{داعش} يفقد منصاته الإعلامية على الإنترنت

اختفاء معظم قنوات التنظيم على «يوتيوب» و«تيليغرام»... وصفحاته للتواصل خارج الخدمة

أحد المتشددين يمارس هوايته في البحث عن الجديد في مواقع «الخلافة» المحسوبة على «داعش» («الشرق الأوسط»)
أحد المتشددين يمارس هوايته في البحث عن الجديد في مواقع «الخلافة» المحسوبة على «داعش» («الشرق الأوسط»)
TT

{داعش} يفقد منصاته الإعلامية على الإنترنت

أحد المتشددين يمارس هوايته في البحث عن الجديد في مواقع «الخلافة» المحسوبة على «داعش» («الشرق الأوسط»)
أحد المتشددين يمارس هوايته في البحث عن الجديد في مواقع «الخلافة» المحسوبة على «داعش» («الشرق الأوسط»)

فقدَ تنظيم داعش منصات إعلامية كان يجري الاعتماد عليها على الإنترنت. واختفتْ معظم قنوات التنظيم المتطرف على «يوتيوب» و«تيليغرام»، وغيرها من صفحات التواصل الاجتماعي، وأصبحت خارج الخدمة. ويقول سعيد عبد الحافظ، الذي أعدَّ لسنوات دراسات عن الإعلام والعنف، ويرأس في الوقت الراهن مؤسسة ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان، إن ازدياد التعاون الدولي في ملاحقة المواقع التي تدعو للعنف يعد سببًا رئيسيًا في حجب كثير من مواقع المتطرفين.
ومن جَانبه يوضح مصدر أمني يعمل في منطقة الشرق الأوسط أن مقتل أهم كوادر «داعش» الإعلامية في مدن الموصل في العراق، والرقة في سوريا، وبنغازي وسرت في ليبيا، أدى إلى تَوجيه ضربة أخرى للفضاء الإلكتروني الذي ظل يعتمد عليه المتطرفون عبر الحدود خصوصًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مشيرًا أيضًا إلى هروب تقنيين أجانب كان يستأجرهم التَّنظيم في سوريا وليبيا، ونقل آخرين لمواقع يعتقد أنها آمنة، من بينهم خبير اتصالات فرنسي الجنسية جرى تهريبه بواسطة التنظيم، من العراق إلى العاصمة الليبية أخيرًا.
وتابع قائلاً إن قوات التحالف الدولي والقُوات المحلية التي تحارب التنظيم المتطرف في المنطقة عثرت على كاميرات حديثة وحواسب آلية متقدمة في مقار «داعش» المدمرة. ومن أكثر الكلمات التي أصبحت شائعة على ما تبقى من المواقع المحسوبة على «داعش» والتنظيمات المتطرفة التي تعمل معه، مثل تنظيم «أنصار الشريعة» الذي ينتشر في تونس وليبيا مقولة متحدية: «أغلقوا حساباتنا. سنأتي لكم من حسابات أخرى. ولن يصدنا أذاكم عما نطلب».
ويقول الدكتور أحمد كامل، الخبير في الإعلام السياسي، إن الحرب على الأرض ضد «داعش» أصبح يوجد مثلها حرب على الإنترنت لمواجهة هذا التنظيم وما يبثه من كراهية وعنف وإرهاب. وهذا، حسب رأيه، يفسر تراجع الضخ الإعلامي لـ«داعش» في الفترة الأخيرة. ويضيف أن «الفضاءَ الإلكتروني كان متاحًا لـ(داعش) لبعض الوقت ليفعل ما يشاء، حتى تم إدراك خطورة هذا الأمر»، خصوصًا بعد أن وصل نشاط هذا التنظيم إلى أوروبا والولايات المتحدة.
وفي محاولات يائسة للحفاظ على وُجُوده الإعلامي، قام «داعش»، وهو تحت الحصار في الموصل، بتوزيع أقراص مدمجة على المواطنين تتضمن خطبًا دعائية وتحذيرات من التعامل مع القوات الدولية والقوات العراقية التي تحاول تحرير المدينة من التنظيم. وفي ليبيا أخذ التنظيم يعتمد على مطبوعات ورقية توزع بالسيارات في أطراف المدن مثل الخُمس وصبراتة، والتي أخذ ينشط فيها من جديد، بعد هزيمته في سرت.
