رحلة الحصار والتهجير من مدينة حلب كما يرويها آخر المغادرين

كانت أشبه بسجن كبير تضيق جدرانه تدريجيا... والموت يختار منهم العشرات كل يوم

أعداد كبيرة من السكان من حلب الشرقية ينتظرون أمام الحافلات لإجلائهم خارج المدينة المحاصرة (تصوير: محمد الخطيب)
أعداد كبيرة من السكان من حلب الشرقية ينتظرون أمام الحافلات لإجلائهم خارج المدينة المحاصرة (تصوير: محمد الخطيب)
TT

رحلة الحصار والتهجير من مدينة حلب كما يرويها آخر المغادرين

أعداد كبيرة من السكان من حلب الشرقية ينتظرون أمام الحافلات لإجلائهم خارج المدينة المحاصرة (تصوير: محمد الخطيب)
أعداد كبيرة من السكان من حلب الشرقية ينتظرون أمام الحافلات لإجلائهم خارج المدينة المحاصرة (تصوير: محمد الخطيب)

انتهى حصار مدينة حلب السورية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لكن حكايات أهل المدينة لم تنتهِ مع رحيلهم عنها. فقد عاش السكان الذين اختاروا في نهاية الأمر الرحيل مرغمين، بعد حصار دام نحو خمسة أشهر، تجارب صعبة لا تقتصر على فقدان المواد الغذائية والطبية، بل معايشة الموت في كل لحظة حتى بات «الموت أهون من الإصابة»، فضلت المكوث لآخر أيام الحصار ولأيام الإجلاء التي لم تكن تقل صعوبة عن الحصار بسبب ما اعتراها من قلق وترقب وتوتر، هنا أقدم يومياتي التي دونتها منذ 23 نوفمبر (تشرين الثاني)... وحتى يوم خروجي في مؤخرة آخر الباصات المغادرة من المدينة التي قد لا أراها لسنين قد تكون طويلة.
إدلب – سوريا، وأخيرًا بات بوسعي الكتابة من جديد، كهرباء! وإنترنت! وفنجان من القهوة... يا إلهي... كم هو سهل الحصول عليها هنا!
هذه أولى الحروف التي أكتبها خارج مكتبي، على غير العادة، خارج الحصار، وبعيدًا عن مدينتي حلب.
انتهيت للتو من ترتيب ما وسعته حقيبتي، التي حشرت فيها أغلى ما لدي، والآن اسمحوا لي أن أستجمع ذاكرتي وأقص عليكم: حكاية تهجيرنا من حلب.
ليلة 23 من نوفمبر الماضي، نجتمع حول سفرة الطعام أنا وأربعة من رفاقي، حسن، وعارف، وزياد، ونمر. الضوء خافت للغاية، فلا كهرباء، فقط ضوء صغير على البطاريّة، بالكاد يبدد ظلام الغرفة، لكنه يكفي لأن أرى قدر «المجدرة» الواسع، إلى جانبه كأس الماء وخمس معالق.
أبتلع الطعام مرغما، فقد سئمت تناول هذه الطبخة، لكن لا خيار آخر أمامي لمقاومة الجوع. المواد الغذائية اختفت من الأسواق، بسبب الحصار المفروض من قبل النظام، لم يبق لدينا سوى كمية ادخرناها من البرغل والأرز والعدس، أصبحت طعامنا اليومي.
الحصار كان قد دخل شهره الرابع، فقد أكلمت قوات النظام والميليشيات الإيرانية الطوق على الأحياء الخاضعة لسيطرة الثوار، في 17 يوليو (تموز)، عندما سيطرت على طريق «الكاستلو»، ومنعت دخول أي شيء إلى الأحياء المحاصرة، من مواد غذائية وطبية أو محروقات، فكان الوضع يزداد سوءا يومًا بعد يوم مع نفاد المؤن.
تأمين الاحتياجات اليومية في ظل الحصار كان يشغل معظم وقتنا وتفكيرنا، وبينما نتناول «المجدرة» كنا نتناقش: كيف سنتغلب على برد الشتاء؟ يقطع حديثنا أصوات القصف، ننبطح لا إراديا في كل مرّة، ليتحول حديثنا عما كان سبب الانفجار: هل هي قذيفة؟ أم غارة جويّة؟ أم صاروخ أرض - أرض؟ أم برميل؟ أم قنبلة عنقودية؟ كان القصف شديدًا، وبأنواع كثيرة من الأسلحة. قوات النظام السوري وحلفائه يكثفون القصف على الأحياء الخاضعة لسيطرة الثوار في حلب منذ 15 نوفمبر، تمهيدًا لاجتياح بري واسع، والقتلى من المدنيين بالعشرات يوميًا، كان بينهم واحد منا، زياد...
فبعد أن انتهينا من العشاء، نزل إلى الشارع، لا أدري ما كان لديه، فقدناه لساعة فقط، لكنها كانت كفيلة بأن تثير قلقنا، ونحن نسمع أصوات القصف الذي لم يهدأ منذ الصباح. توجهنا إلى مشفى القدس، المشفى الوحيد الذي بقي قيد الخدمة في حلب كلها، لا يبعد عن مكان إقامتنا سوى 300 متر، لكن اجتياز هذه المسافة بحد ذاته انتحار، في الوقت الذي تنهال القذائف على المشفى ومحيطه.
