6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

القذافي رفض نصائح مستشاريه بغلق الحدود مع جيرانه لتجنب الانتفاضة

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة
TT

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

«أخي القائد.. ربما علينا أن نغلق الحدود مع تونس ومصر». في مثل هذه الأيام من عام 2011 رأى عدد من القيادات العسكرية والأمنية الليبية ضرورة اتخاذ إجراءات سريعة لمنع وصول شرارة الانتفاضة الشعبية من تونس ومصر إلى ليبيا، لكن قائد البلاد حينها معمر القذافي رفض ذلك. وحين زاد الخطر في الأيام التالية، بدأ الحديث مجددا عن غلق الحدود، لكن ذلك كان بعد فوات الأوان.
وطوال السنوات الست الأخيرة، وحتى يومنا هذا، أصبحت كثير من دول الشرق الأوسط تعيش في فوضى عارمة. فقد كانت الشعوب تتطلع إلى مزيد من الحريات بالتخلص من الأنظمة القمعية التي ظلت تحكمها لسنوات طويلة، لكن المحصلة النهائية لكل هذه الآمال، تحولت إلى كابوس مرعب، وبدلا من الاستقرار، ضربت الحروب الأهلية المنطقة، وظهرت الأعلام الملونة للأقليات، كالأكراد والأمازيغ، والأعلام السوداء للجماعات الدينية، ومنها «داعش» وأنصار الشريعة، ما أدى إلى تشريد ملايين الناس. أما في ليبيا فقد أصبح هناك سبعة أعلام وثلاث حكومات وفوضى عارمة.
من خلف شرفة زجاجية تطل على نيل القاهرة، يتذكر أحمد قذاف الدم الأيام الصعبة، حين كان يعمل مبعوثا خاصا للقذافي ومنسقا للعلاقات المصرية - الليبية. يقول قذاف الدم وهو يجلس خلف مكتبه الذي يضع عليه علما أبيض يرمز لـ«نبذ الفرقة»: «لم يتحمس الأخ معمر للأحداث في تونس، ولم يجد في انتفاضة التونسيين ما يعبر عن أي شيء فيه قدر من التفاؤل. فقد كان متشائما جدا».
وقتها لم يكن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قد خرج من البلاد بعد. بينما كان الرئيس المصري حسني مبارك ما زال يكافح في الأيام الأخيرة للإبقاء على سلطته. وفي هذه الظروف اجتمع القذافي مع مساعديه مرة أخرى، وكان من بينهم قذاف الدم، وقرر إلقاء خطاب يدعو فيه سكان الدولتين المجاورتين له من الشمال الغربي ومن الشرق إلى «عدم التوسع في التدمير والحرق».
ووفقا لقذاف الدم فقد تحدث القذافي عن أن دولة مثل تونس ورغم إمكاناتها المحدودة، فإن ما يقوم به بن علي أدى لوصول النمو الاقتصاد إلى 6 في المائة، وهي نسبة جيدة، حسب رأيه، وأبدى الاستعداد لأن تسهم ليبيا في دعم الشعب التونسي من أجل مزيد من النمو والاستقرار.
وخلافا لرؤية القادة العسكريين والأمنيين المحيطين بالقذافي عن ضرورة غلق الحدود مع جيران مضطربين، قرر القذافي مرة أخرى خلال أيام الاستمرار في فتح الحدود مع تونس، وتقديم كل الدعم المادي، من وقود وتموين، في محاولة لمنع نظام بن علي من السقوط.
وعندما رأى القذافي شرارة الانتفاضة التونسية وهي تنتقل إلى جارته مصر، بدأ يعيد التفكير فيما يجري. وفي هذا السياق يقول قذاف الدم إنه حينما بدأت الأحداث في مصر حرص القذافي على متابعة ما يقوله المتظاهرون في ميدان التحرير عبر شاشات التلفزيون. ويبدو أن الزعيم الذي كان يحكم ليبيا منذ عام 1969 شعر بأن القضية أكبر مما يجري في تونس.
يقول قذاف الدم بهذا الخصوص: «لقد كنا معه في الاجتماعات التي سبقت الأحداث الليبية في 17 فبراير (شباط)، وكنا نراقب الأوضاع التي تعصف بالمنطقة. الأخ معمر نظر إلى شعارات المتظاهرين المصريين، وقال لنا إن ما يحدث ليس ثورة، وهذا عمل لدي عليه علامات استفهام كثيرة».
خلال تلك الأيام بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للتظاهر في ليبيا، فظهر الارتباك في هذه الدولة الصحراوية ذات الطبيعة القبلية، وتوجه وجهاء من قبائل كثيرة إلى طرابلس لتقديم الولاء للقذافي. يقول قذاف الدم: «لقد فوجئ الأخ معمر بوصول مشايخ لقبائل وقيادات اجتماعية لتقديم البيعة والولاء له.. وكل هذا موثق في أشرطة مرئية. بعضهم قدم البيعات كتابيا والبعض شفاهيا، وكله كان منقولا على الهواء عبر شاشات التلفزيون. وحين بدأت أحداث بنغازي، كان يمكن احتواؤها في البداية».
كان نشطاء الحركات المدنية، من محامين وحقوقيين وسياسيين، على رأس من قادوا ما أصبح يعرف بـ«ثورات الربيع العربي». لكن الأمور تغيرت سريعا بعد ذلك حين دخلت تيارات وجماعات عنف على الخط، رافعة شعارات تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، أو تأسيس «الخلافة» أو «الجهاد المسلح» ضد الخصوم، بينما كانت عدة تكتلات اجتماعية وقبائل في ليبيا تبحث عن مستقبل، خاصة بعد خطب الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي، التي كانت تدعو إلى توجيه ضربات عسكرية للقوات المسلحة الليبية التي يعتمد عليها نظام الحكم الليبي.
