قضايا البيئة ومصاعب الحياة تسود «صندانس» هذا العام

انطلاق الدورة الـ33 وسط سجالات سياسية شائكة

آل غور يزور الهند في فيلمه الجديد
آل غور يزور الهند في فيلمه الجديد
TT

قضايا البيئة ومصاعب الحياة تسود «صندانس» هذا العام

آل غور يزور الهند في فيلمه الجديد
آل غور يزور الهند في فيلمه الجديد

بينما كانت مفاتيح البيت الأبيض تسلم إلى الرئيس الجديد دونالد ترمب بين حشود مؤيدة ومعارضة كان مهرجان صندانس يلج أسبوعه الأول بكل ثقة.
في دورته الجديدة التي تمتد ما بين 19 و29 من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، يعيد المهرجان طرح نفسه كناشط أساسي في دفع الأفلام الأميركية والعالمية التي تبحث عن حلم السوق الأميركية إلى مجهر كبير تحت تصرّف الحاضرين. إنه مهرجان محوري ينطلق في مطلع العام (بعد أيام من انتهاء مهرجان بالم سبرينغز) ليقدّم لا الجديد بالمطلق فقط (معظم أفلامه لم تشهد أي عرض عالمي فقط) بل المختلف والمعبّـر عن سينمائيين جدد لديهم ما يعرضونه من فن ورسالات.
والرسالات أثبتت، عبر 32 دورة سابقة، أهميتها. ليس أن كل الأفلام المعروضة لديها مضامين تدور في رحى الواقع والسياسة وما بينهما من مسائل، بل ما يعرض منها أصبح كافيًا لإثارة توقعات المشاركين بأن هناك قائمة من الأفلام الجادة لا بد من مشاهدتها لمن يريد أن يتعرّف على ما الذي يحدث اليوم في هذا العالم الذي نعيش فيه.
* ردفورد يحذّر
رئيس المهرجان الممثل والمخرج روبرت ردفورد كان محور الاهتمام الأول لدى الإعلاميين والصحافيين المشاركين كونه من أشهر الليبراليين من وجوه السبعينات كما تدل على ذلك اختياراته من الأفلام التي مثلها في ذلك الحين: «كل رجال الرئيس»، «كيف كنا»، «ثلاثة أيام من الكوندور» وسواها. إلى جانبه في هذا الخيار من وجوه السبعينات وورن بايتي ودستين هوفمن وجاك نيكولسون وجين فوندا، لكن في حين أن المذكورين متوارون غالبًا، لا يزال ردفورد، وهو اليوم في الثمانين من عمره ناشطًا من خلال إدارته هذا المهرجان كما من خلال تمثيله من تغيّـر يُـذكر في مواقفه المعلنة. كل ما في الأمر أنه اليوم أكثر حكمة مما كان عليه أو هكذا يبدو لمن سمعه وهو يقول في ذلك المؤتمر قبل يومين:
«لا نريد أن نتعاطى في السياسة. هذا مهرجان للسينما أولاً».
رئيس المهرجان جون كوبر أضاف:
«نقف وراء الفنانين وليس وراء السياسيين».
لكن الإغراء كان لا يُـمانع: رئيس جديد للولايات المتحدة يثير الخوف بين مواطنيه والحذر الشديد حول العالم يتسلم دفة القيادة ولا أحد يدري ما سيكون الوضع عليه بعد أيام ناهيك بعد أشهر. أليس عند روبرت ردفورد ما يقوله على الإطلاق؟ هل يستطيع تحاشي أسئلة الصحافيين وهم يربطون بين الموقف السياسي للمخرج ومهرجانه المنطلق قبل 24 ساعة من قبل تسلّـم الرئيس الجديد مهامه؟
طبعًا لا، لذلك عاد فأقر: «تبعًا للجدال الذي حدث مؤخرًا (يقصد بين ميريل ستريب والرئيس المنتخب) يبدو أن الكثير من الحريات ستكون مهددة. وهذا سيصدم الناس وما آمله هو حدوث حراك ما».
