اسمه باترسون، يعيش في بلدة اسمها باترسون، ويقود حافلة (باص) عليها من الأمام اسم باترسون في فيلم عنوانه «باترسون». علاوة على ذلك، باترسون الشخص يحب أشعارًا كتبها ويليام كارلوس ويليامز، ونشرها في فصول ما بين 1946 و1958 في كتاب عنوانه «باترسون»!
إنه فيلم جيم جارموش الجديد الذي بوشر بعرضه في عواصم أوروبية وأميركية منذ أيام، لكنه لن يعرض في البلاد العربية، لغياب الموزع الذي يكترث ما إذا كانت كل هذه الأسماء لها دلالات واحدة ما دام أن الفيلم لا يحتوي على مطاردة سيارات، ولا ينطوي أيضًا على مركبة فضائية اسمها «باترسون».
ليس أنه أفضل أفلام المخرج الذي صنع سابقًا أعمالاً خلبت هواة الفن السابع ونقاده مثل «قطار لغزي» (1989)، و«رجل ميت» (1995)، و«كلب شبح: طريقة الساموراي» (1999).
حتى فيلمه السابق، مباشرة قبل هذا الفيلم، وهو «العشاق فقط بقوا أحياءً» (2016) نال على كآبته مكانة طيبة بين هواة أعمال هذا المخرج الذي أخرج تدرجًا سريعًا من مهندس صوت إلى مؤلف موسيقي ومصور إلى مخرج من عام 1980.
* روتين حياة
الذين يعرفون سينما جارموش عادة لا يخفون إعجابهم. محطة هذه الأفلام الأولى كانت «كان» و«برلين» غالبًا، وأعماله دائمًا ما عرضت في صالات مليئة بالمشاهدين التواقين لفهم وقبول ما سيعرضه المخرج عليهم هذه المرة، مدركين أنه في كل مرّة يحافظ على نبرة صوت خفيفة وإيقاع يكاد لا يتغير، وحكايات تبدأ وتنتهي فجأة، كما لو أنها ابتسرت من الحياة ذاتها.
في «باترسون» هناك مزيد من هذا الهدوء وربما إلى درجة تسمح للمرء بالتساؤل عن الحكمة وراءه. هل له سبب؟ هل البقاء، كتابة وتمثيلا وإخراجا، تحت مستوى الإثارة ولو الشكلية أمر يفضي دائمًا إلى الحسنات أو أن الحسنات هي في سرد فيلم يتحدّى النمط ويختلف عن السائد؟
باترسون الشخص هو (الممثل) آدام درايفر. باترسون البلدة هي «حقيقية» تقع في ولاية أوهايو. و«باترسون» الحافلة تحمل رقم «23»، وتسير على خط واحد ينطلق من جراج صباحًا إلى بعض أنحاء المدينة. أما «باترسون» الفيلم فهو إنتاج من شركة «أمازون استوديوز» مع مشاركة فرنسية وأخرى ألمانية.
بطلنا يستيقظ صباحًا. يقبّل زوجته (غولشفته فرحاني). يتناول الإفطار. يمشي إلى جراج الحافلات القريب. يعتلي مقعد القيادة ثم يكتب شعرًا بينما ينتظر لحظة الانطلاق. في فترة الظهر يتناول غذاءه المعلّب في حديقة ويكتب «أو يقرأ علينا» مزيدا من الأشعار. بعد انتهاء الدوام يعود إلى البيت سيرًا على قدميه. يحيي زوجته. يتناول العشاء. يخرج ومعه الكلب. حين يصل إلى حانة تقع على مفترق طريق، يربط الكلب جانبا ويدخل ليشرب البيرة. كل يوم على هذه الحال ولنحو ساعة ونصف الساعة.
ذات مرّة تتعطل الحافلة التي يقودها. ينزل الركاب منها صامتين وهادئين. لا أحد منهم منزعج، وبل لا أحد منهم يتأفف. همُّ المخرج ليس هم، لكن المشهد يبدو كما لو أنه يدور على سطح كوكب غير أرضي انتزع من سكانه أي مشاعر.
هناك حوار ينتهي دائمًا بالقبول بين الزوجين. هي لا تعمل لكنها ترتب البيت باللونين الأبيض والأسود وهو راض. ربما يسألها، لكنه لا يعارض. تؤم الرسم. يؤم الشعر وكل شيء يمشي على هذه الوتيرة.
