الفكرة هو عدم إهدار سنوات طويلة من الادخار من أجل إقامة حفل زفاف باذخ سيتم نسيان أمره سريعاً؟ أليس من الحكمة توفير كل هذا القدر من المال؟ هذه بعض التساؤلات التي يتمحور حولها مشروع القانون المذكور. يشعر براديب بهارغافا، أحد سكان نيودلهي، والخبير في الشؤون المالية، الذي أقام حفلات زفاف لأبنائه وبناته على مدى السنوات القليلة الماضية، إن هناك تماديا ومبالغة في الإنفاق على حفلات الزفاف، حيث يوضح قائلا: «نحن نبالغ بنسبة مائة في المائة في محاولة للتباهي والتفاخر».
ويتذكر الكثير من هؤلاء الآباء حفلات زفافهم منذ نحو ثلاثة عقود، وكيف كانت بسيطة إلى حد كبير، حيث كان يجتمع فيها أفراد العائلة والأصدقاء، ويغنون أغاني الزفاف في المنزل، ويقوم الطهاة بإعداد الحلوى التقليدية. وتعتقد بيديسا داس، ربة منزل تبلغ من العمر 52 عاماً، أن هذا التوجه خطوة جيدة، حيث تقول: «ينفق الناس مبالغ طائلة على حفلات الزفاف. فكرة التبرع بـ10 في المائة من حجم نفقاتك قد تساعد في توفير قدر كبير من المال».
ويعد حفل الزفاف أيا كان حجمه من الأحداث المهمة بالنسبة إلى أي أسرة في الهند، ومن المعروف قيام الآباء بالادخار لعقود من أجل الإنفاق على إقامة حفلات الزفاف. يقول غوراف راكشيت، رئيس موقعShaadi.com للزواج: «بعيداً عن الحياة اليومية التي ينغمس فيها الأفراد كثيراً، يعد حفل الزفاف فرصة لاجتماع كل المعارف والأقارب ليروا ثمرة 25 عاما من الادخار».
مع ذلك يعد الضغط، الذي يتسبب فيه التنافس، من الجوانب السلبية لهذا الأمر، حيث يقول: «يقترض أكثر الناس الكثير من المال من أجل هذا الأمر». وقد بدأ بعض المقرضين بالفعل في تقديم قروض الزفاف للأسر التي تسعى للحصول على المال من أجل إقامة حفل زفاف يخطف الأنظار.
وتقول سونالد ديساي، أستاذة علم الاجتماع في جامعة ماريلاند، وعضوة المجلس القومي للأبحاث الاقتصادية التطبيقية في نيودلهي، إن هناك جانبا ثقافيا في السعي لإقامة حفلات زفاف باذخة. وتدرس سونالد التغيرات التي تحدث للعائلات الهندية ومن بينها عادات الزواج. وتوضح قائلة: «إنهم يتوقعون من أسرة العروس الإنفاق ببذخ على حفل الزفاف، وإلا فلن تحظى الابنة بمعاملة جيدة في منزلها الجديد بعد الزواج».
ويؤكد أنجو أليكس، شريك في «كويكلو» يبلغ من العمر 22 عاماً، أنه ينبغي رفع سقف تكلفة حفل الزفاف إلى 10 آلاف دولار.
وتنضم الطبقة المتوسطة المتطلعة للترقي إلى سباق الحفلات الباذخة، حيث باتت أيام الاحتفال تتراوح من يومين إلى خمسة أيام، وتشمل رسم الحنة للعروس، وتنظيم عروض الرقص، ووصول العريس على عربة، أو ظهر فيل، فضلا عن الولائم التي تضم طعاماً غريباً يتم تقديمه طوال أيام الاحتفال. ولا يكتمل الحفل إلا بالموسيقى والحنة، وهي أمور لم يكن أحد يسمع بها من قبل. لذا وجد كل من مديري الحفلات، ومنظميها، ومصوري حفلات الزفاف المحترفين أنفسهم فجأة مطلوبين.
يتساءل البعض لماذا يتم تطبيق ذلك على حفلات الزفاف فقط، لما لا يتم وضع سقف للإنفاق على الإعلانات السياسية، وحد للأموال التي يتم إنفاقها في إقامة مؤتمرات جماهيرية، أو غيرها من الفعاليات السياسية. ويقول سوبا: «فليدفعوا ضرائب على هذه الأمور المبالغ بها».
وقد يحتاج البرلمان إلى بعض الوقت من أجل صياغة قانون يحجم الإنفاق على حفلات الزفاف الهندية، وفي هذه الأثناء أصدرت ولاية جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة قراراً قال عنه أحد المسؤولين إنه يستهدف جسر الهوة بين الأثرياء والفقراء. طبقاً للتشريعات الجديدة سوف يتم تحديد عدد الضيوف المدعوين إلى حفلات الزفاف بحيث يتراوح بين 400 و500، ويتم السماح بتقديم 14 طبقا فقط، سبعة منها أطباق نباتية، وسبعة أطباق غير نباتية.
أما فيما يتعلق بحفلات الخطوبة، فينبغي ألا يزداد عدد الضيوف عن مائة ضيف، وسيتم تطبيق عقوبات على المخالفين.
يقول تشوداري ذو الفقار، وزير الموارد الغذائية والمدنية وشؤون المستهلكين في الولاية: «تلقينا على مدى العشرين شهراً الماضية شكاوى من العامة بأن الأثرياء ينفقون أموالا طائلة على حفلات الزفاف. ويضطر الفقراء إلى إنفاق المال على مراسم زفاف أبنائهم وبناتهم».
رغم أنه يبدو من الصعب تنفيذ هذا القرار، الذي من المقرر أن يبدأ العمل به في الأول من أبريل (نيسان)، قال علي إن الحكومة سوف تفرض عقوبات على كل من يخالفه، حيث يضيف قائلا: «يمكن منع إقامة حفلات الزفاف، ويمكن إغلاق قاعات الاحتفالات».
على الجانب الآخر، تتجه ولاية كارناتاكا، التي تقع في جنوب الهند، نحو السيطرة على الإسراف في احتفالات الزفاف.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».