بعد المياه... أزمة وقود حادة في أماكن سيطرة النظام في سوريا

«نشوة الانتصار» التي يمنّي بها مواليه اصطدمت بالاستحقاق الاقتصادي

رجل من حي الكلاسة في مدينة حلب يحمل على كتفه أنبوبة غاز حصل عليها بعد انتظار طويل وسط أزمة وقود (رويترز)
رجل من حي الكلاسة في مدينة حلب يحمل على كتفه أنبوبة غاز حصل عليها بعد انتظار طويل وسط أزمة وقود (رويترز)
TT

بعد المياه... أزمة وقود حادة في أماكن سيطرة النظام في سوريا

رجل من حي الكلاسة في مدينة حلب يحمل على كتفه أنبوبة غاز حصل عليها بعد انتظار طويل وسط أزمة وقود (رويترز)
رجل من حي الكلاسة في مدينة حلب يحمل على كتفه أنبوبة غاز حصل عليها بعد انتظار طويل وسط أزمة وقود (رويترز)

لم ينه نظام الأسد بعد احتفالاته بما أسماه «تحرير» حلب ووادي بردى وغيرهما من مناطق، معتبرًا أنه حقق فيها انتصارات «ساحقة» بعد إفراغها من سكانها وتحويلها إلى أرض محروقة. غير أن «نشوة الانتصار» التي كان يمني بها النظام مواليه وداعميه من السوريين اصطدمت بالاستحقاق الاقتصادي، فبعد أن خفَت حدة أزمة المياه في العاصمة دمشق عادت إلى الواجهة أزمة الوقود المزمنة، ولكن على نطاق واسع يشمل كل مناطق سيطرة النظام لا سيما مدن وبلدت الساحل معقل النظام وخزانه البشري، بالإضافة إلى مدينة حلب العاصمة الاقتصادية التي عادت إلى سيطرة النظام منهكة مدمرة، ناهيك عن العاصمة دمشق.
وأصدر رئيس مجلس وزراء النظام السوري عماد خميس، تعميمًا إلى كل الجهات العامة بتخفيض كمية استهلاكها من المازوت والبنزين إلى 50 في المائة من الكمية المخصصة لهذه الجهات، والبداية ستكون من مؤسسة مجلس الوزراء. وحدد تعميم رئيس المجلس سيارات الخدمة العامة العاملة على المازوت والبنزين وكل وسائل التدفئة التي تعتمد على المحروقات وأية وسائل أخرى.
ونقلت جريدة «الوطن» المحلية الموالية للنظام عن مصدر مسؤول في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك قوله إن «نسبة ما يتم تأمينه من الطلبات اليومية لا يتعدى 35 في المائة من الطلب الإجمالي الاعتيادي لمحطات دمشق، بينما تنخفض النسبة إلى ما دون ذلك في محطات ريف دمشق... مبينًا أن إجمالي الاحتياجات اليومية من مادة البنزين في دمشق وحدها يقترب من مليون ليتر يوميًا».
ومع ازدياد حدة أزمة البنزين نشطت حركة تهريب هذه المادة من لبنان حيث تباع صفيحة البنزين المهربة تباع بأكثر من 10 آلاف ليرة سورية، علما بأن ثمن الصفيحة في لبنان يعادل 16 دولارًا أميركيًا في أحسن الأحوال، أي بين 8200 و8500 ليرة سورية.
وفيما يبدو حلاً إسعافيًا، مؤقتًا، قالت جريدة «الوطن» إن ناقلة محملة بـ12 ألف طن من البنزين، بدأت بتفريغ حمولتها بميناء بانياس أول من أمس، وسط معلومات بأن عمليات النقل للمحافظات قد بدأت، وأضافت «الوطن» أن رئيس مجلس وزراء النظام السوري عماد خميس اجتمع يوم الخميس الماضي مع الموردين كافة، واتفق معهم على «خطة واضحة لتوريد المشتقات النفطية بشكل منتظم ومن دون انقطاع».
وأدى النقص الحاد في المحروقات إلى شل حركة السير والنقل العامة في مدن اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس، أما في حلب فتتعثر عملية دفع عجلة الورشات الصناعية الصغيرة، اللازمة لتأمين معيشة الطبقات الوسطى والفقيرة، وفي دمشق يبدو الارتباك أكثر، حيث الكثافة السكانية الأعلى، والوضع الاقتصادي الأسوأ بسبب ارتفاع الأسعار.
مصادر في مدينة اللاذقية تحدثت عن أن الوقود هناك بات حكرًا على زعماء الميليشيات المسلحة وسيارات المتنفذين «الشبيحة»، أما عامة الناس فلا حول لهم ولا قوة. وتشير المصادر إلى شلل حركة النقل العام. والمتضررون من ذلك الموظفون وطلاب الجامعات، مع تأكيد أن سعر البنزين ارتفع أكثر من الضعف من 500 ليرة للتر الواحد إلى أكثر من ألف ليرة بالسوق السوداء. وهو رقم باهظ بالنسبة لوسائل النقل العامة.
