رسائل طمأنة من المركزي الأوروبي: أسعار الطاقة لن تُخرج التضخم عن السيطرة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
TT

رسائل طمأنة من المركزي الأوروبي: أسعار الطاقة لن تُخرج التضخم عن السيطرة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

قال أولاف سليغبن، محافظ البنك المركزي الهولندي، إن ارتفاع أسعار الطاقة، هذا الأسبوع، لا يكفي لتغيير وضع البنك المركزي الأوروبي الحالي، الذي وصفه بـ«الجيد»، مؤكداً أن البنك قادر على تحمّل تجاوز طفيف لهدفه التضخمي.

وأضاف سليغبن في مقابلة مع «رويترز» أن البنك استخلص دروساً من موجة التضخم في 2021-2022، لكنه شدد على ضرورة توخي الحذر عند إجراء مقارنات مع الوضع الحالي؛ لأن صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب الإيرانية تختلف جوهرياً عن التجارب السابقة، وفق «رويترز».

وارتفعت أسعار النفط والغاز، هذا الأسبوع، نتيجة تعطل الإمدادات بسبب النزاع في الشرق الأوسط؛ ما عزز توقعات التضخم، وأثار المخاوف من احتمال اضطرار البنك المركزي الأوروبي لتشديد سياسته النقدية للحد من استمرار ارتفاع الأسعار.

وأوضح سليغبن: «مع أنني لن أستخدم مصطلحي (الوضع المثالي) أو (لوضع الأمثل) بعد الآن، إلا أن رأيي بشأن الوضع الحالي لم يتغير جذرياً، فهو لا يزال جيداً». وأضاف أن كل شيء يعتمد على كيفية تطور الصراع، مؤكداً أنه حتى إذا لم تُجرَ تغييرات في السياسة النقدية خلال اجتماع 19 مارس (آذار)، فإنه ينبغي للبنك مناقشة تحليل الحساسية لتوقعاته الجديدة أو استعراض سيناريوهات بديلة.

وأشار سليغبن أيضاً إلى أن البنك قد يتسامح مع تجاوز طفيف ومؤقت لهدف التضخم البالغ 2 في المائة، تماماً كما كان يتسامح مع معدلات أقل من 2 في المائة خلال الأشهر الماضية، مضيفاً: «يجب أن نكون متسقين ومتوازنين، فلا نولي أهمية أكبر لأي تجاوز أو تقليل للهدف».

وشهدت توقعات السوق تقلبات، هذا الأسبوع، لكن المستثمرين يرون احتمالاً بنسبة 50 في المائة أن يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة بحلول نهاية العام للحد من ضغوط الأسعار. وتشير التقديرات الأولية إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يرفع التضخم إلى نحو 2.5 في المائة، مع خطر أن يصبح هذا الارتفاع راسخاً إذا بدأت الشركات في تعديل آليات التسعير والأجور.

وأكد سليغبن أن تجربة 2021 - 2022 تحمل دروساً للبنك المركزي الأوروبي، لكنها تختلف عن الظروف الحالية، خصوصاً مع تشديد السياسات النقدية والمالية بالفعل. وشدد على أهمية إدراك مخاطر الصدمات المتعلقة بالعرض، والتي يصعب التعامل معها من منظور السياسة النقدية، وقد تؤثر في ديناميكيات التضخم عند نقطة معينة.

الثقة بقيادة «الفيدرالي»

رفض سليغبن الدعوات لمراجعة اعتماد البنك المركزي الأوروبي على الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، مشيراً إلى أن البنوك المركزية تعتمد عليه لتوفير السيولة الدولارية في أوقات الأزمات، مؤكداً: «أثق ثقة كبيرة بعلاقتنا مع القيادة الحالية للاحتياطي الفيدرالي فيما يتعلق بهذا الترتيب، ولديَّ ثقة مماثلة بقيادته المستقبلية». وأضاف أنه لا يوجد سبب لإعادة النظر في إيداع جزء من احتياطيات البنك المركزي الهولندي من الذهب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

إسكريفا: المركزي الأوروبي لن يرفع الفائدة

من جهته، قال خوسيه لويس إسكريفا، مسؤول السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي، يوم الجمعة، إن البنك من غير المرجح أن يُغيّر أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، مؤكداً أن أي قرارات ستُتخذ على أساس كل اجتماع على حدة.

وأوضح إسكريفا في مقابلة مع قناة «تي في 3» التلفزيونية الكتالونية أن البنك يحتاج إلى مزيد من الوقت لتقييم الأثر الكامل للحرب في الشرق الأوسط قبل اتخاذ أي قرار. وأضاف: «بناءً على المعلومات المتوفرة لديَّ، أعتقد أنه من غير المرجح أن نُعدّل أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل»، مشيراً إلى أن «الحرب ستترك آثاراً بالفعل، لكن يمكن افتراضها مسبقاً».

