أفريقيا تواجه تحديات جديدة من «القاعدة»

قوات «حفظ السلام» أُرسلت إلى 69 صراعًا ما بين حروب أهلية ونزاعات حدودية

جندي من قوات حفظ السلام في دورية بشمال تمبكتو في مالي (واشنطن بوست)
جندي من قوات حفظ السلام في دورية بشمال تمبكتو في مالي (واشنطن بوست)
TT

أفريقيا تواجه تحديات جديدة من «القاعدة»

جندي من قوات حفظ السلام في دورية بشمال تمبكتو في مالي (واشنطن بوست)
جندي من قوات حفظ السلام في دورية بشمال تمبكتو في مالي (واشنطن بوست)

منذ الحرب العالمية الثانية، أرسلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى 69 صراعًا ما بين الحروب الأهلية، والنزاعات الحدودية، والدول الفاشلة. ولكن الآن، باتت تلك القوات تواجه تهديدًا جديدًا مثيرًا للمزيد من القلق من «القاعدة».
وهنا في الصحراء الشاسعة، التي ينعدم فيها تطبيق القانون في شمال غربي أفريقيا، يجري تمزيق قوافل حفظ السلام بواسطة العبوات الناسفة، وتفجير مراكز الإعاشة بواسطة السيارات المفخخة. وهي الأزمة التي تبدو هائلة مثل الحروب البرية التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق وأفغانستان بأكثر من حالات وقف إطلاق النار التي تراقبها البعثات التابعة للأمم المتحدة.
وخلال السنوات الأربع الماضية، تعرض 118 جنديًا من قوات حفظ السلام للقتل؛ مما يجعل بعثة الأمم المتحدة في مالي، والمعروفة باسم «MINUSMA»، هي من أخطر البعثات الأممية على الإطلاق. وأثار حمام الدم هناك المزيد من التساؤلات حول كيف يمكن للمنظمة التي تأسست في أربعينات القرن الماضي أن تخدم العالم المعاصر في وجه التهديدات من تنظيمي داعش والقاعدة. وتلك القضية هي من القوة والتأثير لا سيما مع اعتبار التوقعات بأن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة سوف تذهب للخدمة في أماكن مثل سوريا وليبيا.
يقول العقيد الهولندي مايك كيرخوف، قائد وحدة الاستخبارات التابعة للأمم المتحدة في مالي: «لا يعتبر هذا نهاية لهذا النوع من المهام والبعثات. بل إنها مجرد البداية. إننا نحاول تعلم هذه الدروس هنا، بدلاً من العراق أو ليبيا أو سوريا».
في عام 2012، استغل المتطرفون التابعون لتنظيم القاعدة انتفاضة الطوارق وانطلقوا للاستيلاء على المدن في جميع أنحاء مالي، واستمروا على ذلك لمدة عام كامل حتى تم إجبارهم على التراجع في مواجهة التدخل العسكري الفرنسي. عندما وصلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة البالغ عددها 11 ألف جندي في عام 2013، كان من المفترض عليهم حماية اتفاق السلام الوليد وتدريب قوات الجيش المالي. ولكن المتطرفين الإسلاميين أعادوا تجميع صفوفهم عبر أرجاء المنطقة. ولم يمر وقت طويل قبل أن يبدأ المتطرفون في استهداف قوات حفظ السلام، والتي يصفونها بقولهم: «قوات الاحتلال الصليبي».
يقف ضابط شرطة تابع للأمم المتحدة في دورية حراسة ليلية في مدينة تمبكتو الشمالية. وبعثة الأمم المتحدة في مالي هي المرة الأولى التي أرسلت فيها فرقة كبيرة من قوات حفظ السلام لمساعدة الدولة على استعادة السيطرة على المناطق المتنازع عليها من قبل الجماعات الإرهابية.
لم تكن الأمم المتحدة على استعداد كبير لمواجهة مثل هذه التهديدات. فلقد جلبت أغلب القوات المشاركة من أفريقيا وجنوب آسيا برفقتها الدبابات والمركبات التي كانت بمثابة الأهداف السهلة للمتفجرات، على العكس من المركبات الأميركية المقاومة للألغام. ومجمعات الأمم المتحدة، التي تنتشر فيها الحاويات المعدنية التي تحولت إلى مكاتب وغرف للنوم، تقع في محيط غير آمن ومعرضة لخطر السيارات المفخخة الكبير التي يستخدمها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، وهو الذراع الإقليمية للتنظيم الإرهابي. ولفترة من الوقت، لم يكن لدى قوات الأمم المتحدة مروحية هجومية واحدة.
