ترمب والإعلام... حرب تلد أخرى

الدوافع الخفية لمعارك الرئيس الأميركي الجديد مع الصحافيين

ترمب والإعلام... حرب تلد أخرى
TT

ترمب والإعلام... حرب تلد أخرى

ترمب والإعلام... حرب تلد أخرى

باستثناء القنوات الإعلامية المملوكة لإمبراطور الإعلام الأميركي الأسترالي روبرت مردوخ، تشن كبريات المؤسسات الإعلامية الأميركية حربا شرسة على الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ أعلن ترشحه للرئاسة. ويبادل ترمب وأنصاره هجمات الإعلام التقليدي بهجمات مضادة لا تقل شراسة، رغم غياب التكافؤ بين الطرفين.
ومن المفارقات أن هذه الحرب، التي لا تزال مستمرة حتى الآن، خدمت ترمب أكثر مما أضرت به أثناء حملته الانتخابية، إن لم تكن هي سبب وصوله للرئاسة... كونها حققت له انتشارًا واسعًا لم يحصل عليه أي مرشح آخر غيره لا في المراحل التمهيدية ولا في التصفيات اللاحقة. كما أسفرت هذه الحرب عن انتشار وجهات نظره المثيرة للجدل انتشار النار في الهشيم.
بغض النظر عما إذا كان دونالد ترمب، قبل انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة، قد تعمد إشعال الحرب وإثارة الجدل حول نفسه لتحقيق الهدف المشار إليه، أم أنه يؤمن بالفعل بما كان يجاهر به من آراء مثيرة للجدل، فالشيء المؤكد هو أنه لم يعد في صالحه استمرار هذه الحرب أو تصاعد الهجمات الإعلامية عليه. ذلك أنه لم يعد مرشحًا بل بات رئيسًا يتوجب عليه التخفيف من المعارك الجانبية. ولكن، مع ذلك نجد أنه يواصل صب الزيت على نار هذه الحرب بدلاً من محاولة إطفاء لهيبها.
وحقًا، لم يكف ترمب، منذ لحظة إعلان فوزه، عن استهداف الإعلام والإعلاميين وإطلاق أبشع الأوصاف عليهم، مثل قوله في خطاب ألقاه أمام موظفي وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، في مقر الوكالة بولاية فيرجينيا إن الصحافيين «من أقل البشر أمانة على وجه الأرض». وبدلاً من محاولة كسب الإعلاميين أو التخفيف من نقمتهم عليه، يبدو ترمب مصمما على خوض حرب وراء أخرى ليس فقط ضد إعلام التيار الليبرالي... بل وحتى مع جزء من الإعلام المعبّر عن التيار الوسطي في الحزب الجمهوري ذاته الذي ينتمي إليه. فما هو السبب يا ترى في إصرار الرئيس على خوض مجابهات لا تبدو نتائجها في صالحه بعد فوزه في الانتخابات؟!
لقد أجاب ترمب بنفسه عن هذا السؤال من دون أن يُطرح عليه عندما قال في خطاب تنصيبه يوم 20 يناير (كانون الثاني) الماضي إنه يمثل «حركة سياسية تاريخية لم يسبق العالم أن عرف لها مثيلا من قبل». وتابع أن يوم تنصيبه سيحفر في الذاكرة بأنه اليوم الذي استعاد فيه الشعب السلطة في الولايات المتحدة. ورغم استعادة «الشعب» للسلطة، حسب تعبير ترمب، فإن المهمة لم تنته بوصوله للرئاسة بل ستستمر لتحقيق أهداف الحركة السياسية التي قال إنه يمثلها.
يفسر ما جاء في هذا الخطاب معنى أبرز إعلان تلفزيوني إبان حملته الانتخابية للرئاسة الذي تضمن الشعار الشهير «إنها حركة وليست حملة انتخابية».
أما ما هي هذه الحركة التي يعتقد ترمب أن التاريخ سيتذكرها في صفحاته، وتستحق منه أن يغامر بخوض عداوات ومجابهات مع تيارات سياسية ذات أذرع إعلامية قوية، فهذا ما لم يكشفه ترمب بصورة مباشرة لا في خطاب التنصيب أو ما سبقه من خطابات. بل إنه أغفل ذكره في إعلانات الترويج لبرنامجه الانتخابي من ليلة إعلانه العزم على خوض السباق الرئاسي في منتصف عام 2015، إلى ليلة فوزه بالرئاسة يوم 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ولكن عدم الإعلان الصريح عن أهداف حركته لا يعني أن الرسالة لم تفهم أو لم تصل إلى المعنيين بها من طرفي المعادلة في المجتمع الأميركي.
