فيكتور هوغو... ضريبة العبقرية والمجد

أعلن العصيان على نابليون الثالث ونزل إلى الشارع لمقاومة الانقلاب

غلاف الكتاب  -  مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة
غلاف الكتاب - مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة
TT

فيكتور هوغو... ضريبة العبقرية والمجد

غلاف الكتاب  -  مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة
غلاف الكتاب - مشهد من فيلم مستوحى من رواية «البؤساء» التي كتبها هوغو في منفاه الذي استمر عشرين سنة

لا نكشف سرا خطيرا إذا ما قلنا إن فيكتور هوغو هو أشهر شخصية في تاريخ الآداب الفرنسية. فمن هو هذا الشخص الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، كما قيل قديما عن شاعرنا الأعظم المتنبي؟ ولد فيكتور هوغو عام 1802، أي في مطلع القرن التاسع عشر في مدينة بيزانسون الصغيرة الواقعة بالقرب من الحدود السويسرية. وقد زرت منزله آنذاك عندما حطت بي الرحال في تلك المدينة خريف عام 1976، أي فور وصولي إلى فرنسا تقريبا. وكان ذلك بغية تعلم اللغة الفرنسية قبل العودة إلى باريس لتحضير الدكتوراه في السوربون... سقيا لتلك الأيام التي انقرضت ولم ننقرض بعد... كلام فارغ... قالوا لنا بكل افتخار عندما مررنا في الشارع الأساسي وسط المدينة: هنا ولد فيكتور هوغو. فدهشنا. كنا نعتقد أنه ولد في باريس ككل العباقرة! هل يمكن لعبقري أن يولد خارج باريس؟ ولكنه ولد هناك بالصدفة في الواقع لأن والده ليوبولد هوغو كان أحد جنرالات نابليون بونابرت.
وككل العسكريين، فإنه جر عائلته معه على كل دروب فرنسا وأوروبا طبقًا لنزوات الإمبراطور الكبير وحروبه التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. فالعسكري ليس ملكا لنفسه وإنما لجيشه. ثم انفصلت أمه عن أبيه لاحقا بعد أن اختلفا على الأمور الحياتية والعائلية، وعادت الزوجة مع أطفالها إلى باريس من مدريد، حيث كان يقيم زوجها بصفته مسؤولاً كبيرًا هناك.
وكانت أمه حنونة جدًا وليبرالية؛ ولذلك تربّى فيكتور هوغو في أجواء سعيدة وحرة بفضل هذه الأم الاستثنائية التي لن ينساها أبدا. ومنذ عام 1816، أي عندما كان عمره أربعة عشر عامًا فقط راح فيكتور هوغو يهتم بالأدب شعرًا ونثرًا. وكشف عن نبوغ مبكر وسهولة مدهشة في قرض الشعر. وعندما أحس بكل هذه الطاقات المتفجرة في داخله قال جملته الشهيرة: إما أن أكون شاتوبريان أو اللاشيء! ومعلوم أن شاتوبريان كان أكبر أديب فرنسي في ذلك الوقت. وكان كاتبًا من الطراز الأول، والبعض يعتبره أكبر شاعر في النثر الفرنسي، أو أكبر ناثر في الشعر. وقد فاجأ فيكتور هوغو عائلته عندما قال لهم إنه سيصبح أهم من شاتوبريان أو في مستواه على الأقل. ولم يصدقه أحد. فقد بدا لهم طموحه جنونيا أو مبالغا فيه أكثر من اللزوم.