وفي خضم الفوضى كان الكاتب الفرنسي برنار ليفي، المقرب من ساركوزي، يقوم بزيارات إلى دول المنطقة. وظهر ليفي أولا في مدينة مرسى مطروح المصرية الهادئة الواقعة على البحر المتوسط قرب الحدود مع ليبيا، وألف كتابا فيما بعد عن مجمل زياراته إلى مصر وليبيا وغيرهما، تناول فيه تفاصيل ما قام به للمساعدة على الإطاحة بنظام القذافي.
يقول قذاف الدم بهذا الصدد: «بعض زعماء القبائل التي كانت جاءت لمبايعة القذافي، وأنا كنت حاضرا، فوجئنا بأنها للأسف جلست مع ليفي.. كتب لهم البيانات»، ويقصد بها البيانات المعادية لنظام القذافي. ويضيف قذاف الدم موضحا أن «الدول الغربية يبدو أنها خططت لكل هذا منذ زمن. فقد جرى استقدام نحو مليون علم (الأعلام التي رفعها المنتفضون ضد نظام القذافي، وهو علم البلاد في الوقت الراهن) من الصين. وتم تسريب هذه الأعلام إلى داخل البلاد».
وساعد على اشتعال النار في ليبيا ضعف الحكومات التي جاءت عقب سقوط حكم بن علي ومبارك، إلى جانب القوة الضاربة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وبعد مرور كل هذه السنوات، أصبح هناك الألوف في السجون، بينهم قيادات كبيرة، وسقط آلاف القتلى عبر دول المنطقة، كما تشرد ملايين الناس وهم يبحثون عن ملاذ آمن، حتى لو كان في أوروبا والولايات المتحدة. أما في ليبيا فما زال ألوف من القيادات والأنصار لنظام القذافي في سجون حكام ليبيا الجدد، خاصة في طرابلس ومصراتة، يطلق عليهم قذاف الدم لقب «أسرى حرب»، ويقول: «لدينا مئات الآلاف من المشردين في دول الجوار، وعشرات الآلاف من السجناء في داخل ليبيا. وهؤلاء أسرى الحرب كان ينبغي أن يفرج عنهم فور انتهاء الحرب، لكن للأسف لا أحد يتحدث عنهم.. لا الأمم المتحدة ولا المبعوثون الدوليون ولا الدول العربية».
ومنذ خروجه من ليبيا في أيام الانتفاضة، لم يرجع قذاف الدم إليها مرة أخرى. لكنه اليوم أصبح مقتنعا بأن هذه العودة أصبحت قريبة، خاصة مع تمكن طلائع من العسكريين والسياسيين الموالين للقذافي من دخول البلاد، وتغير معظم الحكومات الغربية التي كانت تقف وراء حملة الناتو على ليبيا، ومنها الحكومة الفرنسية والحكومة البريطانية والحكومة الأميركية.
ويعتقد كثير من السياسيين العرب أن التغيرات في النظم الحاكمة في دول غربية، يمكن أن تؤثر على بلدان منطقة الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالحروب وطبيعة النزاعات عقب عاصفة «الربيع العربي». وبهذا الخصوص يقول قذاف الدم «اليوم فاز دونالد ترمب في البيت الأبيض، وهناك حكومة جديدة في بريطانيا. وهؤلاء يسعون للبرهنة على أن ما حدث من الحكومات السابقة في بلدانهم تجاه ليبيا كان خطأ».
ومن أبرز الجماعات التي أسهمت بقوة في «ثورات الربيع العربي» جماعة الإخوان المسلمين، التي تمكنت من تولي الحكم لفترة قصيرة في كل من تونس ومصر وليبيا. وتوجد مساع في الولايات المتحدة لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية».
وقد عقدت الجماعة في ليبيا صفقة قيمتها مليارا دولار لتسلم قذاف الدم من القاهرة في 2013، لكنها فشلت. وفي هذا الشأن يقول قذاف الدم إن محاولات استهدافه من جانب الجماعات المتطرفة في ليبيا لم تنقطع، بما فيها محاولة اغتياله.
وأسس قذاف الدم مع قوى ليبية أخرى «جبهة النضال الوطني». وعن سبب إطلاقه مبادرة رفع علم أبيض، يقول: «في ليبيا أصبحت توجد سبعة أعلام. علم برقة، وعلم الأمازيغ، وعلم التبو، وعلم أنصار الشريعة، والعلم الأخضر، وعلم الاستقلال. وكل علم له مسلحون، وهذا يعبر عن انقسامات خطيرة»، مضيفا: «نحن في جبهة النضال الوطني نسعى لدولة جديدة تحت راية بيضاء مؤقتا، إلى أن تقوم الدولة ويقرر بعدها الشعب الليبي العلم الموحد الذي يريده».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم براك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي، الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يعرف بـ«محور المقاومة» في الفضاء العام في تقديم نصائح لرئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا له ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كمخرج محتمل، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي ربما يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون منح صك مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي» حينها قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم براك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، فإن واشنطن ربما تكون قد ربحت شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد القيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.