التاريخ بين الحقيقة والتأويل

الوثيقة التاريخية مدانة إلى أن تثبت براءتها وتتحقق صحتها

التاريخ بين الحقيقة والتأويل
TT

التاريخ بين الحقيقة والتأويل

التاريخ بين الحقيقة والتأويل

ينتمي علم التاريخ إلى العلوم الإنسانية التي جاءت مبكرة، على خلاف العلوم الحقة. وهذه الأخيرة كانت نموذجا، وقبلة سعت وراء تقليدها كل البحوث التي شاءت أن تستحق لقب علم؛ وذلك بمحاولة تحقيق الشروط العلمية التي هي، في نهاية المطاف، الدقة والموضوعية، على أساس أن الدقة تعني الذهاب بالدراسة نحو الصرامة، التي يعد مثالها الأعلى، لغة الرياضيات. لهذا؛ نجد مثلا، أن العالم في مجال العلوم الحقة، لا يقول إن الجسم ساخن، بل يقول وطلبا للدقة، إن درجة الحرارة هي 140 درجة مئوية. وعوضا عن التعبير البلاغي الفضفاض؛ كون أن الغزالة سريعة كالبرق، سيقول إن سرعتها بلغت مثلا 60 كلم في الساعة. أما الموضوعية، فهي تعني باختصار، إبعاد الموضوع المدروس عن الذاتية. بعبارة أخرى، فإنه لا يمكن أن تتسم أي دراسة بطابع الموضوعية، إلا إذا تركت الموضوع نظيفا ونقيا من شوائب الذات الوجدانية. ونقصد بذلك، أن الباحث يسعى إلى طرد كل الميول العاطفية، إضافة إلى الانتماء والآيدولوجيا والقناعات الخاصة؛ لأنها تشوه الموضوع وتلوث صفاءه، ومن ثم تنقص درجة علميته.
من هو المؤرخ إذن؟ ومتى يكون الشخص الذي يروي التاريخ عالما؟ أليس شاهد العيان في حدث معين قد يحكي لنا مجريات الأحداث؟ وهل يكفي ذلك لكي نسميه بالعالم؟ إلى أي حد يكون عمل المؤرخ موضوعيا؟ بكلمة واحدة، هل علم التاريخ يلتزم بشروط العلمية؟
إن الأمر في الحقيقة أكثر تعقيدا من سرد المعطيات. فعالم التاريخ، هو ذلك الباحث الذي يسعى إلى ضبط الأحداث التاريخية، عن طريق التقصي والبحث المضني في الوثائق، وكل المصادر التاريخية المتاحة له (نقوش، نقود قديمة، مخطوطات، كل بقايا ومخلفات الماضي...) وبأكبر قدر ممكن من الحياد والموضوعية. لهذا؛ نجد عالم التاريخ شديد التحقيق والنقد للمعطيات التاريخية. يشهر سيف الشك في كل خطوة يخطوها، ويمكن، إجمالا، تقسيم عمله النقدي إلى نوعين، هما:
النقد الخارجي: وهو فحص للوثيقة التاريخية، من حيث شكلها، وطريقة كتابتها، والخط المستخدم فيها، ونوعية الورق، والأسلوب المتبع، والتوقيع المستعمل... ويقال الأمر نفسه عن الأبنية والآثار وباقي المخلفات الأخرى، حيث يجري البحث فيها عن نوعية البناء، والتصميم الهندسي، والمواد المستعملة، باعتبارها تؤكد حقبة زمنية وحضارية معنية. هذا الأمر، يجعل علم التاريخ في حاجة إلى علوم أخرى مساعدة، كالأركيولوجيا (علم الآثار)، والجيولوجيا والكيمياء (مثلا تقنية التأريخ وتحديد عمر المخلفات بواسطة الكربون 14 المشع)، ناهيك عن ضرورة التسلح بعلوم اللغات القديمة. وكمثال على ذلك، لنتصور مؤرخا يريد التأريخ لحدث ينتمي إلى القرن العاشر للميلاد، معتمدا على وثيقة وحيدة، راج بين المؤرخين، أنها تنتمي إلى تلك الحقبة. إلا أن البحث والتقصي والنقد الخارجي للوثيقة (ورقها، مدادها، خطها، خاتمها...)، أثبت جميعه، أنها تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي. في هذه الحالة، تكون الوثيقة منحولة ومزيفة، وهو ما ستكون له تبعاته الخطيرة، وهي التشكيك في صدقية الحدث التاريخي نفسه.
النقد الداخلي: وهو اختراق للوثيقة من الداخل، حيث يعمل المؤرخ على توجيه نقد باطني لها، من خلاله يحاول بلوغ عمق المضمون، ولا يكتفي بالظاهر من النص. فقراءة ما بين السطور، مطلب ملح، قصد الوصول إلى النوايا والمقاصد الحقيقية للمدون التاريخي. إن المؤرخ يعرف جيدا، أن النص يحتوي على طبقات من المعاني، ويضم، في ثناياه، الكثير من المسكوت عنه. لهذا؛ فلا مناص من استنطاق الوثيقة، وجعلها تبوح بأسرارها، وعدم الاكتفاء بالسطحي من المنطوق، الذي قد يكون مزيفا وعكس الواقع التاريخي تماما. وبعبارة أوضح نقول: إن الوثيقة التاريخية مدانة حتى تثبت براءتها. فتصور معي مثلا، أن لدينا مؤرخا يريد ضبط أحداث الحرب العالمية الثانية، وفي حوزته وثائق كثيرة. من المؤكد أنه سيقوم بعد التأكد من سلامة هذه الوثائق بنقد خارجي، بالاشتغال على نقدها داخليا أيضا، وذلك بالاطلاع على المضمون، والغوص في عمق المحتوى، منقبا عن آيديولوجية وقناعة كاتب الوثيقة وميوله، والبحث، كذلك، عن المصالح التي تخدمها الوثيقة. بعبارة أوضح، السؤال عن المستفيد من المكتوب. بكلمة واحدة، على المؤرخ التأكد من الظروف والملابسات والسياقات التي ظهرت فيها الوثيقة.
إذن، نستنتج أن عمل المؤرخ الجاد، سواء بنقده الخارجي أو الداخلي، شاق جدا، بل هو ملغوم يحتاج إلى الجهد والصبر؛ قصد إعطاء أحداث تاريخية أكثر دقة وضبطا.