يقول محمد الأمين سيوف، وهو مواطن من جزر القمر، وهو كبير موظفي الأمم المتحدة في غاو، المدينة الواقعة في شمال مالي: «لم نكن مستعدين لمواجهة مثل هذه التحديات». وفي العام الماضي، تعرض المجمع الذي يعيش فيه السيد سيوف للهجوم بواسطة أحد الانتحاريين، وعبرت الشظايا باب منزله الأمامي.
ولكن معضلة الأمم المتحدة تذهب لما هو أبعد من نقص الاستعدادات أو معدات مكافحة الإرهاب. ففي مقرها بمدينة نيويورك، وفي كل أنحاء العالم، يتناقش الدبلوماسيون: هل ينبغي على القوات التابعة للأمم المتحدة المشاركة في مكافحة الإرهاب في المقام الأول؟
يقول بيتر ييو، المسؤول الكبير في «مؤسسة الأمم المتحدة»، وهي منظمة غير هادفة للربح مقرها في واشنطن وتعمل على دعم وتأييد أهداف المنظمة الدولية: «حان الوقت لإدراك أن هذا النوع من أدوار الجبهات الأمامية هو من الأدوار المركزية في مستقبل الأمم المتحدة».
ويقول السيد ييو، وغيره، إنه من دون المقدرة على مكافحة الإرهاب، لا يمكن لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة العمل بشكل مثمر في الكثير من مناطق الحروب في العالم.
ولكن نقاد هذا الرأي يقولون إن مثل هذا الدور من شأنه أن ينتهك المبدأ الأساسي لقوات حفظ السلام من الحياد التام، ويجعلهم في نهاية المطاف أقل فاعلية من حيث الاضطلاع بدورهم الرئيسي.
تقول أديتي غورور، مديرة برنامج «حماية المدنيين في مناطق الصراع» التابع لمركز ستيمسون البحثي في العاصمة الأميركية واشنطن: «لا تستخدم قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة القوة المهلكة إلا في حماية أرواح المدنيين، أو لوقف المستغلين من تهديد العملية السلمية، وليس في ملاحقة أي جماعة لتحقيق النصر العسكري عليها».
وإذا اضطرت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة للدخول في مواجهات أكثر عدوانية لمكافحة الإرهاب، كما تقول هي وغيرها، فمن شأن ذلك أن يلحق الضرر البالغ بمقدرة الأمم المتحدة على التوسط بين الجماعات المتناحرة، والتي قد تتضمن في بعض الأحيان بعض المتطرفين.
ولقد وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تعمل بالفعل في مالي، قوات الأمم المتحدة هناك بأنها: «طرف أصيل في النزاع».
وفي عرض الشرائح الذي قدمه للزوار في قاعدته في باماكو، عاصمة البلاد، أدرج العقيد خيرخوف صورة جوية ملتقطة العام الماضي لمجمع يبدو وأنه مستخدم من قبل جماعة إرهابية. وعندما تلقى الصورة، ناقش العقيد خيرخوف ما يتعين عليه القيام به.
قد يخطط الرجال داخل المجمع لشن هجوم جديد على أفراد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما أعتقد، أو شن هجوم ضد المدنيين. وخلال العامين الماضيين، ظل المتطرفون يستخدمون أراضي مالي كنقطة انطلاق في شن الهجمات على الفنادق الفاخرة، والمنتجعات الساحلية، والمطاعم في غرب أفريقيا. وفي عام 2016، شن تنظيم القاعدة وحلفاؤه وفروعه ما لا يقل عن 257 هجومًا في المنطقة، وفقًا لدورية «الحرب الطويلة». ولكن العقيد خيرخوف يعلم أن أقرب كتيبة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهي من السنغال، لا تملك السلاح الكافي أو الدعم الجوي للاشتباك في قتال مع الجماعات الإرهابية عبر الحدود الوطنية. وفي نهاية المطاف، قررت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عدم الاقتراب من المجمع المشار إليه.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ « الشرق الأوسط»



حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
TT

حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)

من المظلات وأجهزة رشّ المياه في الشوارع إلى النباتات المتسلقة، يؤكد خبراء أن ثمة حلولاً بسيطة وسريعة ومنخفضة التكلفة لمكافحة موجات الحر في المدن، إلى جانب زراعة الأشجار ومشاريع التجديد العمراني الكبرى.

يقول المخطط المُدني الفرنسي والمتخصص في التكيف مع التغير المناخي كليمان غايار، إن التحدي الذي تواجهه المدن يكمن في «جعل المساحات العامة أكثر راحة وسهولة للاستخدام خلال موجات الحر»، معتبراً أنّ ذلك يتطلب زيادة المساحات المظلَّلة.

ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية: «إما أن تسمح طبيعة التربة بذلك، وفي هذه الحالة ينبغي إعطاء الأولوية لزراعة الأشجار، وإما أن يمكن تركيب أشرعة تظليل عن طريق تثبيتها على الواجهات القائمة».

كثيرون لجأوا إلى النوم في الحدائق العامة بباريس هرباً من القيظ (رويترز)

وقد أعيد إحياء هذه الحلول التي تعود إلى القرن التاسع عشر بعد تطويرها، وانتشرت في مدينة تولوز بجنوب غربي فرنسا، حيث تفيد البلدية بأنها ساعدت على خفض الحرارة «بما يتراوح بين درجة واحدة وخمس درجات».

إلا أن هذه الأشرعة لا تخلو من السلبيات، من بينها خطر اقتلاعها خلال العواصف، وإعاقة وصول فرق الإطفاء إلى الواجهات، فضلاً عن احتمال الحد من التبريد الليلي إذا لم تكن منفذة للهواء.

يتجه بعض المدن إلى ابتكار حلول هجينة. ففي مدينة كوير (جنوب شرقي فرنسا) أطلقت البلدية مشروع «مدينة منخفضة الحرارة صيفاً»، متخذةً مجموعة من التدابير من بينها مظلات بسيطة للحد من الإشعاع الشمسي، ومظلة شمسية كهروضوئية مُصممة لتوليد الكهرباء لصالح مركز ثقافي.

ويتيح استخدام النباتات المتسلقة، مثل نبات الجنجل أو اللبلاب الخماسي الأوراق، توفير الظل على مساحات واسعة، سواء على الواجهات أو على الأسلاك ممتدة بين المباني.

وتقول لوينا تروفي، مديرة المشاريع في مركز الدراسات والخبرات بشأن المخاطر والبيئة والتنقل والتخطيط (سيريما): «إن عدداً متزايداً من المجموعات المحلية بات يختار نباتات مثل القفزات، لما توفره من ظل سريع، نظراً إلى كونها نباتاً سريع النمو».

وتُشكل إدارة الموارد المائية أيضاً أداة أساسية في هذا المجال.

امرأة تحمي رأسها من الشمس بواسطة مروحة يدوية خارج قصر باكنغهام في لندن (إ.ب.أ)

في ليون (جنوب شرقي فرنسا)، يهدف مشروع «أشجار المطر» إلى تعزيز تسرب مياه الأمطار في أماكن سقوطها، من أجل إنشاء نقاط تبريد.

مقاعد مبردة

ولبلوغ هذا الهدف، توسّع المدينة الحفر المحيطة بالأشجار الموجودة، كما أًعيد تصميم شبكة الطرق لتجميع مياه الأمطار وتوجيهها نحو الأشجار عبر خنادق امتصاص ومجارٍ نباتية، بدلاً من تصريفها في شبكة الصرف الصحي.

يقول المندوب العام لجمعية المدن والأقاليم المستدامة الفرنسية سيباستيان ماير: «إن أولى المشكلات في هذا التكيف هي المياه، فمن دونها لا توجد نباتات. ولا يزال يتعيّن إحراز تقدم في التعامل مع مياه الأمطار بوصفها مورداً مهماً وليست مخلّفات، إذ تسهم في الحفاظ على المساحات الخضراء وتبريد المدن عبر عملية النتح التبخري».

ومن بين الحلول الأخرى أنظمة الرذاذ والمقاعد المبردة، التي تحافظ على برودتها عن طريق سحب الهواء من باطن الأرض، مثل الهواء الموجود في المحاجر ثم إعادة توزيعه.

وأظهرت تجربة أُجريت في باريس أن رشّ الشوارع بالماء يمكن أن يسهم بشكل ملحوظ في خفض حرارة الأسطح، لا سيما عندما يتم ذلك في نهاية اليوم لزيادة أثر التبخر.

ويقول غايار: «سنستخدم هذه الطريقة في الشوارع الضيقة، فكلما ضاق الشارع، كان أكثر راحةً خلال النهار، ولكن يصعب تصريف الحرارة ليلاً».

ويؤكد غايار أن الباحات الداخلية تبرز ضمن الحلول «منخفضة التقنية».

ويشير إلى أن «هذه الأفنية المظللة تعمل كمصائد للهواء البارد. فكلما ضاق الفناء، زادت برودته نهاراً، إذ تنخفض الحرارة فيه بما يصل إلى 9 درجات مئوية عن الخارج»، مع العلم أن التوسع العمراني قد قلّل انتشارها.

يتبرّدون بالماء قرب الكولوسيوم في روما (رويترز)

وتواجه هذه الحلول بدورها حدوداً واضحة في ظل موجات حرّ متزايدة التكرار والطول والشدة، مما يعرّض الأشجار أيضاً لحالة من الإجهاد المائي.

يدعو بعض الخبراء إلى اتباع مقاربة تشمل المساحات العامة والخاصة على السواء.

ويقول سيباستيان ماير: «بعد اعتماد استراتيجيات للتكيّف في المساحات العام التي تمثّل نحو 20 في المائة من مساحة المدن، تشكل المرحلة التالية نهجاً تشاركياً يشمل 80 في المائة، أي الشركات المالكة للعقارات، ومؤسسات الإسكان الاجتماعي، وجمعيات مالكي الوحدات السكنية، والهيئات الدينية».

Your Premium trial has ended


سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي
TT

سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي

في ذروة الحرب الباردة، قادت معادلة الردع النووي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إلى سباق تسلّح غير مسبوق، انتهى بتكديس آلاف الرؤوس النووية القادرة على تدمير الحضارة البشرية مرات عدة. ورغم إدراك الطرفين خطورة هذا المسار، فإن انعدام الثقة المتبادل حال دون إحراز تقدم فعلي وحاسم نحو خفض الترسانات لعقود طويلة؛ فكل دولة كانت تخشى أن يستغل الطرف الآخر أي اتفاق للحد من الأسلحة لتحقيق تفوق استراتيجي في «ملعب النفوذ».

لكن المشهد بدأ يتغير خلال ثمانينات القرن الماضي، عندما ساعد التقدم العلمي في تطوير أدوات تحقق ومراقبة فعالة؛ من الأقمار الاصطناعية إلى أجهزة الرصد والكاميرات الدقيقة. وبفضل هذه التقنيات، أصبح بالإمكان التأكد من التزام الأطراف بالاتفاقات الموقعة، ما فتح الباب أمام مرحلة من الحد من التسلح أسهمت في تخفيف التوترات الدولية وإنهاء الحرب الباردة. وقد اختصر المثل الروسي الشهير «ثق، ولكن تحقق»، فلسفة تلك المرحلة التي جمعت بين التعاون والحذر.

حاملة الطائرات الصينية «لياونينغ» (رويترز)

* السباق الجديد والمعضلة المتجددة

اليوم، يجد العالم نفسه أمام سباق تسلّح جديد يختلف في أدواته عن سباقات القرن العشرين، لكنه لا يقل خطورة عنها؛ فبدلاً من الرؤوس النووية والصواريخ العابرة للقارات، يتمحور التنافس حول الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والحوسبة المتقدمة. ولا شك في أن الولايات المتحدة والصين هما أبرز اللاعبين في هذا المجال؛ إذ تسعيان إلى تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على اختراق الأنظمة الرقمية، واكتشاف الثغرات الأمنية، وتشغيل جيل جديد من الأسلحة التي تكاد لا تحتاج إلى «جنود» بالمعنى التقليدي.

إلا أن المشكلة التي تواجه القوى الكبرى اليوم تشبه إلى حد بعيد، معضلة الحرب الباردة؛ فواشنطن وبكين لا ترغبان في وقوع كارثة ناتجة عن الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، لكن كل طرف يخشى أن يؤدي إبطاء التطوير أو فرض قيود صارمة، إلى منح منافسه تفوقاً حاسماً. وهكذا؛ يتحول انعدام الثقة مجدداً إلى محرك رئيسي لسباق التسلح.

وقد بدأ عدد من قادة شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى التعبير عن مخاوف مشابهة؛ فهناك إدراك متزايد لأن التطور السريع لهذه التكنولوجيا مرشح لأن يسبق قدرة الحكومات والمؤسسات على تنظيمها وضبط أخطارها. لكن الدعوات إلى إبطاء التطوير أو فرض ضوابط دولية تصطدم بالسؤال نفسه الذي واجه العالم خلال الحرب الباردة: كيف يمكن التأكد من أن الجميع يلتزم بالقواعد؟

تكمن المشكلة في أن «أقمار الذكاء الاصطناعي» وأدوات التحقق الخاصة بهذا العصر، لم تُطوَّر بعد بالشكل الكافي، مع العلم بأن مجموعة صغيرة من الشركات تعمل على ابتكار تقنيات تحقق جديدة تهدف إلى مراقبة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي من دون المساس بالأسرار التجارية، أو خصوصية المستخدمين. ويعتمد بعض هذه الحلول على بيئات حوسبة آمنة مدمجة في الرقائق الإلكترونية، تسمح بالتحقق من طبيعة العمليات الجارية من دون كشف تفاصيلها.

ويأمل المطورون في أن تتيح هذه التقنيات مستقبلاً، مراقبة الالتزام بأي اتفاق دولي محتمل ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي المتقدم. لكن الطريق لا يزال طويلاً؛ إذ إن التحدي لا يقتصر على تطوير أدوات التحقق، بل يشمل أيضاً تحديد ما الذي يجب التحقق منه أساساً؛ فقياس قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي والتحقق من سلوكها أكثر تعقيداً بكثير من عدّ الصواريخ، أو مراقبة تخصيب اليورانيوم.

صواريخ كورية جنوبية في معرض عسكري بالعاصمة سيول (رويترز)

* من المستفيد من التسلّح؟

في خضم هذه التطورات، يبرز سؤال مهم: من المستفيد من سباق التسلح الجديد؟

يشير التاريخ إلى أن المستفيدين الأوائل هم شركات الصناعات الدفاعية والتكنولوجية؛ فكلما ارتفعت حدة التوترات الدولية، «ازدهرت» العقود الحكومية المخصصة لتطوير الأسلحة والأنظمة الدفاعية، وارتفعت معها أرباح الشركات العاملة في هذا القطاع. وفي الوقت نفسه، تعزّز الدول المصدّرة للسلاح نفوذها السياسي والاقتصادي عبر صفقات التسلح التي تتحول غالباً إلى أدوات لبناء التحالفات وترسيخ المصالح الاستراتيجية.

من جهة أخرى، تؤدي الاستثمارات العسكرية الضخمة إلى دفع عجلة الابتكار التكنولوجي؛ فالعديد من التقنيات التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، انطلقت في الأصل من مشاريع دفاعية وعسكرية؛ ومنها شبكة الإنترنت نفسها. غير أن لهذا الواقع وجهاً آخر يتمثل في التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الباهظة؛ فالأموال التي تُنفق على التسلح تُقتطع غالباً من قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، ما يثير تساؤلات متزايدة حول أولويات الإنفاق العام في غالبية الدول.

لكن الأخطر من ذلك أن سباقات التسلح تولّد تلقاءً دينامية ذاتية يصعب وقفها؛ فكل دولة تزيد إنفاقها العسكري دفاعاً عن نفسها، تدفع دولاً أخرى إلى اتخاذ الخطوة نفسها، وهذا يؤدي حتماً إلى دوامة متواصلة من التسلح وانعدام الثقة. وهكذا؛ يصبح الهدف المعلن هو تعزيز الأمن، بينما تكون النتيجة في كثير من الأحيان زيادة الشعور بالتهديد وعدم الاستقرار.

الحرب السيبرانية صارت جزءاً من المشهد (رويترز)

* هل يمكن الحد من انتشار الأسلحة؟

في هذا السياق، يبرز سؤال آخر: هل انتهت بالفعل جهود الحد من انتشار الأسلحة؟

الجواب لا؛ فما زالت هناك منظومة دولية للحد من التسلح وعدم الانتشار؛ تشمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأنظمة الرقابة على صادرات التكنولوجيا الحساسة. غير أن هذه المنظومة تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة.

فخلال السنوات الأخيرة، تراجعت فاعلية كثير من الاتفاقات التي شكلت ركائز الاستقرار الاستراتيجي بين القوى الكبرى، كما عاد التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين ليتصدر المشهد الدولي. وفي الوقت نفسه، ظهر الذكاء الاصطناعي العسكري والحرب السيبرانية والصواريخ فرط الصوتية والأسلحة الفضائية، وهي تقنيات لا تزال القواعد الناظمة لها محدودة أو غير مكتملة.

هنا تكمن المشكلة الأساسية؛ فآليات الحد من التسلح التي نجحت نسبياً في إدارة أخطار القرن العشرين، صُممت لعالم مختلف كانت فيه الأسلحة أكثر «وضوحاً» وأسهل من حيث التصنيف والمراقبة. أما اليوم، فإن العالم يواجه سباق تسلح متعدد الأبعاد تتداخل فيه التكنولوجيا المدنية مع التطبيقات العسكرية بصورة غير مسبوقة.

لذلك، فإن السيطرة على سباق التسلح القائم على الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، تتطلب استراتيجية عالمية جديدة تجمع بين الحظر القانوني لبعض التطبيقات الخطيرة، وفرض ضوابط على الصادرات، وتطوير أنظمة تحقق متقدمة، وتعزيز الحوار بين القوى الكبرى. لكن تنفيذ هذه الإجراءات لن يكون سهلاً، لأن معظم التقنيات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي ذات استخدام مزدوج، ويمكن توظيفها في المجالات المدنية والعسكرية على حد سواء.

جندي ألماني خلال تدريب على تقنيات تشغيل الطائرات المسيّرة (رويترز)

في النهاية، لا يبدو أن البشرية تواجه مجرد عودة لسباق التسلح التقليدي؛ بل تواجه انتقالاً إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. وإذا كان القرن العشرون قد نجح في بناء قواعد للحد من أخطار السلاح النووي، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في ابتكار قواعد جديدة قادرة على مواكبة عصر الذكاء الاصطناعي قبل أن تتجاوز التكنولوجيا قدرة الدول على السيطرة عليها.