وهو لم يخف تعبيره عن حالة تشاؤم ليس فقط بسبب انتخاب ترمب وتوليه الرئاسة بل من تآلف الديمقراطيين والجمهوريين، كما قال، على تحقيق مصالح مشتركة بعيدة عما يحتاجه الأميركيون العاديون.
* آل غور ناشط البيئة
بهذا القدر نجح ردفورد في إرضاء معظم الحضور لينصرف إلى ما هو أجدى، ولو من وجهة نظره ونظر الكثير من الحاضرين، وهو المهرجان نفسه. ردفورد لديه فيلم من تمثيله هنا يعرض خارج المسابقة عنوانه «الاكتشاف» مع روني مارا وجاسون سيغال مشاركين في الأدوار الرئيسية. وهو خيالي - علمي من إنتاج نتفلكس التي ستتنافس وشركة أمازون المشابهة لها من حيث توخيهما عروضًا مباشرة على الإنترنت، على شراء ما يتسنّـى من أفلام. ليسا وحدهما في هذه الغاية، فكل استوديو كبير وكل شركة توزيع لديها القدرة على التنافس والرهان حاضرة والأفلام كثيرة ومتعددة الاتجاهات والتوجّـهات.
ويوم السبت (21 الحالي) سارت مظاهرة كبيرة اختلطت فيها بعض هذه التوجهات، فهي نسائية في المقام الأول تؤكد حضور المرأة في شتى المسائل السياسية المطروحة ومعادية لترمب كشأن معظم المظاهرات التي عمّـت البلاد احتجاجًا على وصوله، بمساعدة روسية أو من دونها، إلى الحكم.
من ناحيته يصر آل غور، الذي خدم تحت ظل الرئيس السابق بل كلينتون ما بين 1993 و2001. على مواصلة قضيته الأولى (والمهمّـة بالطبع) وهي قضية البيئة. له في صندانس فيلم جديد عنوانه Inconvenient Sequel وهو تتمّـة، بالفعل، لفيلمه السابق «حقيقة غير مريحة» الذي كان قدّمه في المهرجان ذاته سنة 2006.
كلاهما تسجيليان عن البيئة والتأثيرات السلبية التي تقع لأمّـنا الأرض وهوائها ومناخها وبحارها، لكن الأول، في المقارنة، كان أكثر اكتشافًا في حينه وما تناوله شكّـل، بسبب وقائعه التي تحلّـق حولها كثيرون متبنين ما بثّـته من مخاوف ومحاذير. الفيلم الجديد يسير على المنهج نفسه لكنه يفتقر إلى تناول مختلف على صعوبة الإتيان به في عمل مكثّـف الدلالات وذي غاية محددة: نقد الإهمال الذي ما زال يسود الوضع الماثل حول العالم.
على ذلك، لا يزال صوت آل غور في هذا الشأن قويًا وغير يائس. هنا يدمج الحقائق العلمية التي يرصدها بالصور التي تصاحب البيانات المنشورة (يبدأ الفيلم بمشاهد ذوبان ثلوج غرينلاند كاشفًا عن يابسة لم يرها الإنسان من قبل) وبمشاهد لغور وهو يزور مناطق تتعرّض لآثار هذه المحنة. ما تنبأ به الفيلم السابق، الذي نال أوسكارين في العام التالي لإنتاجه (2007) هما أوسكار أفضل فيلم تسجيلي وأوسكار أفضل موسيقى مكتوبة لفيلم، ما عاد نبوءات بل بات من الممكن تصويرها لأنها تقع على شكل أحوال جوية مزرية وفيضانات وانهيار ثلوج وارتفاع حرارة ملحوظ. هذا كله في عشر سنوات تفصل بين فيلمي غور، فما البال بعشر سنوات أخرى؟
* لا أمان