ابن خلدون وعلل العمران

في الثقافة الإسلامية، ثمة من تنبه إلى بعض عملية الضبط تلك التي يسعى إليها المؤرخ. ولنا في أصحاب علوم الحديث المثال الواضح، باعتبارهم دارسين علم أصول وقواعد السند والمتن، من حيث القبول والرد؛ بهدف التمييز بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث النبوية. فهم عملوا على عدم تقبل الخبر إلا بعد معرفة سنده، بحيث كانوا يتتبعون سلسلة الرجال الموصلة للمتن. فظهر عندهم علم الجرح والتعديل والكلام على الرواة، ومعرفة المتصل أو المنقطع من الأسانيد. لكن بحديثنا عن تخصص التاريخ الصرف، ستبرز في تاريخنا الإسلامي شخصية متميزة، هو العلامة عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406) برائعته: «المقدمة»، وبطريقته المنهجية التي تتجنب ما يجب أن يكون وتميل إلى ما هو كائن، وتهتم بالواقع الاجتماعي وفق ظروفه ومعطياته الموضوعية. فقد كان يِؤمن بأن التاريخ، يخضع لقوانين صارمة مثله مثل ظواهر الطبيعة. وسيؤكد ابن خلدون، أن التاريخ ليس أبدا تجميعا وتكديسا للأحداث. بل هو تمحيص وتدقيق لها وفق «علل العمران». وفكرة العمران عنده، تكاد تؤدي معنى «القوانين الاجتماعية» نفسه؛ فالمؤرخ في نظره، هو من يكشف عن طبائع العمران والخصائص التي تخضع لها الأحداث.
يرفض ابن خلدون من المؤرخ حكي الأحداث حيثما اتفق، غثا وسمينا. بل عليه، عوضا عن ذلك، البحث عن المعقولية والأسباب المحركة للوقائع، ومحاولة سبرها بمعيار الحكمة وتحكيم النظر والبصيرة، إلى درجة أنه وجّه لوما إلى المؤرخين الذين سبقوه. فهم تاهوا، في أحيان كثيرة، في بيداء الوهم والغلط، معتبرا عملهم مجرد نقل وجمع للروايات، دونما ضوابط دقيقة تفرق بين الأسطوري والحقيقي من الأخبار. وكمثال يستشهد به ابن خلدون على غياب التدقيق وضعف التحقيق والتساهل في الرواية، ما ذكره المؤرخ المسعودي؛ إذ قال عنه: «وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل، وأن موسى، عليه السلام أحصاهم، في التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح، خاصة من ابن عشرين فما فوقها، فكانوا ستمائة أو يزيدون». هذه الرواية يراها ابن خلدون غير قابلة للتصديق. فالمسعودي وقع في شطط لا يقره عقل. وما سبب ذلك إلا جهله بطبائع العمران والأحوال، أو لنقل غياب فهم السياقات الجغرافية والاستراتيجية. إذ كيف يتسع التيه لمثل هذا العدد الضخم؟ فالأرض ضيقة ولا يمكن أن تستوعب كل العدد المذكور.
لقد كان ابن خلدون صرخة واضحة نحو العلمية في التاريخ، ودعوة صريحة لتحقيق الأخبار وفق مقياس العقل والبرهان، ومقارنة الوقائع التاريخية بأشباهها. لهذا؛ وجدناه يلوم بعض فحول المؤرخين القدامى؛ لأنهم قدموا الروايات كما سمعوها من دون اكتراث للمعقولية، واحتساب للسياقات والظروف التي تعد مقياسا لضبط الخبر. أو بتعبيره هو نقول، إن المؤرخين كانوا يشتغلون من دون استيعاب لطبائع العمران؛ مما عرضهم لنقل زائف للأحداث.
لكن وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره، هل يمكن الطمع في نقل أمين للتاريخ؟ هل إذا اشتغلنا وفق علل العمران، بالتعبير الخلدوني، أو النقد الخارجي والداخلي بالتعبير الحديث، سنتمكن حقا من نقل أحداث الماضي بشكل صادق؟ أليس المؤرخ قبل كل شيء ذاتا، لها وجدان وميول وقناعات ودين وفلسفة وانتماء طبقي وسياسي يهدد جميعه الموضوعية في الصميم؟ وهل حقا يمكن تكرار الحدث التاريخي؟ ألسنا نعجز عن إعادة ما فات البارحة بالشاكلة نفسها؟ فما بالك بما حدث قديما؟ أليس قدر المؤرخ أن يقرأ أحداث الماضي بعيون الحاضر؟ وهو الأمر الذي يشوش على صفاء القديم. بعبارة أكثر دقة، هل هناك حقيقة تاريخية يمكن بلوغها أم مجرد تأويل تاريخي؟ ألم يقل «إدوارد كار» مخاطبا المؤرخ: «اجمع وقائعك أولا وحللها، وبعد ذلك، أقحم نفسك في خطر رمال التأويل»؟.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».