تأسيس نقابة للإعلاميين في مصر بعد 20 عامًا

رئيس لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان ينفي التخلص من «ماسبيرو»

أسامة هيكل رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار بالبرلمان المصري
أسامة هيكل رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار بالبرلمان المصري
TT

تأسيس نقابة للإعلاميين في مصر بعد 20 عامًا

أسامة هيكل رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار بالبرلمان المصري
أسامة هيكل رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار بالبرلمان المصري

منذ نشأة الإعلام الخاص في مصر عام 2000 لم تصدر قوانين تنظم العمل الإعلامي، مما أدى إلى فوضى إعلامية تأججت وبلغت ذروتها بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011. ومؤخرا أعلن عن تشريعات تنظم العمل الإعلامي في مصر، وتأسيس نقابة الإعلاميين بعد أكثر من 20 سنة. وأثارت تلك التشريعات الجديدة جدلا واسعا حول حرية الصحافة ومصير «ماسبيرو» أو القنوات التلفزيونية الحكومية بشكل عام. التقت «الشرق الأوسط» الإعلامي أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار بالبرلمان المصري، وأول وزير إعلام عقب ثورة يناير 2011، ورئيس مدينة الإنتاج الإعلامي، في مقر «الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي» بجاردن سيتي للحديث عن التشريعات الجديدة التي ستنظم وتراقب العمل الإعلامي. تحدث هيكل عن اختصاصات جديدة لمنصب وزير الإعلام وفقا للقانون الجديد، كاشفا عن تأسيس مدينة إعلامية للقنوات الإخبارية بالعاصمة الجديدة.
وفي البداية، أوضح رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار بالبرلمان المصري تفاصيل قانون تنظيم الإعلام، قائلا: «لم يعد اسمه قانون الإعلام الموحد، يأتي هذا القانون وفقا للدستور الصادر في يناير 2014 وكان ينص على وجود 3 مجالس تدير وتنظم العمل الإعلامي؛ حيث تنص المادة 211 على تأسيس (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام) الذي يدير ويحاسب ويراقب، وتحته تعمل هيئتان وطنيتان، حيث يحل محل المجلس الأعلى للصحافة (الهيئة الوطنية للصحافة) وهي تتميز عن المجلس بأن لديها استقلالية أكثر وقدرة على اتخاذ القرار ومسؤولة عن إدارة أموال الدولة في الصحف المملوكة للدولة وعددها 55 إصدارا، وسوف تتشكل (الهيئة الوطنية للإعلام) لتحل محل (اتحاد الإذاعة والتلفزيون) بنص المادة 213».
ويرى هيكل أن اللغط المثار حول تقييد حرية الصحافة والإعلام الهدف منه تعطيل تنفيذ الدستور، وأوضح أن «الجهة الضابطة الجديدة التي تدير وتراقب فوق الهيئتين ستكون منوطة بإصدار التراخيص للصحف والقنوات الجديدة للقطاع الخاص، التي أصبحت تسمى (إخطارا) بدلا من (ترخيص)، وسيكون مسؤولا عن مراقبة ومحاسبة الخاص والحكومي، لافتا إلى أن كل البلبلة لا صحة لها؛ لأن الدستور الجديد وضع ضوابط لضمان حقوق الصحافيين والإعلاميين». أما فيما يخص عمل الهيئتين المشرفتين على الصحف والقنوات فستكونان مختصتين بالمؤسسات القومية فقط.
وحول إشكالية ترشيح أو تعيين أعضاء هذه المجالس الإعلامية الجديدة وتأثير ذلك على حرية الصحافة والإعلام في مصر، قال: «أولا، أعددنا جهات الترشيح، والدستور هو الحاكم لكل شيء، الدستور وصفها بأنها هيئات مستقلة ولها تعريف في الدستور بأن يصدر قرار تشكيل من رئيس الجمهورية، كل مجلس يضم في عضويته 13 فردا، لذا سوف يعين الرئيس 3 أعضاء، رئيسا وعضوين في كل هيئة، وسوف تكون هناك عدة جهات ترشح أعضاء من طرفها، ومنها: مجلس النواب ومجلس الدولة ونقابة الصحافيين ونقابة الإعلاميين وجهاز حماية المستهلك، أي أن أقل من نصف العدد سيكون من ترشيحات جهات حكومية». أما عن دعاوى التخلص من مبنى «ماسبيرو» أو «اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري»، خصوصا أنه يعتبر «إعلام الشعب والدولة»، فنفى هيكل ما تردد عن التخلص منه، لافتا إلى أنه سيشهد تطويرا في الفترة المقبلة، فهو يعاني من مشكلات إدارية وعمالة زائدة ومنتج إعلامي لا يجذب المعلنين وبالتالي لا يدر عائدا ماديا بل تتزايد مديونيته، يقول هيكل: «أعتبر أن عدم وجود قناة إخبارية دولية إحدى أهم خطايا الإعلام المصري، كنت أرى أنه لا داعي لوجود قطاع الأخبار، لا بد أن تكون هناك قناة مهنية حقيقية تعمل على الأخبار الدولية والإقليمية، بدلا من إنفاق 221 مليون جنيه رواتب شهرية».