وأكّد أن هذه الآثار قد تكون محدودة للغاية إذا انتهت الحرب قريباً: «التأثيرات على ما يهم المستهلكين - الأسعار اليومية - لا تتجاوز عُشراً في المائة، لا أكثر من ذلك».

وتؤدي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي امتدت إلى دول أخرى في الخليج، إلى تهديد رفع التضخم وإعاقة النمو البطيء في منطقة اليورو، من خلال زيادة تكلفة الطاقة وتعطيل سلاسل التوريد.

وأضاف إسكريفا: «هدفنا للتضخم البالغ 2 في المائة يُعد هدفاً متوسط الأجل، ولا ينبغي أن تدفعنا التحركات المؤقتة إلى اتخاذ قرارات فورية. بل تجب مراقبة الوضع، وتقييم مدى استمرارية هذه التأثيرات مع مرور الوقت».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير في فبراير (شباط)، مشيراً إلى ارتياحه للتوقعات، إلا أن الوضع شهد تغيراً ملحوظاً هذا الأسبوع مع اندلاع الحرب وارتفاع أسعار الطاقة. ويرى المستثمرون الآن احتمالات لرفع أسعار الفائدة بحلول ديسمبر (كانون الأول).

وأشار إسكريفا، الذي يشغل أيضاً منصب محافظ بنك إسبانيا، إلى أنه من السابق لأوانه تقييم أثر أي توقف محتمل للتجارة بين إسبانيا والولايات المتحدة عقب تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقطع العلاقات التجارية بسبب موقف إسبانيا من النزاع، مؤكّداً أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد.

كما صرّح بأنه لا يرى أي سبب لتأثر صفقة استحواذ بنك «سانتاندير» على بنك «ويبستر» الأميركي، والبالغة قيمتها 12.2 مليار دولار، رداً على سؤال حول هذا الخلاف السياسي، لأن الصفقة تستند إلى «قرارات تتخذها كيانات خاصة تخضع لإجراءات تنظيمية صارمة».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

أسواق السندات الأوروبية ترتفع مع تحسُّن شهية المخاطرة

تراجعت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو يوم الاثنين، مع تحسن شهية المخاطرة في الأسواق، عقب مؤشرات على إحراز تقدم في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

وونش من «المركزي الأوروبي»: رفع الفائدة في يوليو مطروح رغم تراجع أسعار الطاقة

أبقى بيير وونش، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، الباب مفتوحاً أمام احتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً في يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت - باريس )
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

سندات اليورو ترتفع وسط عودة التوترات الجيوسياسية وتشديد نبرة «المركزي الأوروبي»

ارتفعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو خلال تعاملات الجمعة، مدفوعة بارتفاع طفيف في أسعار النفط عقب إلغاء محادثات السلام الأميركية الإيرانية في سويسرا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مدخل «البنك المركزي النرويجي» في أوسلو (رويترز)

«المركزي النرويجي» يثبّت الفائدة عند 4.25 % ويلمّح لزيادة قريبة لمواجهة التضخم

أبقى «البنك المركزي النرويجي» سعر الفائدة الرئيسي عند 4.25 في المائة يوم الخميس، مع تأكيده مجدداً أن مسار السياسة النقدية يميل نحو مزيد من التشديد لاحقاً...