وحتى أواخر العام الماضي، كانَ عدد المواقع الإلكترونية التي يمتلكها «داعش» يزيد عن أربعين موقعًا باللغتين العربية والإنجليزية، أشهرها وكالة أعماق، ووكالة الخلافة، ومنبر الأنصار، ودابق، والبيان، والكنانة، إلى جانب عِدة مئات من المدونات وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«تويتر»، ناهيك بوسائل التواصل الهاتفي الإنترنتي عبر «فايبر» ورسائل «واتساب» و«تيليغرام». واختفت معظم هذه المواقع والحسابات، كما فشلت آخر محاولة داعشية لإطلاق منصة تلفزيونية على «يوتيوب» تحت اسم «الخلافة».
ويقول عبد الحافظ، الذي عمل أيضًا، لبعض الوقت، مديرًا لشبكة إنترنيوز العربية، إن المتغير الدولي الجديد الذي أسهم في تقليص المساحة الإعلامية الداعشية على الإنترنت، هو زيادة التعاون الجدي بين عدة دول على خلاف ما كان عليه الحال في السابق. ويوضح: «من قبل كانت المواجهة مع إعلام الجماعات الإرهابية، من قبل الدول، تأخذ شكل المواجهة الفردية لكل دولة حسب مصالحها، لكن الملاحظ، في الفترة الأخيرة، ظهور نوع من التعاون الحقيقي لصد هذا التيار الداعي إلى العُنف، خصوصًا بعد تكرار الاعتداءات الإرهابية لـ(داعش) في فرنسا وألمانيا وبريطانيا».
ويتابع قائلاً إن بعض الدول كانت تسمح بانطلاق منابر إعلامية لكثير من الجماعات المتطرفة، وهذا لم يعد موجودًا، وهو أمر ساهم في أن يكون هناك حصار سريع للمئات من المواقع والصفحات التي يشتبه في أن لها علاقة مع التَّنظيمات المُتطرفة أيًا كان نوعها. ويضيف أن الذي عزز من هذا الحصار للمواقع المشتبه بها، وجود مخاوف في الدول الغربية من المنظمات الإرهابية وخطر التواصل مع عناصرها التي يمكن أن تكون قد انتقلت في فوضى لجوء آلاف العراقيين والسوريين إلى أوروبا.
وفي الوقت الراهن لم تعد الكثير من صفحات «داعش» على الإنترنت تفتح، ولا يمكن الوصول إلى محتواها. وتبادرك رسالة على صفحة فارغة تقول إن هذا الموقع لم يعد موجودًا، أو جرى حجبه. كما أن مواد فيلمية دعائية لـ«داعش» كانت متاحة على «يوتيوب»، جرى حذفها مع رسالة من «يوتيوب» تقول إن هذه المادة لم تعد متاحة لأنها ضد سياسة البث على الموقع. وتفعل كثير من المواقع، مثل «تيليغرام»، الأمر نفسه.
ويُوضح الدكتور كامل أن الدول المعنية في المنطقة، خصوصًا بعد 2011، التفتت لأهمية متابعة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ووسائل الاتصالات، بِطريقة أكثر عملية ودِقة. كما أنشأت بعض الدول إدارات متخصصة في هذا الشأن. بالإضافة إلى أن الدول التي كان لديها إدارات، قامت بتوسيعها وجعلها أكثر احترافية في مجال الأمن الإلكتروني بطريقة متقدمة إلى درجة كبيرة. وفي الفترة الخيرة اتبعت طُرقًا حديثة لإجراء «فحص عميق على الحزم الإلكترونية التي تمر عبر الشبكة».