الحقيقة يصعب على أي مراقب تفسير أقوال وأفعال ترمب ما لم يتوصل أولا إلى فهم أهداف حركته والأسباب التي أدت لنجاحه في انتخابات الرئاسة على حساب عائلتين سياسيتين في الولايات المتحدة وهما عائلة بوش وكلينتون.
هناك وسيلة سهلة يمكن عن طريقها فهم أهداف ترمب حركته السياسية وهي أخذ أجزاء من خطاباته وتصريحاته أو تغريداته والإبدال بكلمة «الشعب» أو «الناس» أو «الصالحين» أو ما شابه ذلك كلمة «البيض»، أي أفراد الغالبية البيضاء في المجتمع الأميركي. ومن يريد التعمق أكثر في هذا الأهداف عليه أن يستعيض عن كلمة «الأشرار» ومرادفاتها في أقواله بكلمة «الأقليات».
فعندما قال ترمب في خطاب تنصيبه إن التاريخ سيذكر يوم 20 يناير 2017 باعتباره اليوم الذي استعاد الناس فيه حكم هذه الأمة، فإنه يقصد على الأرجح أنه اليوم الذي استعاد فيه البيض» حكم الأمة.
* التمييز الإيجابي
الواقع أنه يوجد في الكونغرس الأميركي كتل للمشرّعين السود تهتم بالدفاع عن حقوق الناخبين السود. وتوجد منظمات تهتم بحقوق المهاجرين من ذوي الأصل اللاتيني، وكذلك جمعيات تعنى بحقوق المسلمين الأميركيين، إلى آخر القائمة. كذلك تُعطي الجامعات أفضلية في المنح الدراسية ومعايير القبول للأميركيين من ذوي الأصل الأفريقي، وتعطي الحكومة الفيدرالية الأفضلية في القروض العقارية والتجارية والوظائف للأقليات وغيرها من الميزات والفوائد. وعندما تتساوى مؤهلات متنافسين اثنين في أي سباق وظيفي أو دراسي... فإن الأولوية لا تكون لصالح الأبيض من بين المتنافسين، وذلك تطبيقا لقوانين سنها أجداد الرجل الأبيض منذ سنين للأخذ بيد الأقليات ورفع مستواها.
ولقد عرفت جميع فترات التاريخ المعاصر للولايات المتحدة حركات سياسية تتبنى الدفاع عن حقوق الأقليات بمختلف أطيافها، وحقق النضال السياسي لهذه الأقليات مكاسب لا يستهان بها. ولكن منح هذه المكاسب للأعراق المختلفة داخل المجتمع الأميركي لم يشكل خطرًا وجوديًا على الغالبية البيضاء. وما كانت الغالبية البيضاء في أي فترة من تلك الفترات تخشى على نفسها من أن تصبح أقلية، بل إن أبرز المناضلين من أجل منح الأقليات حقوقها الإنسانية كانوا قادة من البيض. وكمثال كان الرئيس إبراهام لنكولن، وهو رجل أبيض لا أسود، أكثر من خدم الأقلية السوداء ووضع قواعد تحريرها من الرق.
إذن ما الذي استجد ليشعر الأميركيون البيض بالقلق؟ ولماذا بات البيض يعتبرون أنفسهم أنهم «المنسيون»؟ يمكن العثور على إجابة لهذا التساؤل بالإنصات للهمس الخافت في أوساط الغالبية البيضاء بأنهم يتآكلون عدديًا لصالح الأقليات. وتزداد المخاوف أكثر من أن نسبة المواليد بين الأقليات وموجات الهجرة من المجتمعات غير الأوروبية باتت تهدد البيض بأن يغدوا أقلية ربما بعد أقل من نصف قرن. ولقد استغل ترمب ذلك فخاطب مكامن القلق لدى هؤلاء. ويمكن القول إن أهم أهداف حركته غير المعلنة هي الحفاظ على مصالح الغالبية البيضاء، وأولها أن تظل غالبية للأبد.
لتحقيق ذلك - حسب مناصري ترمب - لا بد للغالبية البيضاء أن يكون لها الحق كبقية أطياف المجتمع الأميركي في تنظيم نفسها والدفاع عن مصالحها، كما يفعل السود واللاتينيون والمسلمون، ولا يجوز أن يظل «البيض» وحدهم الذين يستهجن الجميع تنظيمهم أنفسهم أو دفاعهم عن مصالح تجمع بينهم كفئة من لون واحد. كذلك – حسب مناصري ترمب أيضًا - ما عاد البيض غالبية مثيرة لقلق الأقليات بل باتت هي القلقة، ولا سيما من خطر منبعه سبع دول إسلامية، يجب محاصرته في منابعه.
قد يكون دونالد ترمب أبرز القلقين لكنه لم يكن أولهم ولن يكون آخرهم. لقد غدا رمزًا لهؤلاء مع أنه كثيرا ما تبرأ من الجماعات العنصرية التي تجاهر بعنصريها، أو بتفضيل الجنس الأبيض على ما عداه. ولكن، على ما يبدو فإن الحركات السياسية الساعية للحفاظ على حق الغالبية البيضاء بألا تفقد وضعها كغالبية حققت أبرز نجاحاتها بوصول ترمب لموقع القرار الذي سيؤثر على حياة عشرات الملايين من البشر ليس خلال الأربع سنوات من رئاسته، بل ربما على مدى السنوات الـ40 المقبلة.
ونظرا لخطورة الموقع الذي يشغله ترمب، فإن المنابر الإعلامية القوية المعبّرة عن تيار واسع من ذوي التوجه الليبرالي - المصدوم بخسارة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون الرئاسة - تعمل على التمهيد لخطوات إسقاطه بحملات إعلامية قاسية. وبين هؤلاء نسبة كبيرة من البيض لهم رؤية مختلفة عن رؤية ترمب ويريدون تسخير الأقليات لخدمة رؤيتهم بدلا من استعدائهم. وبما أن الغالبية البيضاء منقسمة بالتساوي تقريبًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ربح الديمقراطيون خلال السنين الماضية باستمالة الأقلية السوداء إلى جانبه. وردا على ذلك بدأ الجمهوريون يخططون لاستمالة الأقلية اللاتينية لتحقيق التوازن. وبما أن الحزب الديمقراطي قدم للبيت الأبيض رجلا أسود تعبيرًا عن حسن النوايا، كانت خطة الحزب الجمهوري أن يقوم بخطوة مشابهة بتبني السيناتور ماركو روبيو أو السيناتور تيد كروز (وهما من أصل لاتيني) لمعركة الرئاسة. وخاض الاثنان المنافسة بالفعل، لكن ترمب نجح في إثارة مخاوف الغالبية البيضاء وتمكن من تحويل أعداد كبيرة من مؤيدي الحزب الديمقراطي البيض للتصويت لصالحه بسبب انحيازه لمصالحهم العرقية.
* مهمة لم تنته بعد
الواضح أن ترمب مصمم على خوض المعارك السياسية والإعلامية مع خصومه بلا توقف. وأهم المؤشرات على ذلك أنه يعد العدة لإطلاق قناة تلفزيونية خاصة به، حسب ما أكدته مصادر إعلامية أميركية متعددة. ويأمل ترمب من قناته أن تتولى مهام الدفاع عنه وعن أجندته ومواجهة ما تطرحه قناة «سي إن إن» التي يعتقد أنها تناصبه العداء، وبالتالي يجب تفنيد «أكاذيبها»، كما كرر ترمب في غير مناسبة.
طبعًا الرجل ليس ساذجًا أو محدود الذكاء، ومن ثم، فالتفسير الأقرب إلى المنطق هو أن الرجل فعلا يعتبر نفسه مسؤولاً عن حركة سياسية لم تنته مهمتها، وأن أمامه مشوارا طويلا من الصراع لتحقيق أكبر قدر من الأهداف التي كانت سببا لانتخابه. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار المواجهة الإعلامية مع الخصوم عرضًا من أعراض صراع أكثر عمقا بين تيار واسع يمثله وتيار أوسع من الخصوم داخل الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري، يبدو أنه مصمم على تصيد أخطاء الرئيس الجديد والعمل على نزع شرعيته وإسقاطه من الرئاسة بكل الوسائل قبل إكمال فترته الأولى، لأنه أصبح خطرا على التوازن القائم. أما الأخطر من كل ذلك فهو أن المعارك الإعلامية أخذ تتطاول المؤسسات الأمنية الحكومية، ومنها الاستخبارات.