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

ترقب في الأسواق لخطوات حكومة اليابان لحماية الين

مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

ترقب في الأسواق لخطوات حكومة اليابان لحماية الين

مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

أبقت السلطات المالية اليابانية الأسواق في حالة ترقب بشأن التدخل المحتمل في سوق العملات يوم الاثنين، حيث يشير غياب الإشارات الواضحة إلى تحول محتمل في أساليب التواصل. وقالت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، يوم الاثنين، إن طوكيو «ستستجيب بشكل مناسب لتحركات العملة في أي وقت»، مكررةً عبارة تستخدمها السلطات بشكل روتيني بغض النظر عن مستويات الين. ويتناقض هذا مع بعض تصريحات كاتاياما السابقة، حيث قدمت تحذيرات أكثر حزماً، بما في ذلك قولها إن الحكومة لديها «حرية كاملة» للتدخل. وانخفض الين، الذي تضرر بشدة، إلى 161.7 مقابل الدولار، مقترباً من أدنى مستوى له في عامين الذي سجله الأسبوع الماضي. وسيؤدي تجاوز مستوى 161.96 إلى وصوله إلى أضعف مستوى له منذ عام 1986. وتترقب الأسواق أيضاً ما إذا كان أتسوشي ميمورا، كبير مسؤولي العملة في اليابان، سيدلي بتصريحاته. وعلى عكس كاتاياما، التي تعقد مؤتمرات صحافية منتظمة، يتحدث ميمورا بوتيرة أقل. ولذلك، تنظر الأسواق إلى تصريحاته على أنها إشارات سياسية مدروسة. وقد التزم ميمورا الصمت منذ أوائل مايو (أيار)، بعد فترة وجيزة من بيع اليابان للدولار في السوق لدعم الين لأول مرة منذ عامين تقريباً. وقبل ساعات من هذه الخطوة، قال إن وقت «اتخاذ إجراء حاسم» يقترب، مضيفاً أنها «تحذير أخير» للأسواق. وأكد مصدران حكوميان أن تحذيره لا يزال قائماً، مما يسلط الضوء على احتمالية تدخل مفاجئ. ويقول المحللون إن الحكومة ربما تُجري تعديلات متعمدة على نهجها التواصلي بعد أن سمحت رسائل ميمورا المُعلنة بوضوح للمضاربين بتصفية مراكزهم القصيرة في الين مُسبقاً، مما قلل من تأثير التدخل. وقال شوتا ريو، استراتيجي العملات الأجنبية في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «من المُرجح أن بعض المضاربين تمكنوا من الإفلات دون تكبد أي خسائر، لذا قد يتم تنفيذ التدخل التالي بشكل مفاجئ قدر الإمكان». وأضاف أنه مع غياب أي شعور بالإلحاح في تصريحات المسؤولين، قد تميل السوق إلى الضغط على الين للأسفل، لكن «يوجد حذر شديد بشأن التدخل المُحتمل». وأظهرت بيانات لجنة تداول السلع الآجلة، الصادرة يوم الجمعة، ارتفاعاً طفيفاً في صافي مراكز البيع على الين إلى 145,818 عقداً، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024.

وأوضح يوجي سايتو، المستشار التنفيذي في شركة «إس بي آي فوركس تريد»، أن تحول التوقعات نحو رفع أسعار الفائدة الأميركية، إلى جانب تجدد حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط التي تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، قد صعّب على المستثمرين تقليص مراكزهم الطويلة على الدولار في ظل غياب تهديد وشيك بالتدخل. وأضاف: «قد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى زيادة تأثير أي تدخل، حيث ستتحرك السلطات بينما لا تزال المراكز مرتفعة». وفي الأسبوع الماضي، انخفض الين إلى 161.8 ين مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى له منذ يوليو 2024، مما محا المكاسب التي تحققت بعد جولة التدخلات التي بدأت في 30 أبريل (نيسان). وقد أنفقت طوكيو مبلغاً قياسياً قدره 11.7 تريليون ين (72.44 مليار دولار) للتدخل في أسواق الصرف الأجنبي بين أواخر أبريل وأوائل مايو (أيار).ويؤدي ضعف الين المستمر إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم ضغوط الأسعار، في حين دفعت صدمة الطاقة الناجمة عن الشرق الأوسط أسعار الوقود إلى الارتفاع، مما دفع البنك المركزي إلى التحذير من خطر التخلف عن ركب التضخم. وصرح نائب محافظ بنك اليابان، ريوزو هيمينو، أمام البرلمان، يوم الاثنين، بأن التضخم قد يتجاوز هدف البنك البالغ 2 في المائة، مشيراً مجدداً إلى عواقب التأخر في رفع أسعار الفائدة.


رحيل المايسترو: اللحن الأخير للرجل الذي قاد اقتصاد العالم

غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)
غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)
TT

رحيل المايسترو: اللحن الأخير للرجل الذي قاد اقتصاد العالم

غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)
غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)

في الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) عام 2026، صمت واحد من أعقد العقول المالية في التاريخ الحديث. رحل ألان غرينسبان عن عمر يناهز المائة عام، بعد حياة طويلة لم تكن سوى رحلة فريدة بين نغمات الموسيقى ولغة الأرقام، صعد خلالها ليصبح واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم.

بدأت الحكاية في أحياء نيويورك القديمة وتحديداً في «واشنطن هايتس»، حيث كان هناك فتى نحيل يرتدي نظارات طبية سميكة يُدعى ألان. لم يكن كبقية أقرانه؛ فبينما كان الأطفال يعشقون لعبة البيسبول من أجل متعة اللعب والركض، كان ألان يعشقها لسبب مختلف تماماً: الإحصائيات.

