فيكتور هوغو... ضريبة العبقرية والمجد

أعلن العصيان على نابليون الثالث ونزل إلى الشارع لمقاومة الانقلاب

غلاف الكتاب  -  مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة
غلاف الكتاب - مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة
TT

فيكتور هوغو... ضريبة العبقرية والمجد

غلاف الكتاب  -  مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة
غلاف الكتاب - مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة

لا نكشف سرا خطيرا إذا ما قلنا إن فيكتور هوغو هو أشهر شخصية في تاريخ الآداب الفرنسية. فمن هو هذا الشخص الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، كما قيل قديما عن شاعرنا الأعظم المتنبي؟ ولد فيكتور هوغو عام 1802، أي في مطلع القرن التاسع عشر في مدينة بيزانسون الصغيرة الواقعة بالقرب من الحدود السويسرية. وقد زرت منزله آنذاك عندما حطت بي الرحال في تلك المدينة خريف عام 1976، أي فور وصولي إلى فرنسا تقريبا. وكان ذلك بغية تعلم اللغة الفرنسية قبل العودة إلى باريس لتحضير الدكتوراه في السوربون... سقيا لتلك الأيام التي انقرضت ولم ننقرض بعد... كلام فارغ... قالوا لنا بكل افتخار عندما مررنا في الشارع الأساسي وسط المدينة: هنا ولد فيكتور هوغو. فدهشنا. كنا نعتقد أنه ولد في باريس ككل العباقرة! هل يمكن لعبقري أن يولد خارج باريس؟ ولكنه ولد هناك بالصدفة في الواقع لأن والده ليوبولد هوغو كان أحد جنرالات نابليون بونابرت.
وككل العسكريين، فإنه جر عائلته معه على كل دروب فرنسا وأوروبا طبقًا لنزوات الإمبراطور الكبير وحروبه التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. فالعسكري ليس ملكا لنفسه وإنما لجيشه. ثم انفصلت أمه عن أبيه لاحقا بعد أن اختلفا على الأمور الحياتية والعائلية، وعادت الزوجة مع أطفالها إلى باريس من مدريد، حيث كان يقيم زوجها بصفته مسؤولاً كبيرًا هناك.
وكانت أمه حنونة جدًا وليبرالية؛ ولذلك تربّى فيكتور هوغو في أجواء سعيدة وحرة بفضل هذه الأم الاستثنائية التي لن ينساها أبدا. ومنذ عام 1816، أي عندما كان عمره أربعة عشر عامًا فقط راح فيكتور هوغو يهتم بالأدب شعرًا ونثرًا. وكشف عن نبوغ مبكر وسهولة مدهشة في قرض الشعر. وعندما أحس بكل هذه الطاقات المتفجرة في داخله قال جملته الشهيرة: إما أن أكون شاتوبريان أو اللاشيء! ومعلوم أن شاتوبريان كان أكبر أديب فرنسي في ذلك الوقت. وكان كاتبًا من الطراز الأول، والبعض يعتبره أكبر شاعر في النثر الفرنسي، أو أكبر ناثر في الشعر. وقد فاجأ فيكتور هوغو عائلته عندما قال لهم إنه سيصبح أهم من شاتوبريان أو في مستواه على الأقل. ولم يصدقه أحد. فقد بدا لهم طموحه جنونيا أو مبالغا فيه أكثر من اللزوم.
ولكن المستقبل لم يكذّب نبوءته. فقد استطاع أن يصل إلى مستوى شاتوبريان بل ويتخطاه من خلال أشعاره الخالدة ورواياته التي لا تقل خلودًا، وبخاصة: رواية «البؤساء». ومعلوم أنها ترجمت إلى جميع لغات العالم، وأخرجت سينمائيًا ومسرحيًا مئات المرات. لكن لنعد إلى فيكتور هوغو الشاب أو المراهق من حيث قطعناه. ففي عام 1817، أي في الخامسة عشرة، كاد أن ينال جائزة الأكاديمية الفرنسية بفضل فصاحته وبلاغته في الكتابة. وهكذا تفتحت مواهبه مبكرًا. وفي عام 1819 خطب فتاة تدعى آديل فوشيه، وكانت رفيقة طفولته؛ لأن عائلتها كانت تسكن بجوار عائلته. وفي العام التالي نال راتبًا سنويًا من ملك فرنسا لويس الثامن عشر بعد أن نشر إحدى قصائده التي أعجبت الملك. وهكذا أمَن حياته ومورد رزقه في سن مبكرة جدا، وأصبح أحد شعراء البلاط.
وبين عامي 1822 و1850 ابتدأ صعود فيكتور هوغو نحو المجد. ولكن هناك قصة مأساوية نادرًا ما ينتبه إليها أحد، ألا وهي: أن أخاه الشقيق كان يحب ذات الفتاة التي خطبها أخوه! وعندما تزوجها فيكتور هوغو أصيب أخوه بالصرع، ثم الجنون. ولذلك؛ فقد سجنوه في المصح العقلي حتى مات. والسؤال المطروح هنا هو التالي: هل أثرت هذه القصة العائلية، أو هذه الفجيعة بالأحرى، على شخصية فيكتور هوغو؟ ألم تجعله يشعر بالخطيئة والذنب؟ لا يبدو ذلك واردا. فشخصية شاعر فرنسا الأكبر تبدو قوية جدا. ولكن هناك سؤالا آخر يطرح نفسه: لو أنه تخلى عن محبوبته لأخيه الذي كان مولهًا بها، أما كان قد أنقذه من الجنون؟ لماذا ضرب عرض الحائط بمشاعر أخيه؟ لماذا قهره وتغلب عليه بهذا الشكل؟ أسئلة كثيرة لا نجد جوابًا شافيًا عليها. ولكن لن تكون هذه أول فجيعة عائلية في حياة الشاعر الكبير، وإنما ستليها فجائع وجروح أخرى كثيرة. وفي عام 1825 أسس فيكتور هوغو أول حلقة رومانتيكية في فرنسا. ومعلوم أن الرومانتيكية كانت قد ظهرت في ألمانيا أولا، ثم في إنجلترا قبل أن تنتقل إلى فرنسا. وراح يكتب المسرحيات والأشعار التي تمشي في هذا الاتجاه، وتبتعد عن المدرسة الكلاسيكية في الأدب والتعبير. وفي مقدمة مسرحيته التي اتخذت عنوان «كرومويل» كتب فيكتور هوغو أول بيان للأدب الرومانتيكي في اللغة الفرنسية.
وفي عام 1830، أي في الثامنة والعشرين من عمره، أصبح فيكتور هوغو الزعيم المتوج للحركة الأدبية الجديدة بعد أن حصلت معركة كبيرة أمام المسرح الفرنسي بين أتباع الكلاسيكية وأتباع الروماتيكية. وانتصر التيار الثاني الذي كان يمثل الشبيبة والتجديد وروح العصر وحركة التاريخ. وقد اشتهرت هذه المعركة في تاريخ الآداب الفرنسية باسم «معركة هيرناني»: أي المعركة التي دارت حول المسرحية التي كتبها فيكتور هوغو تحت هذا الاسم. وهكذا بدا هذا الشاعر وكأنه حامل لواء التجديد في وجه خصومه من المحافظين والرجعيين من الناحية الأدبية... وفي عام 1831، أي في التاسعة والعشرين من عمره، نشر فيكتور هوغو أول رواية تاريخية له باسم: نوتردام باريس، أي كاتدرائية باريس. وفي العام ذاته نشر