وتبث الصفحات الموالية للنظام على موقع «فيسبوك» على مدار الساعة، شكاوى من أهالي اللاذقية وبانياس وجبلة وطرطوس، حول عدم توفر أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء ومحروقات، وغالبية الشكاوى تنصب على حكومة النظام التي تتهم بالفساد والعجز عن تلبية احتياجات مواطنيها.
وتصاعدت حدة الانتقادات في صفوف الموالين للنظام بعد استفحال أزمة الوقود خلال الأيام الأخيرة، وتداولت معلومات عن فراغ مستودعات الفيول الاحتياطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، ومعلومات أخرى عن قيام تنظيم داعش بإحراق محطة حيان للغاز شرق مدينة تدمر، ما يعني أن لا كهرباء ولا غاز ولا وقود في الأجل المنظور. في الوقت الذي تحتاج فيه حكومة النظام إلى 4 مليارات ليرة سورية يوميًا لتغطية قيمة المشتقات النفطية. ما اضطر وزارة النفط والثروة المعدنية في حكومة النظام على لسان مسؤول لديها لم تسمه، لكن وصفته بـ«البارز»، إلى نفي تلك المعلومات. وحيث أكد المسؤول أن «عمليات توريد الفيول بدأت، والمادة تصل إلى محطات توليد الطاقة الكهربائية، وذلك بعد وصول الناقلة المحملة بالفيول إلى ميناء بانياس». وتعهد المسؤول بأنه «في القريب العاجل ستكون هناك أخبار إيجابية على الأرض بالتزامن مع العمليات العسكرية لقوات الجيش العربي السوري في مناطق حقول النفط والغاز، بالإضافة إلى أن الناقلات المحملة بالمشتقات النفطية وفق العقود التي أبرمت، ستبدأ بالوصول في 15 الشهر الحالي».
وفي محاولة لتبرير التأزم الذي برز خلال اليومين الماضيين في تأمين الوقود قال المسؤول في وزارة النفط، إن «الاختناق الذي حدث كان مفاجئًا، وقد تم اتخاذ حلول إسعافية استثنائية حتى نقلل من حجم الاختناق الطارئ، ولولا هذه الحلول الإسعافية لكانت هناك انعكاسات قاسية جدًا على الأرض».
وطالب المسؤول في وزارة النفط السوريين، بالالتزام بأخذ «حاجتهم فقط من المشتقات النفطية، دون العمل على التخزين، كون هذا الأمر يزيد من حدة الاختناق، وخصوصا أن الظرف طارئ».
وأثارت دعوة المسؤول البارز في وزارة النفط السوريين إلى الاكتفاء بالحصول على حاجتهم، السخرية، إذ كما يؤكد (مازن) أحد السوريين: «ممكن أضطر إلى النوم في محطة الوقود ليلة كاملة للحصول على البنزين دون جدوى»، مضيفًا، أن «الحد الأدنى من الاحتياج غير متوفر». ويوضح مازن أنه يحتاج إلى البنزين لتشغيل المولدة الكهربائية كي يتمكن من تشغيل التجهيزات الكهربائية في محله، لأنها في حال توقفها، ستكون خسائره كبيرة».
معارض سياسي سوري يعيش في دمشق رفض الإفصاح عن اسمه وصف ما يجري من تتابع الأزمات الاقتصادية وتصاعدها بأنها «لحظة برود الجرح الاقتصادي»، بمعنى أن «الجرح الساخن لا يشعر صاحبه بالألم فعندما تكون رحى المعارك دائرة لا تشعر الدولة (نظام وحكومة وشعب) بفداحة الأزمة، لكن عندما تهدأ رحى الحرب يبدأ الشعور بالألم ويرتفع صوت الصراخ والتوجع، والكل اليوم ينظر إلى النظام كيف سيواجه هذا الاستحقاق، فإذا كان قادرًا على استجداء تمويل معاركه، فهل سيكون قادرًا على تسول لقمة عيش مواطنيه أم سيقتلهم جميعًا ويرتاح!!».
وفي معلومات لم يذكر مصدرها، كشف رجل الأعمال السوري المعارض فراس طلاس، عن أن أزمة الوقود الخانقة التي يعاني منها نظام الأسد في سوريا تعود إلى أن إيران اشترطت لتزويد النظام بالأموال والنفط، إقامة قاعدة عسكرية إيرانية في ريف دمشق الجنوبي على غرار قاعدة حميميم الروسية في محافظة اللاذقية.
فراس طلاس، وهو الابن الأكبر للعماد مصطفى طلاس وزير الحربية في عهد حافظ الأسد، وأحد أهم رموز الحرس القديم والمتهمين بالمشاركة في مجازر مدينة حماه التي ارتكبها نظام حافظ الأسد في الثمانينات من القرن الماضي.
كانت مصادر دبلوماسية مطلعة قد قالت لـ«الشرق الأوسط» في وقت سابق إن إيران وراء أزمة الوقود التي تفجرت بشكل مفاجئ في سوريا، بهدف الضغط على الأسد الذي راح يميل إلى جانب الطرف الروسي ضمن التجاذبات التي يخضع لها نظامه ما بين الروس والإيرانيين.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.