كان يجلس على المدرجات وبيده دفتر صغير، يسجل فيه معدلات الضرب، ونسب الفوز، وتحركات اللاعبين. بالنسبة له، لم يكن العالم فوضى، بل كان سيمفونية ضخمة من الأرقام المنتظمة، وفق «بلومبرغ».

من مسرح السوينغ إلى دهاليز الاقتصاد

كبر ألان ولم يغادره شغفه بالرتم والنغم، فالتحق بمعهد «جوليارد» الشهير لدراسة الموسيقى. سرعان ما وجد نفسه عازفاً لآلة الكلارينيت والساكسفون في فرقة «هنري جيروم» لموسيقى السوينغ. كان يتنقل من مدينة إلى أخرى، يتقاضى ستة دولارات في الأسبوع، ويعزف جنباً إلى جنب مع أساطير الموسيقى.

لكن في الحافلة، بين الحفلات الموسيقية، لم يكن ألان يقرأ المجلات الفنية. كان يلتهم كتب الاقتصاد والمالية. اكتشف أن الاقتصاد يشبه الموسيقى تماماً: له إيقاع، وفيه توازن، وأي نغمة خاطئة قد تُفسد اللحن بأكمله.

قرر ألان أن يضع «الكلارينيت» جانباً، ليعزف على أوتار أكبر بكثير: اقتصاد الولايات المتحدة.

المايسترو وصدمات السوق

مرت السنوات، وأثبت ألان ذكاءً خارقاً في التنبؤ بالأزمات من خلال مراقبة تفاصيل صغيرة يهملها الجميع، مثل حركة شاحنات البضائع وصناعة صناديق الشحن. هذا الذكاء قاده في عام 1987 ليصبح رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو المنصب الذي يجعله عملياً «قبطان» السفينة المالية العالمية.

أُطلق عليه لقب «المايسترو».

عندما كان يتحدث، كان العالم بأسره يصمت لينصت. كانت كلماته غامضة ومدروسة بدقة؛ فلو قال كلمة إيجابية، انتعشت أسواق البورصة في طوكيو ولندن ونيويورك، ولو لمّح بالخطر، انكمشت الأسواق خوفاً. قاد الاقتصاد عبر فترات ازدهار تاريخية، وظن الجميع أنه الساحر الذي لا يخطئ أبداً.

ألان غرينسبان في صورة تعود إلى عام 2012 (رويترز)

اللحن الأخير والدرس القاسي

ولكن، كما هو الحال في بعض المعزوفات المعقدة، تأتي أحياناً نهاية غير متوقعة.

في سنواته الأخيرة قبل التقاعد، كان هناك «لحن خفي» يرتفع في الأفق دون أن يلتفت إليه أحد بجدية: فقاعة العقارات والقروض التي لا يستطيع الناس سدادها. آمن ألان بأن الأسواق قادرة على تصحيح نفسها بنفسها، لكن الإيقاع تفرّق هذه المرة. فبعد خروجه من منصبه بفترة وجيزة، انفجرت الأزمة المالية العالمية عام 2008، واهتز العالم بعنف.

وقف «المايسترو» العجوز يوماً أمام الكونغرس، وبكل شجاعة وصراحة، نظر إلى الحضور وقال: «لقد كنت مصيباً في 70 في المائة من الأوقات، لكنني أخطأت في 30 في المائة. لقد صُدمت لأن النظام الذي آمنت به لم يحمِ نفسه كما كنت أتوقع».

الغروب

في سنواته الأخيرة، عندما بلغ المائة من عمره، كان ألان يجلس في بيته الهادئ. لم يعد يتابع شاشات البورصة الحمراء والخضراء بنفس الشغف، بل عاد بالذاكرة إلى ذلك الفتى الصغير الذي كان يجمع إحصائيات البيسبول، وإلى الشاب الذي كان يعزف الكلارينيت في ليالي نيويورك الباردة.

رحل «المايسترو» تاركاً خلفه درساً عميقاً للبشرية: أن الاقتصاد، كالحياة تماماً، مهما حاولت ضبط أرقامه وقوانينه، سيبقى دائماً مليئاً بالمفاجآت التي لا يمكن لأي ساحر أن يتوقعها بالكامل.


بريطانيا تواجه شبح «بريكست» من جديد مع تصاعد مخاوف المال والأعمال

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
TT

بريطانيا تواجه شبح «بريكست» من جديد مع تصاعد مخاوف المال والأعمال

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

يواجه المستثمرون وقادة الأعمال في بريطانيا موجة جديدة من عدم اليقين السياسي تعيد إلى الأذهان حالة الاضطراب التي رافقت سنوات ما بعد استفتاء «بريكست»، وذلك عقب استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر، وفتح باب التنافس على زعامة الحزب الحاكم، في سباق ستتركز تداعياته على مستقبل السياسة الاقتصادية.