* أبرز جولات الحرب
كانت القرارات التي اتخذها ترمب قبل انقضاء أسبوعين من وجوده في البيت الأبيض من بين الأخطاء التي وجد فيها المتربصون به من خصومه وجبة دسمة ومغرية لشن حملة إعلامية على رئاسته هي الأكثر شراسة من كل ما سبقها من حملات.
وقد يظن البعض للوهلة الأولى أن دافع المنتقدين لما اتخذته إدارة ترمب من إجراءات ضد رعايا سبع دول إسلامية هو الغيرة على الحق. ولكن على الأرجح أن أكثر المسيسين من مهاجميه أرادوا فقط استغلال إجراءات ترمب ضد المسلمين كـ«حق يراد به باطل»، فالهدف الفعلي لهم هو تأليب العالم على الرجل ودحرجة الصخور في طريقه لإعاقته عن تنفيذ أجندة لا تروق للخصوم، وفي ذات الوقت تعبيد طريق آخر قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق رغبتهم بمحاكمته أو عزله.
ترمب، من جهته، يستعين في مواجهاته الراهنة بأسلحة قوية أهمها شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية اليمينية، التي يملكها روبرت مردوخ ملكية غير مباشرة وتقدم ما يخدم ترمب من مضامين عن طريق تضخيمها لمخاوف الأميركيين من «الإرهاب المتستر في أثواب اللاجئين أو المهاجرين». وهذه الجولة من الحرب الإعلامية لا تزال مستمرة ولم تظهر نتائجها بعد.
أما الجولة التي سبقتها، فهي تلك التي استهدفت ترمب خلال الفترة الواقعة بين 8 نوفمبر 2016 (يوم إعلان فوزه في الانتخابات) و20 يناير 2017 يوم تنصيبه. وكان من اللافت أن الحملة على ترمب في الفترة المشار إليها ركزت على هدف التشكيك في شرعيته عن طريق تضخيم الدور الروسي في إيصاله إلى الرئاسة.
إلا أن ترمب رد بذكاء، مدركًا أن أنجع وسيلة من وسائل الدفاع هي الهجوم، فبادر لاتهام أنصار منافسته الديمقراطية بتزييف ملايين الأصوات العائدة لموتى أو مهاجرين غير شرعيين ومطالبا بالتحقيق في ذلك، وسرعان ما رد عليه الخصوم بدفاع كاسح بأن الانتخابات كانت سليمة 100 في المائة، ولم يشبها أي تزييف... فكان هذا ما يريد سماعه بالضبط لما فيه من اعتراف بشرعية وصوله للرئاسة، في حين تناسى المدافعون عن سلامة الانتخابات ما سبق أن قالوه بأن التدخل الروسي تمخض عن فرض نتائج لم يكن الناخبون الأميركيون راغبين بها.
ونجح ترمب أيضًا بإفشال خطة التشكيك بولائه لبلاده عن طريق إبراز تعاملاته التجارية مع روسيا «العدو التقليدي» لأميركا، إلا أن النكسة الإعلامية الكبرى للخصوم وقعت عند لجوئهم لاختلاق قصة خضوعه للابتزاز الروسي بتسريب معلومات عن فضائح أخلاقية مختلقة زعم مصدرها أنها وقعت له قبل سنوات في فنادق موسكو باستدراج من الاستخبارات الروسية. وزعم التسريب أن الروس تمكنوا من تصويره في أوضاع مخلة بالآداب. ولتفنيد هذه المزاعم لجأ ترمب إلى سلاح «تويتر» الفتاك بإيصال وجهة نظره إلى جمهور من المتابعين يزيد عن عشرين مليون شخص. وساعده في ذلك أن القنوات والمنابر المناوئة له تتناقل كل تغريدة من تغريداته تقريبا بغرض السخرية منه، لكنها تحقق في ذات الوقت هدفًا عكسيًا يصب في مصلحته وهو إيصال رأي الرجل إلى جمهور واسع النطاق بدأ يرحب بأفكاره أو على الأقل يتمعن فيها. وانتهت هذه الجولة بالتالي لصالحه.