الوتيرة المرتفعة تقع فقط في الحانة التي يؤمها باترسون، إذ تشهد قصّة حب بين رجل وامرأة، هي تريد إنهاء العلاقة، وهو يستميت في استمرارها. في أحد المشاهد يسحب العاشق مسدسًا للتهديد. لا شيء يحدث بعد ذلك، فهو لا ينوي استخدامه. كل شيء يعود إلى سباته.
* جزيرة الأرواح
رغم ذلك هناك قدر من الألغاز المدفونة في هذا الفيلم تجعله أكثر مما يتبدّى.
الزوجة تزين البيت بمربّعات بيضاء وسوداء. تضع ستارة بيضاء عليها دوائر سوداء وترتدي فستانًا أسود على دوائر بيضاء. «الفوطة» التي تستخدمها وزوجها على مائدة العشاء بيضاء بدوائر سوداء.
كل من يلتقي باترسون معهم يعيشون خارج منازلهم. لا مكاتب في الفيلم. هناك حانة لكنها تحوي أشخاصًا مختلفين يدخلون ويخرجون وبينهم باترسون نفسه. رئيسه في العمل يمشي إليه قبل الإقلاع. لا نرى باترسون يطرق باب مكتب ما في عمله. الشوارع. الناس. الحدائق كلها خارجية. المشاهد المحصورة الوحيدة هي التي تقع في ذلك البيت. الزوجة لا تعمل في الخارج. لا بد أنها تخرج لتشتري حاجيات البيت، لكننا لا نراها تفعل ذلك. هي مرتاحة في منزلها وتعيش فيه كما لو أنه كل العالم.
هل هي بدورها حقيقة؟
يكاد ما سبق أن يؤكد ذلك، لولا وجود مشهد واحد لها خارج البيت. إنها بصحبة زوجها يحضران فيلم «جزيرة الأرواح الضائعة» (Island of Lost Souls)، فيلم عن عالم تحوّل إلى مجنون يشوّه البشر ويخلق منهم وحوشًا قام بتحقيقه سنة 1932 مخرج غير معروف البتة اسمه إريك س. كنتون. على ذلك تعود إلى تاريخ ذلك المخرج تجده مليئًا بنحو 150 فيلما. تسأل نفسك: لماذا هذا الفيلم بالتحديد الذي اختاره جيم جارموش في ذلك المشهد؟ ربما الجواب في أنه حكاية فانتازية أخرى من أعمال المؤلف ه. ج. وَلز عنوانها «جزيرة دكتور مورنو». هل الزوجة جزء من التاريخ على نحو ما؟ ما الذي يبعدها وزوجها عن فيلم حديث باستثناء أن الفيلم الحديث قد يعني أنهما (أو على الأقل هي وحدها) حقيقة حاضرة؟
وهناك مزيد: باترسون يكتب الشعر. فتاة صغيرة تكتب الشعر. في نهاية الفيلم يلتقي باترسون رجلا يابانيا يكتب الشعر. هناك مشهد لرجلين توأم وآخر لسيدتين توأم. فتاتان ترتديان فستانين بلون واحد. ويكفي أن كلمة باترسون لها ثلاث صفات: اسم البطل، واسم الحافلة، واسم البلدة.
ليس من بين كل هذا ما هو صدفة. لكن ما هو هذا المضمون الذي يمكن لنا استنتاجه من هذا الوضع؟
* أبيض وأسود
هل الأبيض والأسود في منزله دليل تناقض أم دليل انسجام؟ هل المشاهد التي تقدّم لنا شخصيات مزدوجة من باب التأكيد على شيء معين؟ هل للإيحاء بأن الحقيقة هي الخيال والخيال هو الحقيقة في الوقت ذاته؟ هل باترسون - الشخص حقيقي بدوره؟ وحين يقرأ شعرًا لسواه هل هو نتيجة هذا الشعر وتجسيده؟ وهناك الملح (أبيض) والفلفل (أسود) على الطاولة جنبًا إلى جنب، إشارة أخرى إلى حياة غير ملوّنة.