في قسم الإسعاف كان العشرات من المصابين يفترشون الأراضي، الدماء تسيل منهم، يصرخون، يتألمون، والأطباء يطوفون بينهم ليقدموا الإسعافات الأولية... تفقدتهم كلهم، لم يكن زياد بينهم، ولا من بين خمسة شهداء كانوا موضوعين بالغرفة المجاورة.
أخبرونا أن هنالك شهداء جرى نقلهم إلى هيئة الطبابة الشرعية، على الفور توجهنا إلى هناك، الطريق مظلم، والطائرة تحوم في الأعلى، لا نستطيع تشغيل ضوء السيارة حتى لا تقصفنا الطائرات، وطول طريقنا كان أخوه يدعو قائلا: «يا رب الطف».
في مقر هيئة الطبابة، كان هنالك جثمانان، وضعا كـ«مجهولي هوية»، لم أستطع التعرف على زياد، أخوه عرفه بسهولة، كان قد أصيب في رأسه، اختفت كل ملامحه، فقط «قداحة» كانت في جيبه يستخدمها في إنارة طريقه أكدت أنه هو... زياد، الشاب الخلوق، البسيط.
دفن زياد في اليوم التالي، لكن منذ ذاك اليوم شعرت أن الموت قريب مني، قريب للغاية، صرت موقنًا أنه مدركني أكثر من أي وقت مضى، زاد خوفي. القصف كان الأشد منذ اندلاع الثورة، كنت شاهدًا على مجازر فظيعة، لكنني خلال هذه الحملة لم أجرؤ على مغادرة شقتي، المصابون يبقون ساعات دون أن يسعفهم أحد، والعشرات دفنوا تحت أنقاض منازلهم، أما الدفاع المدني فقد توقف عن الخدمة هو الآخر بشكل تام في 28 نوفمبر بسبب قصف مراكزه. صار الموت أرحم من الإصابة!
مع تواصل القصف، بدأت قوات النظام والميليشيات الإيرانية بالتقدم في الأحياء المحاصرة، لكن سقوط حي مساكن هنانو في 27 نوفمبر كان مدويًا، فهو أكبر وأشد الأحياء الشرقية تحصينًا، عند ذلك بدأت الأحياء الخاضعة لسيطرة الثوار تتساقط كأحجار الدومينو.
حلب كانت أشبه بسجن كبير، تضيق جدرانه تدريجيا. السكان المحاصرون يحاول النجاة قدر المستطاع، لكن الموت المحمول على الطائرات والقذائف يختار منهم العشرات في كل يوم. ظلّ الحال هكذا... تواصل القصف وكانت رقعة الحصار تضيق أكثر مع تقدم النظام وحلفائه، بينما ينزح الشباب ومن له صلة بالثورة إلى ما تبقى من مناطق الحصار... حتى جاء ذاك اليوم، 13 ديسمبر يُعلن عن التوصل لهدنة بين الثوار والنظام بوساطة روسيّة تركية، والاتفاق: فتح ممر لخروج الأهالي ومقاتلي الثوار من حلب، على أن تسيطر قوات النظام على كامل المدينة.
من جديد... عاد الهدوء للأحياء المحاصرة، التي قضم التقدم السريع للنظام وحلفائه الغالبية من مساحتها، لم يبق سوى 5 كيلومترات مربعة تحت سيطرة الثوار، من دوار جسر الحج حتى أقصى حي السكري وصولاً إلى سيف الدولة، يقطنها 50 ألف شخص. أجول فيما بقي من الأحياء المحاصرة خلال أيام الهدنة، أتأمل الشوارع والمباني المدمرة ووجوه المحاصرين المتعبة، كانت غالبيتهم من الشباب، حالهم كحالي تمامًا: يلوذون إلى ما بقي من الأحياء المحاصرة هربًا من الاعتقال أو التجنيد الإجباري في جيش النظام.
الخامس عشر من ديسمبر، كان أول أيام الإجلاء أو التهجير كما أراه الوصف الأدق للعملية، نزلت صباحًا لألقي نظرة، الشوارع الفارغة باتت مزدحمة للغاية. كل عائلة تحزم حقائبها وتنطلق أفواجًا كمجموعات تجاه المعبر في حي العامريّة. الذي سينقلهم خارج الحصار، تجاه إدلب الخاضعة لسيطرة الثوار.
طابور طويل من الباصات يمتد على طول المعبر، تتقدمه ما يزيد عن 30 سيارة إسعاف، الهلال الأحمر والصليب الدولي يشرفان على العملية، يأخذ بعض الأهالي «السلفي» الأخير قبل الصعود إلى الباصات، ويتبادلون العناق.
على طرف الطريق يجلس رجل خمسيني على كرسي متحرك، يتنعم بدفء أشعة الشمس، أصيب مرتين بالقصف الجوي، آخرها في نوفمبر الماضي، بترت ساقه، وردًا على سؤالي، ما هو شعورك وأنت ستغادر حلب، يجيب بصوت متقطع: «يفترض أن أكون سعيدا لأنني نجوت من هذه المحرقة... لكنني لست كذلك... آلمتني حلب، خسرت قدمي بالقصف، وفقدت أحد أبنائي قبل سنة، واليوم أخسر كل شيء إلا روحي: أرضي، ومنزلي، ومدينتي».
تأتي زوجة الرجل وتصحبه تجاه سيارات الإسعاف، تغادر أول قافلة من مدينة حلب، وتصل بسلام إلى مناطق الثوار في غرب حلب، أشعر بالارتياح لوصول القافلة. وتتواصل عملية الإجلاء، وفي كل يوم كنت أذهب إلى المعبر أتفقد الوضع وأودع الأصدقاء، لكنني فضلت البقاء حتى آخر قافلة، أردت البقاء لآخر وقت ممكن.