أما الجولة الأطول والأسبق زمنيا من الحرب الإعلامية بين ترمب وخصومه المتعددين أو منافسيه من جمهوريين وديمقراطيين فهي التي تمت في خضم الحملة الانتخابية، فكان لها ما يبررها، لأن من الطبيعي أن يتخلل الحملات الانتخابية للرئاسة مواجهات حامية. ولكن حملة ترمب الانتخابية لم تكن عادية، إذ إنها دشنت الحرب الإعلامية منذ اليوم الأول فيها عندما أعلن ترمب ترشحه للرئاسة، من بهو برجه في نيويورك المعروف باسمه. وتضمن إعلان الترشح أول تصريح أثار الجدل ولفت الانتباه إلى ترمب من قبل من ساءهم التصريح قبل أن يصل مضمونه إلى المتفقين معه. لقد تضمن تبيان الهدف الأول من الترشح هدف «إنقاذ أميركا» من موجات الهجرة غير الشرعية خصوصا من المكسيك. ووصف ترمب القادمين من الحدود الجنوبية لبلاده بأنهم تجار مخدرات وقتلة ولم تعرف الولايات المتحدة منهم إلا الشر. وتعهد في بيان الترشح ببناء جدار عازل على الحدود لوقف موجات التسلل وتحصين سوق العمل في الولايات المتحدة لمنع القادمين الجدد من سرقة الوظائف من المواطنين الأميركيين.
أنتجت هذه التصريحات زوبعة كبيرة وردود فعل لم تتوقف، وكان الرجل يعلم تماما أنه بهذه التصريحات سيخسر بلا شك أصوات الأقلية اللاتينية، لكنه لم يكترث. وبمجرد أن خمدت الزوبعة مع ذوي الأصول اللاتينية، فتح جبهة مع الأميركيين الأفارقة. ثم بمجرد أن هدأت هذه الجبهة، فجر مفاجأته الكبرى باقتراح منع دخول المسلمين الأراضي الأميركية. ومرة أخرى كان يعلم أنه يخسر أصوات الأقليات فيما كان منافسوه حريصين كل الحرص على أصوات تلك الأقليات.
* حسابات الربح والخسارة
واتضح لاحقا أن ترمب، بعقلية التاجر المحترف، كان يعلم أكثر من منافسيه بأن أي مكسب لا يمكن أن يأتي من دون خسارة. ومن أجل الحصول على أصوات وتعاطف الغالبية البيضاء لم يتردد في التضحية بأصوات الأقليات، بل والمجاهرة في العداء لهم. وكان الرجل بارعًا في الحساب والتعامل مع الأرقام، إذ إنه أدرك أنه لكي يكسب أربعة ناخبين من البيض على سبيل المثال فإن عليه أن يخسر على الأقل ناخبا واحدا من السود وآخر من اللاتينيين الهيسبانيكيين، أما المنافسون فقد أعماهم حرصهم على أصوات الأقليات عن التفكير بأصوات الغالبية فكانت النتائج مخيبة لآمالهم، ومن كسب منهم ناخبا من الأقليات خسر مقابله ثلاثة ناخبين من الأغلبية البيضاء، بمن في هؤلاء المرشحين هيلاري كلينتون التي كانت أقواهم وقاب قوسين أو أدنى من الرئاسة.
ولم تكن حملة ترمب الإعلامية حملة عادية، إذ إن هجماته لم تقتصر على الخصوم أو المنافسين السياسيين بل وزعها في كل الاتجاهات عن عمد. وكانت أهم غنائم معاركه هي التي حصدها من فتح جبهة مع الإعلام والإعلاميين، حيث تعمد أن يهاجم شبكات أخبار واسعة الانتشار أو مقدمي برامج مشاهير في هذه المحطات، مثل «فوكس نيوز» في بداية الأمر ثم «سي إن إن» لاحقا. وفي الوقت الذي كان ترمب يهاجم هذه المحطات فلم يكن يقاطعها بل يستفيد منها ويتعمد استثارتها للحصول على ردود فعل كانت بالنسبة له بمثابة دعاية مجانية لحملته ساعدته نهاية المطاف في تحقيق هدفه نحو الرئاسة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.