ويستنكر هيكل حالة الفوضى التي يعاني منها الإعلام المصري المقروء والمسموع والمرئي، قائلا: «المشكلة تكمن في كيفية محاسبة القنوات التي تبث معلومات خاطئة؛ فمنذ عام 2000 حدث التوسع في القنوات الفضائية، لا يوجد قانون يوضح حدود هذه القنوات وحدود المعلومة ومصداقيتها، وسوف يأخذ المجلس الأعلى القرارات في هذا الشأن». وحول ما إذا كان القانون الجديد سيضمن تلاشي الفوضى الإعلامية، قال: «في الماضي لم يكن هناك أي تنظيم من الأساس، بالتأكيد وجود قوانين أفضل من عدم وجود شيء على الإطلاق، إذا اكتشفنا ثغرات فسيتم تعديل هذه القوانين والمجالس بالتبعية».
وحول كيفية التصدي لفوضى الإعلام الإلكتروني، وما إذا كانت التشريعات الجديدة تنص على مراقبة ما يبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقول: «ما ينطبق على الصحف سينطبق على المواقع الإلكترونية التي تمارس الصحافة، وأيضا ما ينطبق على القنوات سيطبق على قنوات (اليوتيوب) أو كل ما يتعلق بالنشر أو البث. أما كل ما هو يبث من خارج مصر فلا يمكن السيطرة عليه وسوف يمكن القانون من ضبط المنهج الأخلاقي في وسائل الإعلام».
من خلال خبرته التي امتدت لأكثر من 25 عاما في العمل الصحافي وعمله رئيس تحرير لجريدة الوفد، يرى هيكل أن التحدي الأكبر أمام الصحافة المصرية هو أنها لم تواكب بعد «عصر الصحافة الإلكترونية» وقال: «وفي عام 1980 كانت لدينا أرقام مبيعات جيدة جدا للصحف فكانت صحيفة واحدة فقط توزع مليون نسخة، والآن كل الجرائد مجتمعة لا توزع مليون نسخة رغم أن التعداد السكاني بلغ 92 مليون نسمة، كما أن حجم القراءة يتقلص وأسعار الجرائد ارتفعت وبالتالي فالمواطن الذي يعشق قراءة الصحف الورقية بات يتخلى عنها». ويرى رئيس لجنة الإعلام بالبرلمان ضرورة توجه الصحف القومية للصحافة الإلكترونية، حيث أصبحت نسب كبيرة جدا تتابع الأخبار عبر شاشات الهواتف الجوالة، وهو ما تؤكده جميع الدراسات.
أما عن شروط الانضمام لـ«نقابة الإعلاميين» فيقول: «ستكون نقابة مستقلة وقد وضعنا الهيكل الرئيسي لها على قدر الـ6 أشهر الأولى حتى يتم عقد الجمعية العمومية للنقابة وبعدها تأتي نقابة منتخبة، وبعدها تحدد النقابة شروط الانضمام إليها». وعن أسباب تأخر تأسيسها لأكثر من 20 عاما، يقول: «كان التأخير لأسباب سياسية فلم تكن الدولة ترى أهمية لنقابة الإعلاميين، وكان وزير الإعلام وقتها يريد ضمها إلى الصحافيين وهو ما رفضه الصحافيون».
وحول احتمال عودة منصب وزير الإعلام، لا يعارض هيكل عودته، ويقول: «الدستور لم يلغ وزارة الإعلام، ولم ينص على وزارة بعينها غير وزارة الداخلية والخارجية والعدل، وجميع الوزارات الأخرى (اجتهادات) وهي تخضع للتقييم، فمثلا: وزارة التموين من وزارات الحرب لكنها مستمرة، كل رئيس يتفق مع رئيس الوزارة على رؤية معينة، لو الدولة أرادات وزير إعلام فليكن... لكنه سيأتي باختصاصات جديدة؛ لأنها لن تكون وظيفة بل مهمة سياسية ومهنية كواجهة للدولة المصرية ولن تكون له علاقة بتراخيص القنوات والصحف».
أما عن تطوير مدينة الإنتاج، فيقول: «هي الآن أفضل مما كانت عليه من عامين، فهي شركة مساهمة مصرية لا تنفق عليها الحكومة، لذا احتاجت لدخل دائم، عملنا على التخلص من مشكلة الديون، وفي عام 2015 سددنا جميع ديوننا بتغيير أسلوب الإدارة؛ لأنه تم تطبيق قواعد وأسلوب ماسبيرو. حاليا قمنا بتطبيق المراقبة الإلكترونية والحساب الإداري. بدأنا نفكر في كيفية زيادة الموارد وبالفعل هناك مستثمر سعودي سيشارك في تطوير مدينة (ماجيك لاند) الترفيهية، وأيضا مستثمر كويتي». وعن عودة الأعمال الفنية التي يتم تصويرها فيها، أجاب: «وضعت قيودا للعمل الفني وقلت لهم المهم هو حينما ننتج عملا يجب أن يدر دخلا، لكن في الفترة المقبلة ستشهد المدينة ازدهارا وزيادة في الأعمال المنتجة فيها».
ويكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أنه خلال الفترة المقبلة يفكر في افتتاح فرع جديد لمدينة الإنتاج الإعلامي في العاصمة الإدارية الجديدة، حيث ستنتقل الرئاسة والحكومة كلها هناك، ويقول: «أفكر في مدينة صغيرة للقنوات الإخبارية فقط، تجمع فيها المكاتب الإخبارية في وسط القاهرة حتى تكون الحركة فيها ميسرة للعمل الإعلامي من دون إجراءات أمنية تعيق العمل الإعلامي الخبري على أن نقدم الخدمة بأسعار جيدة ولتكون قريبة من مكان الحدث».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.