ولكن المستقبل لم يكذّب نبوءته. فقد استطاع أن يصل إلى مستوى شاتوبريان بل ويتخطاه من خلال أشعاره الخالدة ورواياته التي لا تقل خلودًا، وبخاصة: رواية «البؤساء». ومعلوم أنها ترجمت إلى جميع لغات العالم، وأخرجت سينمائيًا ومسرحيًا مئات المرات. لكن لنعد إلى فيكتور هوغو الشاب أو المراهق من حيث قطعناه. ففي عام 1817، أي في الخامسة عشرة، كاد أن ينال جائزة الأكاديمية الفرنسية بفضل فصاحته وبلاغته في الكتابة. وهكذا تفتحت مواهبه مبكرًا. وفي عام 1819 خطب فتاة تدعى آديل فوشيه، وكانت رفيقة طفولته؛ لأن عائلتها كانت تسكن بجوار عائلته. وفي العام التالي نال راتبًا سنويًا من ملك فرنسا لويس الثامن عشر بعد أن نشر إحدى قصائده التي أعجبت الملك. وهكذا أمَن حياته ومورد رزقه في سن مبكرة جدا، وأصبح أحد شعراء البلاط.
وبين عامي 1822 و1850 ابتدأ صعود فيكتور هوغو نحو المجد. ولكن هناك قصة مأساوية نادرًا ما ينتبه إليها أحد، ألا وهي: أن أخاه الشقيق كان يحب ذات الفتاة التي خطبها أخوه! وعندما تزوجها فيكتور هوغو أصيب أخوه بالصرع، ثم الجنون. ولذلك؛ فقد سجنوه في المصح العقلي حتى مات. والسؤال المطروح هنا هو التالي: هل أثرت هذه القصة العائلية، أو هذه الفجيعة بالأحرى، على شخصية فيكتور هوغو؟ ألم تجعله يشعر بالخطيئة والذنب؟ لا يبدو ذلك واردا. فشخصية شاعر فرنسا الأكبر تبدو قوية جدا. ولكن هناك سؤالا آخر يطرح نفسه: لو أنه تخلى عن محبوبته لأخيه الذي كان مولهًا بها، أما كان قد أنقذه من الجنون؟ لماذا ضرب عرض الحائط بمشاعر أخيه؟ لماذا قهره وتغلب عليه بهذا الشكل؟ أسئلة كثيرة لا نجد جوابًا شافيًا عليها. ولكن لن تكون هذه أول فجيعة عائلية في حياة الشاعر الكبير، وإنما ستليها فجائع وجروح أخرى كثيرة. وفي عام 1825 أسس فيكتور هوغو أول حلقة رومانتيكية في فرنسا. ومعلوم أن الرومانتيكية كانت قد ظهرت في ألمانيا أولا، ثم في إنجلترا قبل أن تنتقل إلى فرنسا. وراح يكتب المسرحيات والأشعار التي تمشي في هذا الاتجاه، وتبتعد عن المدرسة الكلاسيكية في الأدب والتعبير. وفي مقدمة مسرحيته التي اتخذت عنوان «كرومويل» كتب فيكتور هوغو أول بيان للأدب الرومانتيكي في اللغة الفرنسية.
وفي عام 1830، أي في الثامنة والعشرين من عمره، أصبح فيكتور هوغو الزعيم المتوج للحركة الأدبية الجديدة بعد أن حصلت معركة كبيرة أمام المسرح الفرنسي بين أتباع الكلاسيكية وأتباع الروماتيكية. وانتصر التيار الثاني الذي كان يمثل الشبيبة والتجديد وروح العصر وحركة التاريخ. وقد اشتهرت هذه المعركة في تاريخ الآداب الفرنسية باسم «معركة هيرناني»: أي المعركة التي دارت حول المسرحية التي كتبها فيكتور هوغو تحت هذا الاسم. وهكذا بدا هذا الشاعر وكأنه حامل لواء التجديد في وجه خصومه من المحافظين والرجعيين من الناحية الأدبية... وفي عام 1831، أي في التاسعة والعشرين من عمره، نشر فيكتور هوغو أول رواية تاريخية له باسم: نوتردام باريس، أي كاتدرائية باريس. وفي العام ذاته نشر