الاثنين، 19 ديسمبر، كان اليوم الأخير لنا في حلب، آخر قافلة ستغادر المدينة اليوم، في الصباح الباكر، عند السادسة صباحًا، أحمل في حقيبتي أهم الأغراض عندي، جهاز الكومبيوتر المحمول والكاميرا والشهادات الثبوتية، وأمضي مشيًا تجاه المعبر، البرد شديد للغاية لكنني أمشي ببطء، ألقي النظرة الأخيرة على مدينتي، شوارعها وحاراتها، ربما لن أعود إلى هنا لسنين.
عند المعبر، كان الأهالي والمقاتلون يشكلون دوائر حول نيران أشعلوها للتدفئة، بانتظار وصول الباصات، البخار يتصاعد من أفواههم ويتبادلون الأحاديث، أسمع أحدهم وأنا أتابع طريقي «سأذهب إلى أوروبا في أقرب فرصة ممكنة»، يجيبه آخر: «خير ما تعمل!».
أودع أصدقائي، أصدقاء الحصار، لن نجتمع مجددًا، كل منا سيمضي إلى مكان مختلف، إدلب وأوروبا أو تركيا، أصعد الباص، أجلس في آخر المقاعد، أحاول النوم بانتظار أن ينتهي الهلال الأحمر من ترتيبات العملية لكنني لم أستطع، كنت متوترًا للغاية.
أشاهد أطلال المدينة من نافذة الباص، الجليد كسا الأبنية المدمرة، التي تداعبها أشعة الشمس اللطيفة، لا أفكر بشيء سوى هل سنعبر بسلام؟ لا سيما أن الميليشيات الإيرانية اعترضت إحدى الدفعات في 16 ديسمبر، قتلت ثلاثة أشخاص، احتجزت الشباب وسرقت كل حاجياتهم وأموالهم.
انتظرنا طويلاً داخل الباصات، لكن المفاوضات تعثرّت، توقفت عملية الإجلاء، إلا أن الجميع بقي في المعبر على أمل أن تستأنف العملية، انتظرنا ساعات إلى أن حلّ الظلام، هنا أدركنا باستحالة استئناف العملية.
عدت أدراجي إلى المنزل، حاملاً حقيبتي، والتعب والجوع أنهكا جسدي، لا أدري كيف حملتني قدماي إلى المنزل الذي كان عبارة عن كومة من الفوضى، أسكت جوعي برغيف خبز، من صنع أحد أصدقائي، لم أنم لبضع ساعات حتى عدنا للمعبر من جديد.
سيستأنف الإجلاء من جديد، هكذا قيل لنا، لا توجد وسائل اتصال، لذلك فأنا مجبر على الانتظار في المعبر، حتى لا يفوتني الإجلاء الأخير، انتظرنا ساعات وساعات، البرد شديد للغاية، بدأ الثلج بالهطول، قتل الانتظار حزننا على فراق حلب، فصار الخروج منها مدعاة فرح، الجميع يريد الخلاص. لكن ومع كل هذا الانتظار استمر تعثر المفاوضات، إيران تريد وضع شروط إضافية، وفصائل الثوار ترفض.
حتى يوم الأربعاء 21 ديسمبر، الساعة الرابعة عصرًا، تستأنف العملية، بعد رضوخ الميليشيات الإيرانية للأمر الواقع، الازدحام شديد في المعبر، ثلاثة أرتال من السيارات تتقدمها الكثير من الباصات ستغادر المدينة، الثلوج والبرد عطلا الكثير من السيارات، الأمر الذي عرقل العملية.
ثلاث عشرة ساعة حتى جاء دورنا، كنا نتقدم ببطء، حتى وصلنا آخر نقطة للمعارضة عند الساعة الخامسة صباحًا. 22 ديسمبر، الآن وصلنا مناطق سيطرة النظام، التي لم أدخلها منذ عام 2012 خشية اعتقالي من قبل أجهزة الأمن، بسبب مشاركتي في المظاهرات ضد النظام.
تزداد نبضات قلبي، التوتر بادٍ على الشاب الذي بجواري، فبدأ يهز قدميه، حاجز للجيش الروسي من أربعة عناصر، يلقي نظرة على القافلة، ننتظر لدقائق وتتحرك الباصات ببطء شديد، سيارات الهلال الأحمر على طول الطريق، وحدها التي تشعرني بشيء من الأمان.
أشاهد أبنية حي الحمدانية على يمين الطريق، وعلى يساره منطقة 1070 شقة، التي شهدت طوال الأشهر الماضية معارك عنيفة بين الثوار والنظام، في سعي الثوار لفك الحصار عن حلب، دون أن تفلح.
أخيرًا نصل منطقة الراشدين، نحن الآن في مناطق الثوار! آخذ نفسًا طويلاً، وكأن جبلا كان جاثمًا على قلبي وتهدم، الحياة بعثت إلي من جديد، أنا خارج الحصار!!
كنت ساعتها سعيدا للغاية، نجوت من آلاف الغارات الجوية، وانتهيت من معاناة البحث عن الطعام والماء كل يوم، انتهيت من ساعات الرعب اليومية مع القصف.
أما الآن وأنا أكتب هذه الكلمات فلست كذلك، صرت منفيا عن مدينتي بعيدًا عنها وعن ذكرياتي... لم يعد يجمعني بهم سوى... صور.



سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.


اليمن: الزنداني رئيساً للوزراء... وبن بريك مستشاراً للعليمي

تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
TT

اليمن: الزنداني رئيساً للوزراء... وبن بريك مستشاراً للعليمي

تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)

قرَّر الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، تعيين الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء خلفاً لسالم بن بريك، وتكليفه بتشكيل الحكومة.

وتضمن القرار، بحسب وكالة الأنباء الرسمية (سبأ)، استمرار الحكومة الحالية بتصريف الأعمال باستثناء التعيين والعزل، إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.

من جانب آخر، قرَّر رئيس مجلس القيادة تعيين سالم بن بريك مستشاراً له للشؤون المالية والاقتصادية، بعد قبول استقالة حكومته لفتح المجال أمام تشكيل حكومة جديدة.

وينسجم التشكيل الجديد مع «التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً على صعيد جهود استعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز وحدة القرار السيادي، والتوجهات الرامية نحو ترسيخ قيم الشراكة، والمسؤولية الجماعية، والمضي قدماً في برنامج الإصلاحات الشاملة، ومكافحة الفساد، وتوحيد جميع الجهود حول هدف استعادة مؤسسات الدولة، وإسقاط الانقلاب».

وذكرت الوكالة أن العليمي أشاد خلال لقائه بن بريك، بجهود رئيس وأعضاء الحكومة، في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنقدي خلال الفترة الماضية «رغم الأزمة التمويلية الحادة التي فاقمتها هجمات الميليشيات الحوثية الإرهابية على المنشآت النفطية بدعم من النظام الإيراني».