ويضيف أن هناك دولاً أصبح لديها لجان تراقب ما ينشر من كراهية وعنف وترسل تقارير (ريبورتات) وشكاوى إلى «فيسبوك» و«تويتر» و«تيليغرام». وتتواصل أيضًا مع الأجهزة الأمنية في البلاد الأخرى المعنية، للتحذير من المواقع التي تبث الكراهية والعنف من أجل التدخل لدى الجهة التي تستضيف تلك المواقع (الهوستنج). ويقول إنه في السابق كانت هناك دولاً لا تتجاوب في مسألة التدخل لدى (الهوستنج)، لكن اليوم أصبح على الكل أن يتجاوب، حيث تم الاتفاق في الفترة الأخيرة في مؤتمرات أمنية دولية على أن من لا يتجاوب في ملاحقة مستضيفي المواقع التي تحض على العنف والكراهية، يعد شريكًا في دعم الإرهاب، خصوصًا بعد أن تم اكتشاف مواقع عبارة عن حلقات لتمرير تعليمات لتنفيذ عمليات إرهابية في دول، وتحويل أموال لأعمال متطرفة.
وبعد أن قضت قوات البنيان المرصوص التابعة للمجلس الرئاسي الليبي على وجود «داعش» في سرت، لجأ التنظيم إلى صفحات إنترنتية تابعة لتنظيم أنصار الشريعة في بنغازي، لتعويض النقص في النشاط الإعلامي، إلا أن طرد الجيش الليبي للمتطرفين من بنغازي أدى إلى ضربة أخرى لمحاولات التنظيم تنشيط وسائله الإعلامية عبر أتباعه في شرق ليبيا.
أمَّا في غرب ليبيا فقد رصدت الأجهزة الأمنية نشاطًا متقدمًا على وسائل الاتصالات المختلفة بما فيها الإنترنت يقوم به مهندس فرنسي الجنسية انتقل في الفترة الأخيرة من العراق إلى بلدة الخُمس قرب طرابلس. ويضيف مصدر مطلع على تحقيقات بهذا الشَّأن إنه تبين أن الفرنسي ليس داعشيًا، ولكنه يقدم خدماته للتنظيم المتطرف منذ مدة، بمقابل مادي كبير، وهو ليس مختصًا بدهاليز عالم الإنترنت فقط، ولكن لديه القدرة على العمل على أجهزة مراقبة الاتصالات المتقدمة.
ويقول عبد الحافظ إنَّ هناك مشكلة أخرى كان المروجون الإعلاميون لـ«داعش» يتجنبون الاعتراف بها، وتتعلق بكراهية الغالبية العظمي من المستهدفين على الإنترنت، للتنظيم بسبب الفظائع التي يقوم بها. ويوضح أن «أعمال القتل البشعة التي قام بها «داعش»، أدَّت لكراهية وسائله الإعلامية من جانب الرأي العام المُسلم وغير المسلم... أضف إلى ذلك مقتل كثير من المسؤولين الإعلاميين في «داعش» في العراق وسوريا وليبيا. إلى جانب تشدد الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة ترمب في مسألة الإرهاب. هذا كله يجعلُنا نقول إن النشاط المتطرف على الإنترنت في أيامه الأخيرة».
وعقب محاولة الهجوم على متحف اللوفر، قبل أسبوع، سارعت السلطات الفرنسية إلى فحص صفحات التواصل الاجتماعي على «فيسبوك» و«تويتر» الخاصة بالمهاجم المصري الجنسية. ويقول الدكتور كامل: «رغم أن هذا المهاجم كان ما زال في غيبوية جراء إصابته من حراس اللوفر، فإن صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي مكنت السلطات من تحليل أفكاره، وبمن تأثر، والكُتُب التي يقرأها. وغيرها»، مشيرًا إلى أن هذا يعكس إلى أي حد أصبحت السلطات الأمنية عبر العالم تدرك أهمية الفضاء الإلكتروني، بعد أن كانت تركز على مراقبة الهواتف والوسائل التقليدية فقط. ويؤكد الدكتور كامل أن خدمة الإنترنت يمكن التحكم فيها وحجب المواقع المشبُوهة.
وكان ترمب قال أثناء حملته الانتخابية إنه ينبغي قطع خدمة الإنترنت عن الأماكن التي فيها إرهابيون، وحين تعرض لحملة باعتبار أن ذلك تدخل في حرية الإنترنت، أوضح أنه توجد وسائل لمنع الخدمة عن مناطق محددة، وليس عن كل الإنترنت. ويقول الدكتور كامل إن هذا ممكن، «بل يمكن أن تمنع الإنترنت عن شقة وعن عمارة وعن دولة وعن قارة لو كنت تريد ذلك».



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».