... مشهد يمكن تخيّله: علماء في مختبر سري للأسلحة البيولوجية أنشأته دولة قادرة، يبتكرون فيروساً قاتلاً، وعُتاة القرار السياسي - العسكري يأمرون باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوجيهه نحو «أهداف محدّدة»... ماذا لو حصل ذلك؟


البابا يدعو إلى «حلّ النزاعات كبشر وليس وحوشاً»

البابا ليو الرابع عشر يبارك الحشود في نهاية المقابلة العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان - 24 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يبارك الحشود في نهاية المقابلة العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان - 24 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

البابا يدعو إلى «حلّ النزاعات كبشر وليس وحوشاً»

البابا ليو الرابع عشر يبارك الحشود في نهاية المقابلة العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان - 24 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يبارك الحشود في نهاية المقابلة العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان - 24 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

دعا البابا ليو الرابع عشر إلى «حلّ النزاعات كبشر وليس وحوشاً» في كلمة ألقاها خلال افتتاح اجتماع مع الكرادلة من أنحاء العالم في الفاتيكان بدأ الجمعة ويستمر يومين، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وترأّس البابا الأميركي الجنسية صباح الجمعة قداساً في بازيليك القديس بطرس في روما افتتاحاً لهذا الاجتماع المغلق الذي تُطلَق عليه تسمية «كونسيستوار»، ويهدف إلى تبادل الآراء في دور الكنيسة في العالم، ومن المقرر أن يُختتم بعد ظهر السبت.

وشدّد ليو الرابع عشر مجدداً في عظته على مناهضته للحرب، معرباً عن أسفه لِكَون «التوترات الدولية والصراعات تجرح العائلة البشرية».

وقال: «الحرب ليست أبداً جديرة بالإنسان، وليست مباركة أبداً من الله، لأن الخالق وهبنا العقل والإرادة لحل النزاعات كبشر وليس وحوشاً، حتى وإن كنا مزودين بأسلحة فائقة التكنولوجيا».

البابا ليو الرابع عشر يلوّح بيده وهو يغادر بعد مقابلته العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان - 24 يونيو 2026 (أ.ب)

وهذه المرة الثانية التي يدعو البابا منذ انتخابه في مايو (أيار) 2025 جميع الأعضاء الـ241 في مجمع الكرادلة، سواء أكانوا ممن يحق لهم الاقتراع، أو ممن ليس لهم هذا الحق، أو ممن يقيمون في روما أو في غيرها من مدن القارات الخمس.

ويندرج هذا النهج الذي بات أداة أساسية لدى ليو الرابع عشر في إطار رغبته المعلنة في اعتماد طريقة أكثر جماعيةً في إدارة شؤون الكنيسة.

ويتضمن برنامج «الكونسيستوار» الاستئنائي الذي أعلنته «دار الصحافة» التابعة للكرسي الرسولي، ويُختَتم ظهر السبت، أربع جلسات تتناول كل منها محوراً، ويتبادل الكرادلة خلالها الآراء في شأن موقف الكنيسة من الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إن من خلال جلسات عامة، أو من خلال توزُّعِهم على مجموعات تأمُّل، وتتخللها صلوات.

وقال رئيس أساقفة الجزائر الكاردينال جان بول فيسكو، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: «سيحصل تشارُك حقيقي بيننا، فمن الواضح أن البابا ليو يريد أن نشكل هيئة واحدة، وأن نتعارف... كلما كثرت هذه اللقاءات، ازددنا وحدة».

ومن خلال تكثيف هذا النوع من اللقاءات، التي عُقدت أولى جلساتها في يناير (كانون الثاني)، يسعى لاوون الرابع عشر إلى تعزيز دور مجمع الكرادلة بوصفه هيئةً للاستشارة والمداولة، في وقت تواجه الكنيسة تحديات تتنوع أكثر فأكثر تبعاً لمناطق العالم.