أيضا مجموعة شعرية بعنوان «أوراق الخريف»، وهو عنوان روماتيكي بامتياز كان لامارتين قد استخدمه كثيرًا أيضا في أشعاره. وهو من مجايلي فيكتور هوغو، أو أكبر منه بقليل. ومعلوم أن سقوط أوراق الشجر في فصل الخريف يثير أحزان الشعراء ويلهبهم حماسة لكتابة القصائد الشجية. وبالتالي، فالخريف روماتيكي أكثر من بقية الفصول. وعندما منعت الرقابة إحدى مسرحياته عام 1832 غضب الشاعر كثيرًا وألقى خطابًا مهمًا عن حرية التعبير أمام جمهور غفير. وقد صفقوا له طويلاً. وكانت تلك بداية نضاله من أجل نيل حرية التعبير والتفكير في فرنسا. وسيكون الطريق إليها طويلاً. وفي عام 1833 حصل له لقاء مع امرأة تدعى: جولييت درويه. وستصبح عشيقته، بل وأقرب إليه من امرأته الشرعية. وقد رافقته طيلة حياته كلها ولعبت دورًا كبيرًا في حمايته والدفاع عنه والتأثير عليه. بل ونجّته من محاولة اغتيال شبه مؤكدة. وكانت في الأصل ممثلة على خشبة المسرح. ولكنها تخلت عن فنها ومهنتها وكل مشاريعها لكي تكرس نفسها له، وله وحده. فقد عرفت منذ البداية بأنه عبقري وأنه في حاجة إلى امرأة من نوعيتها لكي تتفتح عبقريته. وقد كتب لها آلاف الرسائل على مدار خمسين سنة من حياتهما المشتركة. ثم نشرت هذه الرسائل في مجلدات بعد موتهما.
وفي عام 1836 رشح فيكتور هوغو نفسه للأكاديمية الفرنسية، لكنها رفضته وفضّلت عليه كاتبًا يدعى «دوباتي»، ثم كاتبًا آخر يدعى «مينيه». فهل سمع أحد بهذين الاسمين يا ترى؟ هل يعنيان لكم شيئا؟ ولكننا نعلم أن الأكاديمية الفرنسية رفضت أيضًا شارل بودلير، وبلزاك، وفلوبير، وعشرات الكتاب الآخرين الذين أصبحوا مجد فرنسا الأدبي لاحقًا. وبالتالي، فلا ينبغي أن يحزن فيكتور هوغو كثيرًا لهذا الرفض. نقول ذلك وبخاصة أنها عادت وقبلته لاحقًا بعد أن فشل ثلاث مرات في الدخول إليها. لقد قبلته أخيرًا مع المحاولة الرابعة عام 1841. وفي عام 1848 دخل شاعر فرنسا الكبير معترك السياسة لأول مرة، حيث انتخبوه نائبا عن باريس. وألقى أول خطاب سياسي له في البرلمان الفرنسي، داعما ترشيح نابليون الثالث إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية، وهو دعم سيندم عليه لاحقًا أشد الندم. ثم بعد ذلك بعام واحد حصل تحول خطير في حياة فيكتور هوغو؛ فقد انتقل فجأة من جهة السلطة إلى جهة المعارضة، أو من جهة اليمين البورجوازي إلى جهة اليسار العمالي. ففي السابق كان دائما مدللا من قبل السلطة، وكان يحظى بالرواتب الملكية والأوسمة والهدايا، أما الآن فقد انتقل إلى جهة الشعب بعد أن شاهد أحوال المصانع والعمال البؤساء في الشمال الفرنسي. لقد رأى الفقر المدقع لأول مرة بأم عينيه، فقر لا يحتمل ولا يطاق. وصعقه الأمر؛ لأنه لم يكن يعرف حقيقة الوضع قبل ذلك، كان يعيش في الأجواء المترفة والقصور. ولهذا السبب غيّر موقفه من زعيم اليمين الفرنسي نابليون الثالث، ابن أخ نابليون الحقيقي، ووقف في وجهه مصرحا بأنه طاغية، الشيء الذي اضطره إلى الهرب إلى بلجيكا لفترة قصيرة.