أيضا مجموعة شعرية بعنوان «أوراق الخريف»، وهو عنوان روماتيكي بامتياز كان لامارتين قد استخدمه كثيرًا أيضا في أشعاره. وهو من مجايلي فيكتور هوغو، أو أكبر منه بقليل. ومعلوم أن سقوط أوراق الشجر في فصل الخريف يثير أحزان الشعراء ويلهبهم حماسة لكتابة القصائد الشجية. وبالتالي، فالخريف روماتيكي أكثر من بقية الفصول. وعندما منعت الرقابة إحدى مسرحياته عام 1832 غضب الشاعر كثيرًا وألقى خطابًا مهمًا عن حرية التعبير أمام جمهور غفير. وقد صفقوا له طويلاً. وكانت تلك بداية نضاله من أجل نيل حرية التعبير والتفكير في فرنسا. وسيكون الطريق إليها طويلاً. وفي عام 1833 حصل له لقاء مع امرأة تدعى: جولييت درويه. وستصبح عشيقته، بل وأقرب إليه من امرأته الشرعية. وقد رافقته طيلة حياته كلها ولعبت دورًا كبيرًا في حمايته والدفاع عنه والتأثير عليه. بل ونجّته من محاولة اغتيال شبه مؤكدة. وكانت في الأصل ممثلة على خشبة المسرح. ولكنها تخلت عن فنها ومهنتها وكل مشاريعها لكي تكرس نفسها له، وله وحده. فقد عرفت منذ البداية بأنه عبقري وأنه في حاجة إلى امرأة من نوعيتها لكي تتفتح عبقريته. وقد كتب لها آلاف الرسائل على مدار خمسين سنة من حياتهما المشتركة. ثم نشرت هذه الرسائل في مجلدات بعد موتهما.
وفي عام 1836 رشح فيكتور هوغو نفسه للأكاديمية الفرنسية، لكنها رفضته وفضّلت عليه كاتبًا يدعى «دوباتي»، ثم كاتبًا آخر يدعى «مينيه». فهل سمع أحد بهذين الاسمين يا ترى؟ هل يعنيان لكم شيئا؟ ولكننا نعلم أن الأكاديمية الفرنسية رفضت أيضًا شارل بودلير، وبلزاك، وفلوبير، وعشرات الكتاب الآخرين الذين أصبحوا مجد فرنسا الأدبي لاحقًا. وبالتالي، فلا ينبغي أن يحزن فيكتور هوغو كثيرًا لهذا الرفض. نقول ذلك وبخاصة أنها عادت وقبلته لاحقًا بعد أن فشل ثلاث مرات في الدخول إليها. لقد قبلته أخيرًا مع المحاولة الرابعة عام 1841. وفي عام 1848 دخل شاعر فرنسا الكبير معترك السياسة لأول مرة، حيث انتخبوه نائبا عن باريس. وألقى أول خطاب سياسي له في البرلمان الفرنسي، داعما ترشيح نابليون الثالث إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية، وهو دعم سيندم عليه لاحقًا أشد الندم. ثم بعد ذلك بعام واحد حصل تحول خطير في حياة فيكتور هوغو؛ فقد انتقل فجأة من جهة السلطة إلى جهة المعارضة، أو من جهة اليمين البورجوازي إلى جهة اليسار العمالي. ففي السابق كان دائما مدللا من قبل السلطة، وكان يحظى بالرواتب الملكية والأوسمة والهدايا، أما الآن فقد انتقل إلى جهة الشعب بعد أن شاهد أحوال المصانع والعمال البؤساء في الشمال الفرنسي. لقد رأى الفقر المدقع لأول مرة بأم عينيه، فقر لا يحتمل ولا يطاق. وصعقه الأمر؛ لأنه لم يكن يعرف حقيقة الوضع قبل ذلك، كان يعيش في الأجواء المترفة والقصور. ولهذا السبب غيّر موقفه من زعيم اليمين الفرنسي نابليون الثالث، ابن أخ نابليون الحقيقي، ووقف في وجهه مصرحا بأنه طاغية، الشيء الذي اضطره إلى الهرب إلى بلجيكا لفترة قصيرة.