وأعلن ستارمر، الذي لم يمضِ على تولّيه المنصب سوى أقل من عامين بعد فوز كاسح لحزبه، أن باب الترشح لخلافته سيُفتح في 9 يوليو (تموز) المقبل، في حين أعلن مُنافسه آندي بورنهام خوضه السباق، وسط ترقب في الأسواق لاختيار وزير المالية المحتمل في الحكومة المقبلة، وهو المنصب الذي قد يلعب دوراً محورياً في رسم ملامح السياسة المالية.

تأتي هذه التطورات في وقتٍ تواجه فيه بريطانيا واحدة من أعلى تكاليف الاقتراض بين دول مجموعة السبع، نتيجة تراكم الديون وضعف النمو الاقتصادي وارتفاع الإنفاق العام، إلى جانب الضغوط المتزايدة على الموازنة العامة، بما في ذلك احتياجات الإنفاق الدفاعي.

ومن المتوقع أن تكون سوق السندات الحكومية البريطانية الأكثر حساسية لمسار المنافسة السياسية، في ظل ارتباط مباشر بين التوقعات المالية والاستقرار السياسي. وقد أسهم إعلان دعم وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، لبورنهام في تحركات محدودة بالأسواق، حيث تراجعت عوائد السندات وحقق الجنيه الإسترليني بعض المكاسب.

وقال مايكل ميتكالف، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في «ستيت ستريت ماركتس»، إن الانتقال السياسي يبدو، حتى الآن، منظماً، مشيراً إلى أن تصريحات بورنهام بشأن الالتزام بالقواعد المالية تهدئ مخاوف الأسواق نسبياً، لكنها لا تزال بحاجة إلى وضوحٍ أكبر بشأن السياسات الفعلية وتأثيرها على النمو.

وفي أسواق المراهنات، أظهرت بيانات «بولي ماركت» ارتفاع احتمالات اختيار ويس ستريتينغ وزيراً للمالية ضِمن حكومة بورنهام، رغم محدودية حجم التداول، ما يعكس حالة من الترقب وعدم اليقين بشأن التشكيلة الاقتصادية المحتملة.

على صعيد الأسواق، استقر الجنيه الإسترليني عند 1.324 دولار، بعد أن كان قد سجل 1.318 دولار، في وقت سابق، بينما تراجعت عوائد السندات البريطانية لأجَل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى نحو 4.82 في المائة، لتظل قريبة من أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ما يعكس استمرار الضغوط على أدوات الدين السيادي.

في المقابل، ارتفع مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 0.4 في المائة، بينما تراجع مؤشر «فوتسي 250» الذي يركز على الشركات المحلية بنحو 0.3 في المائة؛ في إشارة إلى تباين أداء الأسهم بين الشركات متعددة الجنسيات والاقتصاد المحلي.

وقال جيريمي ستريتش، رئيس استراتيجية عملات مجموعة العشر في بنك «سي آي بي سي»، إن الأسواق تتساءل عما إذا كان انتقال السلطة سيكون سلساً أو تنافسياً، موضحاً أن سيناريو «التتويج» قد يدعم السندات ويُبقي الجنيه مستقراً نسبياً.

ورغم هذا الهدوء النسبي، يبقى المستثمرون حذِرين تجاه الأصول البريطانية، في ظل استمرار المخاوف من هشاشة المالية العامة وتاريخ من التقلبات السياسية منذ «بريكست» الذي يقترب من ذكراه العاشرة.

ويرى محللون أن بورنهام يميل إلى توجهات يسارية أكثر، مقارنة بستارمر، ورغم تعهده بالالتزام بالقواعد المالية الصارمة لوزيرة المالية الحالية راشيل ريفز، فإن الأسواق ما زالت تنتظر إشاراتٍ أوضح بشأن السياسة الضريبية والإنفاق العام.

في هذا السياق، أشار محللون إلى احتمال لجوء الحكومة المقبلة إلى فرض ضرائب إضافية على القطاع المصرفي لتعزيز الإيرادات، في وقتٍ تُحقق فيه البنوك أرباحاً قوية.

وقال جيمس أثي، مدير محافظ الدخل الثابت في «مارلبورو»، إن الأسواق تميل إلى اختبار مصداقية أي قيادة جديدة، من خلال مدى التزامها بانضباط مالي واضح، خصوصاً في ظل حساسية سوق السندات البريطانية تجاه أي إشارات توسعية في الإنفاق.