أزمة الهجرة اللاتينية إلى أميركا تتسع مع قرارات ترمب

كوبا ترحب باستقبال معارضيها المهجرين مجددًا... والمكسيك ودول وسط أميركا تتكتل لإيجاد حل

مهاجرون ينتظرون العبور إلى الولايات المتحدة من الجانب المكسيكي (أ.ف.ب)
مهاجرون ينتظرون العبور إلى الولايات المتحدة من الجانب المكسيكي (أ.ف.ب)
TT

أزمة الهجرة اللاتينية إلى أميركا تتسع مع قرارات ترمب

مهاجرون ينتظرون العبور إلى الولايات المتحدة من الجانب المكسيكي (أ.ف.ب)
مهاجرون ينتظرون العبور إلى الولايات المتحدة من الجانب المكسيكي (أ.ف.ب)

أثارت قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إثر الحد من المهاجرين القادمين من الجارة اللاتينية، ردود أفعال متباينة، حيث عبرت عدد من الدول مثل المكسيك وعدد من دول أميركا الوسطى عن قلقها إزاء الخطوات التي قد تلقي بالضرر المباشر على اقتصاداتها، نظرا لما تمثله الهجرة كمصدر دخل لأسر فقيرة في أميركا اللاتينية ومحرك لدفع اقتصادات هذه الدول. أما كوبا فلديها شعور آخر، وهو أن المعارضين الفارين من سلطاتها سيعودون إلى هافانا من جديد، وذلك في إطار زوال التوتر القديم بين البلدين، مما يمنح النظام الكوبي راحة في التعامل مع الفارين من قوانينه.
وعلى صعيد حل الأزمة، اجتمع وزراء خارجية المكسيك والسلفادور وهندوراس وغواتيمالا لوضع استراتيجية لحماية المهاجرين من الدول الأربع في الولايات المتحدة فيما يمثل استعراضا للتضامن بعد فوز دونالد ترمب بانتخابات الرئاسة الأميركية.
وينحدر كثير من المهاجرين الذين يقصدون الولايات المتحدة من دول فقيرة مثل هندوراس وغواتيمالا والسلفادور، وهناك مخاوف من أن يكون لتعهد ترمب بترحيل ملايين تداعيات خطيرة في دول أميركا الوسطى التي لا يوجد بها سوى القليل من الوظائف، وتعاني من عدم استقرار الوضع الأمني.
وخلال اجتماع في غواتيمالا سيتي طلب وزراء خارجية دول أميركا الوسطى من المكسيك المساعدة في إنشاء شبكة حماية للمهاجرين، والتواصل للتنسيق مع السلطات الأميركية والاجتماع دوريا لإجراء محادثات إقليمية.
وقالت وزيرة خارجية المكسيك كلاوديا رويس ماسيو، إن سياسة الهجرة الأميركية لا تزال كما هي حتى الآن، مضيفة أن تركيز المكسيك على حقوق الإنسان وتعزيز العلاقات الثنائية - بما في ذلك مجال الحدود - لم يتأثر.
من جهتها، قالت دول في منطقة أميركا الوسطى إن أعدادا كبيرة من المهاجرين فروا من بلادهم منذ فوز دونالد ترمب المفاجئ بانتخابات الرئاسة الأميركية، على أمل الوصول إلى الولايات المتحدة قبل تنصيبه وأحدثت لجهة ترمب الحادة خلال حملته الانتخابية حالة من القلق داخل الأحياء الفقيرة في أميركا الوسطى ومجتمعات المهاجرين في مدن أميركية، واختار كثيرون التعجيل بالهجرة إلى الشمال قبل تنصيبه.
وخلال السنة المالية 2016 اعتقلت الولايات المتحدة قرابة 410 آلاف شخص على امتداد الحدود الجنوبية الغربية مع المكسيك بزيادة بمقدار الربع تقريبا عن العام السابق. والغالبية العظمى من المهاجرين قدموا من غواتيمالا والسلفادور وهندوراس.
وقال مسؤولون بأميركا الوسطى، إن عدد المهاجرين إلى الشمال تصاعد منذ فوز ترمب، وهو ما فاقم الموقف المتأزم على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة.
وقالت ماريا أندريا ماتاموروس، نائبة وزير خارجية هندوراس، إنها قلقة لزيادة تدفق المهاجرين المغادرين للبلاد والذين حثهم المهربون على الهجرة حين قالوا لهم إنه يتعين عليهم الوصول إلى الولايات المتحدة قبل تنصيب ترمب.
وقال كارلوس راؤول موراليس، وزير خارجية غواتيمالا، إن عددا كبيرا من مواطني بلاده غادروا بصورة جماعية قبل أن يصبح ترمب رئيسا.
وفتحت إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية الأسبوع الماضي منشأة احتجاز مؤقتة لما يصل إلى 500 شخص قرب حدود ولاية تكساس مع المكسيك، بعد ما لمسته من زيادة ملحوظة في عمليات التسلل عبر الحدود.
وقال أومبرتو روك فيلانوفا، نائب وزير الداخلية المكسيكي لشؤون الهجرة، إن بلاده مستعدة للضغط على الكونغرس الأميركي، واستخدام كل السبل القانونية لعرقلة خطة ترمب الرامية إلى وقف تحويلات المهاجرين.