في فيلمه السابق «العشاق فقط بقوا أحياءً» نلتقي رجلا اسمه آدام (توم هدلستون) وامرأة اسمها إيف، حواء، (تيلدا سوينتون) يعيشان في منزل مليء بالتاريخ. هما نفسيهما تاريخ كونها من مصاصي الدماء. عاشا مئات السنين وما زالا، لكن الحياة ليست مبهجة بل هي مقلب لهما. فخ محكم لا يستطيعان الفكاك منه لا بالموت و… لا بالحياة. ولا الفيلم من النوع المرعب ولا حتى الشائق. إنه كما لو أن المخرج يرصد استمرار الحياة وهي جافة من كل أسباب بهجتها أو حتى كآبتها.
هذا يتكرر هنا بمعطيات أخرى. إنه فيلم حول أسبوع واحد من حياة بطله، لكن كل ما يحدث ليس حدثًا وحتى ما يقع في الحانة غير مرتبط عضويًا بما يعيشه باترسون في حياته لا الزوجية ولا المهنية. ذلك المشهد حيث تتعطل الحافلة ويهبط منها الجميع بلا تردد أو غضب (امرأة متقدّمة في السن، تسأل باترسون عن موعد الحافلة البديلة وترضى بجواب مختصر. ما يحدث هو شيء من نتوءات الرتابة. مثل شاشة ترصد دقات القلب فيبدو ساكنًا باستثناء شارات بسيطة.
لكن المفاد في النهاية، ومع كل هذه الظواهر، هي واحدة: الحياة هي بمثل هذه الرتابة لولا الشعر والفن. صحيح أن الفيلم ينتقل من البيت إلى خارجه نهارًا وليلاً ما يخلق تنويعًا لم يعهده «العشاق فقط بقوا أحياءً»، إلا أن المعنى المتسرب من بين أصابع يدي المخرج هو أن العالم، أينما كان، هو فخ لمن يعيش فيه، إلا إذا خرج من منواله بكيانه الداخلي. وهذا الكيان هو الفن (لدى الزوجة إذ تؤم الرسم) والشعر لدى الزوج الذي لا يتركه وحيدًا.
* شعر وشاعرية
باترسون نفسه يحب شعر ويليام كارلوس ويليامز وشعر فرانك أوهارا وهما من زمن سابق. لكن الأهم هو أن النهاية تحمل أملاً في استمرارية منعشة إذا ما استطاع باترسون أن يواصل روتينه اليومي ما دام أن هذه الحياة (التي تبدو كفخ نعيشه ولا نستطيع مغادرته) مصحوبة بما يرفع من حبور الوجود: الطبيعة الغناء في مشهد النهاية حيث يلتقي باترسون مع ذلك السائح الياباني (ماساتوشي ناغاسي الذي كان ظهر في فيلم جارموش السابق «قطار لغزي» حين كان لا يزال شابًا) الذي بدوره يكتب ويحب الشعر. يحمل الياباني ما يبدو هواء نقيًا يبثه بأناقة وحبور. يتلقف باترسون هذا الهواء في الحديقة، ويبدو منتعشًا متجددًا للمرّة الأولى. هناك ابتسامة ووداعة في هذه الألفة. زيارة الياباني تبدو بدورها مثل حلم عبر حياة باترسون.
حب جارموش للسينما اليابانية مشهود. ليس فقط أنه حقق فيلم ساموراي، بطله الأفرو - أميركي فورست ويتيكر يجيد الساموراي، بل هي هناك، كما لاحظ الناقد جوناثان رومني منفردًا، طيفًا من أفلام كوري - إيدا هيروكازو التي صوّرها في بلدات يابانية صغيرة (وأضيف «لا أحد يعلم» و«جزر جميلة» كمثالين).
بذلك فإن الشعر، في هذا الفيلم، والشاعرية، في رسمه وصياغته، هما الحياة الأرقى ويمكن النظر إلى الفيلم على أنه جزء مترجم من أشعار كتاب ويليامز المعنون «باترسون»، الذي دار حول شخصيات بنبرات هادئة ويوميات غير مثيرة في مدينة اسمها باترسون، في الوقت الذي هو فيه معالجة شعرية تدخل وتخرج من الحياة والواقع في زيارات لرتابتها وخيالاتها.
مزيد من هذا الهدوء إلى درجة تسمح بالتساؤل عن الحكمة وراءه
فيلم جيم جارموش الجديد
الزوج والزوجة والأبيض والأسود - شعر وشاعرية
مزيد من هذا الهدوء إلى درجة تسمح بالتساؤل عن الحكمة وراءه
الزوج والزوجة والأبيض والأسود - شعر وشاعرية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