وهكذا أثبت فيكتور هوغو أنه ليس شاعرًا ذاتيا أو رومانتيكيا فقط، وإنما رجل سياسي منخرط في هموم عصره وقضاياه. إنه مفكر بقدر ما هو شاعر، ونظري بقدر ما هو عملي. بدءا من تلك اللحظة ستتشكل شخصية فيكتور هوغو التي نعرفها: أي شخصية رجل التنوير الأول في عصره، شخصية الرجل المدافع عن قضايا الشعب وضرورة تثقيفه وتعليمه ورفع مستواه. وهذا ما سيشكل عظمته لاحقا، حيث جمع المجد من كل أطرافه: أي مجد التجديد الأدبي والشعري، ومجد النضال السياسي والفكري، ومجد النضال من أجل الحريات الحديثة وحقوق الإنسان. ولهذا السبب احتل مكانة في تاريخ فرنسا لم يحتلها أي أديب آخر باستثناء فولتير وجان بول سارتر. وفي عام 1850 ألقى خطابًا شهيرًا في الجمعية الوطنية الفرنسية (أي البرلمان) عن حرية التعليم، وحرية الصحافة، وضرورة إعطاء حرية التصويت للشعب ككل، وليس فقط للأعيان والنخب القائدة والطبقة البورجوازية. وراح يدافع عن الشعب في كل مكان. وفي عام 1851 عندما عرف أن الديكتاتورية ستنتصر في فرنسا، وأنها ستتجسد في شخص نابليون الثالث الذي قام بانقلابه الشهير على النظام الجمهوري أعلن العصيان ونزل إلى الشارع لمقاومة الانقلاب. وكاد أن يُقتل في إحدى المرات لولا أن عشيقته جولييت دروو مع بعض الأصدقاء المخلصين كانوا يسهرون عليه فهرَّبوه سرًا إلى خارج البلاد؛ لكي لا يحصل له أي مكروه. وكان ذلك بواسطة جواز سفر مزور. وهكذا، ابتدأت حياة المنفى لفيكتور هوغو، وهي حياة ستستمر نحو العشرين سنة. وفي أثنائها كتب أجمل قصائده ومؤلفاته. وفيها أيضًا أنجز روايته الخالدة «البؤساء». وبالتالي فلم يكن منفاه عقيمًا ولا سلبيًا، على العكس.
ولكن بعد سقوط الإمبراطور الديكتاتور عاد فيكتور هوغو إلى فرنسا عودة الأبطال، حيث استُقبل بشكل جماهيري وشعبي في العاصمة الفرنسية. وكانت تلك بداية أسطورته. ولكن القدر الذي خلع عليه، كل هذه الأمجاد وجّه له ضربات موجعة أيضًا. فقد مات ابنه البكر في عز الشباب، ولحقه الابن الثاني. وهذا يعني أنه دفن ولديه حيا بدلا من أن يدفناه. وأصيبت ابنته الثانية بالجنون، وماتت ابنته الأولى غرقا وهي في التاسعة عشرة فقط. بل ومات زوجها الشاب معها لأنه حاول إنقاذها فلم يفلح. وكان ذلك مؤثرا جدا.
فقد كان بإمكانه أن يبقى على قيد الحياة ولا يخاطر بنفسه. ولكنه فضّل أن يموت معها على أن يبقى حيا بعدها. هذه القصة دمرت فيكتور هوغو، صعقته صعقا. وقد انعكس ذلك على أشعاره وكتاباته بكل قوة وراح يتفجع عليها تفجعا. وكل هذه الجراحات، أو ضربات القدر، ستنعكس على أشعاره وكتاباته اللاحقة. وبالتالي، فلم يكن سعيدا إلى الحد الذي نتصوره. صحيح أن فرنسا كلها صفقت له. صحيح أنه حظي بنجاح أدبي لم يسبق له مثيل. ولكنه دفع ثمن شهرته وأمجاده غاليًا.



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».