وفي العاصمة هافانا القريبة من ولاية فلوريدا الأميركية، التي لا تبعد سوى 90 ميلاً فقط، والتي كانت على خط المواجهة الساخنة مع الولايات المتحدة حول القضايا السياسية والاقتصادية لأكثر من 50 عامًا، أعلن ترمب أنه إن لم تسفر الأوضاع عن تغيرات حقيقية في الموقف السياسي في كوبا، فسوف تتجه الولايات المتحدة إلى التراجع عن الاتفاقيات التي توصلت إليها إدارة الرئيس الأسبق أوباما مع الرئيس الكوبي راؤول كاسترو. ولقد شهدت هذه الاتفاقيات إعادة العلاقات الدبلوماسية والزيادة الكبيرة في أعداد السائحين الأميركيين الذين يزورون الجزيرة، مما يعتبر جزءًا حيويًا من الاقتصاد الكوبي المنهك. وبصرف النظر عن تصريحاته بشأن المكسيك وكوبا، لم يفصح ترمب عن إشارات أخرى تتعلق بأولويات إدارته المقبلة للقارة. وكان ترمب التقى مع الخبراء الأميركيين في شؤون أميركا اللاتينية في مكتبه الخاص في نيويورك، الذين أوضحوا للرئيس المنتخب أهمية العمل مع دول أميركا الوسطى، للحد من أعداد المهاجرين التي تصل إلى الولايات المتحدة في كل عام. وكان سفير غواتيمالا الأسبق لدى واشنطن، خوليو ليغوريا، أحد الخبراء القليلين في شؤون أميركا اللاتينية الحاضرين في اجتماع الرئيس المنتخب ترمب. ليغوريا قال لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب أبدى اهتمامًا كبيرًا بقضية السجناء السياسيين في فنزويلا، ومن بينهم الشخصيات المعارضة كأمثال أنتونيو ليديزما، العمدة السابق للعاصمة كاراكاس، وليوبولدو لوبيز الذي قضى عامين في السجن لاعتبارات سياسية. ويعتقد ليغوريا أنه سوف يكون للولايات المتحدة رئيس مستعد للاستماع، ويتسم بالواقعية ومهتم بتحقيق النتائج على أرض الواقع، مضيفًا: «ليس هناك من شك أن أولوياته سوف تتمحور حول اعتبار الآليات التي تحول دون مزيد من تدفقات الهجرة من الجنوب إلى الشمال، مثل مواصلة تعزيز السياسات العامة التي من شأنها العمل على محاربة الفساد وتحسين النظم القضائية في نصف الكرة الغربي، باعتبارها من الآليات الرئيسية في مساعدة القطاعات الأكثر تضررًا والمجبرة على المغادرة والهجرة، بسبب الإهمال الجسيم وغياب الخدمات الاجتماعية الحيوية من جانب الحكومات الأميركية الجنوبية».
لم تكن وفاة زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو ولا انتخاب دونالد ترمب الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأميركية، سبب التغيير في سياسات الهجرة بشأن دخول الكوبيين إلى الولايات المتحدة، بل كان الرئيس السابق باراك أوباما الذي قبل أيام قليلة من نهاية ولايته في البيت الأبيض، قد أنهى هذه السياسات التي منذ عام 1996 قد منحت وضعية المعاملة الخاصة لأي مواطن كوبي تطأ قدماه سواحل الولايات المتحدة الأميركية.
ودخلت الإجراءات الجديدة، التي أعلن عنها الرئيس السابق أوباما، حيز التنفيذ الفعلي على الفور. وفي الوقت الراهن، لن تسمح سلطات الهجرة الأميركية للرعايا الكوبيين الذين يصلون إلى الولايات المتحدة بالدخول إذا لم يتمكنوا من الحصول على تأشيرة مسبقًا.
ومن خلال هذه الإجراءات، وافقت حكومة الولايات المتحدة وكوبا على وضع الأسس المشتركة لسياسة الهجرة الجديدة التي تعتبر جزءًا من عملية إعادة بناء العلاقات بين البلدين. ونظرًا للعلاقات المحسنة في الآونة الأخيرة بين البلدين، وصل إلى الولايات المتحدة أكثر من 40 ألف مواطن كوبي منذ عام 2016. وأغلب الرعايا الكوبيين الذين يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة قد سافروا عبر دولة ثالثة في أميركا اللاتينية مثل بنما أو المكسيك أو كولومبيا.
ومع ذلك، كان الرئيس دونالد ترمب واضحًا في أنه إن لم تسفر الأوضاع عن تغيرات حقيقية في الموقف السياسي في كوبا، فسوف تتجه الولايات المتحدة إلى تغيير علاقتها مرة أخرى مع الجزيرة الصغيرة. ورغم ذلك، فمن المبكر للغاية الوقوف على الاستراتيجية النهائية لدى الرئيس الأميركي الجديد فيما يتعلق بكوبا أو ما سيحدث في القارة الجارة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».