فيلم «تتمة غير مريحة»، من إخراج بوني كوهن وجون شنك (الذي قام بالتصوير كذلك)، ليس الوحيد من نوعه في هذا المحفل. الدورة الـ33 من هذا المهرجان تشهد حشدًا من الأفلام التي تتناول هذا الموضوع.
الفيلم الأميركي لدانفونغ دنيس «ثلج ذائب» يدور برمته حول ما تعيشه «غرينلاند» من ذوبان جليد وتأثيراته المحلية كما في المحيط حولها. وفي «بلاستيك تشاينا» لجيو - ليانغ وانغ تترامى على مد النظر أكوام الزبالة التي تنفثها مصانع البلاستيك فوق مياه آسنة ولو أن محور الفيلم التسجيلي هذا هو فتاة في الحادية عشرة من عمرها عليها أن تعمل مع والديها في مصنع البلاستيك لمساعدتهما معيشيًا.
الكندية ميشيل لاتيمير تركّـز في فيلمها الجديد «صعود» على حياة المواطنين الأميركيين الأصليين («الهنود الحمر» كما لا يزال البعض يسمونهم) في القرن الحادي والعشرين عارضة ما خسروه على مدى عشرات السنين من أسباب الاقتصاد والفيلم هو أحد ثلاثة أعمال قدّمتها المخرجة حول جوانب مختلفة من حياة الأميركيين الأصليين. الاثنان الآخران هما «مياه مقدسة» و«عرين الأباتشي» (Apache Stronghold).
في مجموعها هي تسعة أفلام (مقابل سبعة في العام الماضي) تلقي الضوء على قضايا وشؤون البيئة في الوقت الذي ما زالت هذه القضية تتفاعل مهددة حياة الإنسان على سطح الأرض.
لكن قضايا العالم الآنية ليست كلها وقفًا على البيئة، بل هناك الحروب والأوضاع الأمنية المقلقة والتطرّف بين مؤيدين ومناهضين.
أحد الأفلام التي تتناول هذه القضايا «آخر رجال حلب» الذي يحمل اسم فارس فياض مخرجًا وهو إنتاج دنماركي (مقدّم باسم سوريا على نحو إعلامي) حول ذوي الخوذات البيضاء. أولئك الذين يهبون، بعد كل حفلة عراك بين الأطراف المتحاربة وبعد كل غارة جويّـة، للبحث عن احتمال وجود ناجين محاصرين أو تحت الأنقاض.
هذا كله في الجانب التسجيلي، لكن الجانب الروائي مليء بشتى الاحتمالات أيضًا. والفيلم الذي افتتح مسابقته يحمل عنوانًا دالاً: «لا أشعر بالأمان مطلقًا في هذا العالم» كوميديا مواقف من مأكون بلير وبطولة إليجا وود وجين ليفي حول عالم اليوم وعنفه وعدم شعور المرء، كما يقول العنوان تمامًا، بأنه في مأمن حيث يعيش.
في مجموعة الأفلام الروائية الآتية من أركان العالم الأربعة هناك فيلم لمخرج مصري (بتمويل سويدي، ألماني ودنماركي) عنوانه «حادثة النيل هيلتون»، من إخراج طارق صالح المولود في مدينة استوكهولم سنة 1972 والذي أخرج أول أفلامه سنة 2009 تحت عنوان «متروبيا» الذي قدّمه في إطار مهرجان فينيسيا.
من الخارج هو فيلم بوليسي مطروق الموضوع، لكن - والفيلم لم يعرض بعد حين كتابة هذا التحقيق - قد يحمل مفاجآت على صعيد المعالجة. بطله (فارس فارس) يعمل في بوليس القاهرة وينطلق للتحقيق في جريمة قتل وقعت في إحدى غرف فندق النيل هيلتون. هناك يجد جثة امرأة تعمل مغنية، ولا يتطلب الأمر الكثير من التحريات ليدرك التحري أن المتهم الرئيسي هو صاحب الفندق الذي هو أيضًا عضو في البرلمان.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».