وهكذا أثبت فيكتور هوغو أنه ليس شاعرًا ذاتيا أو رومانتيكيا فقط، وإنما رجل سياسي منخرط في هموم عصره وقضاياه. إنه مفكر بقدر ما هو شاعر، ونظري بقدر ما هو عملي. بدءا من تلك اللحظة ستتشكل شخصية فيكتور هوغو التي نعرفها: أي شخصية رجل التنوير الأول في عصره، شخصية الرجل المدافع عن قضايا الشعب وضرورة تثقيفه وتعليمه ورفع مستواه. وهذا ما سيشكل عظمته لاحقا، حيث جمع المجد من كل أطرافه: أي مجد التجديد الأدبي والشعري، ومجد النضال السياسي والفكري، ومجد النضال من أجل الحريات الحديثة وحقوق الإنسان. ولهذا السبب احتل مكانة في تاريخ فرنسا لم يحتلها أي أديب آخر باستثناء فولتير وجان بول سارتر. وفي عام 1850 ألقى خطابًا شهيرًا في الجمعية الوطنية الفرنسية (أي البرلمان) عن حرية التعليم، وحرية الصحافة، وضرورة إعطاء حرية التصويت للشعب ككل، وليس فقط للأعيان والنخب القائدة والطبقة البورجوازية. وراح يدافع عن الشعب في كل مكان. وفي عام 1851 عندما عرف أن الديكتاتورية ستنتصر في فرنسا، وأنها ستتجسد في شخص نابليون الثالث الذي قام بانقلابه الشهير على النظام الجمهوري أعلن العصيان ونزل إلى الشارع لمقاومة الانقلاب. وكاد أن يُقتل في إحدى المرات لولا أن عشيقته جولييت دروو مع بعض الأصدقاء المخلصين كانوا يسهرون عليه فهرَّبوه سرًا إلى خارج البلاد؛ لكي لا يحصل له أي مكروه. وكان ذلك بواسطة جواز سفر مزور. وهكذا، ابتدأت حياة المنفى لفيكتور هوغو، وهي حياة ستستمر نحو العشرين سنة. وفي أثنائها كتب أجمل قصائده ومؤلفاته. وفيها أيضًا أنجز روايته الخالدة «البؤساء». وبالتالي فلم يكن منفاه عقيمًا ولا سلبيًا، على العكس.
ولكن بعد سقوط الإمبراطور الديكتاتور عاد فيكتور هوغو إلى فرنسا عودة الأبطال، حيث استُقبل بشكل جماهيري وشعبي في العاصمة الفرنسية. وكانت تلك بداية أسطورته. ولكن القدر الذي خلع عليه، كل هذه الأمجاد وجّه له ضربات موجعة أيضًا. فقد مات ابنه البكر في عز الشباب، ولحقه الابن الثاني. وهذا يعني أنه دفن ولديه حيا بدلا من أن يدفناه. وأصيبت ابنته الثانية بالجنون، وماتت ابنته الأولى غرقا وهي في التاسعة عشرة فقط. بل ومات زوجها الشاب معها لأنه حاول إنقاذها فلم يفلح. وكان ذلك مؤثرا جدا.
فقد كان بإمكانه أن يبقى على قيد الحياة ولا يخاطر بنفسه. ولكنه فضّل أن يموت معها على أن يبقى حيا بعدها. هذه القصة دمرت فيكتور هوغو، صعقته صعقا. وقد انعكس ذلك على أشعاره وكتاباته بكل قوة وراح يتفجع عليها تفجعا. وكل هذه الجراحات، أو ضربات القدر، ستنعكس على أشعاره وكتاباته اللاحقة. وبالتالي، فلم يكن سعيدا إلى الحد الذي نتصوره. صحيح أن فرنسا كلها صفقت له. صحيح أنه حظي بنجاح أدبي لم يسبق له مثيل. ولكنه دفع ثمن شهرته وأمجاده غاليًا.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي