سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني

قراءة دينية وسياسية

سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني
TT

سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني

سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني

تطرح الأوضاع العامة في كل من العراق وإيران علامات استفهام حول مستقبل المرجعيات الدينية، ولا سيما، في ظل التقارير عن الوضعين الصحيين لعلي خامنئي «مرشد الثورة» في إيران، وعلي السيستاني، المرجعية الأبرز في النجف الأشرف بالعراق. والحقيقة، أنه لم يُطرح السؤال عن خليفة المرجع الديني لدى الشيعة الإمامية، النجف تحديدًا، بالزخم الذي أخذ يُطرح به بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979. والسبب، على ما يبدو، أن «الولي الفقيه» الذي مقره طهران، هو المرجع «الديني» و«الدنيوي» الرسمي بمنزلة «نائب الإمام الغائب المنتظر»، وغدا منافسًا لبقية المراجع. وعلى غير العادة التي يبرز فيها المرجع الديني، أنه يأتي بتعيين مثلما حدث بعد وفاة آية الله الخميني عام 1989، وعُين مرشد الثورة حالي علي خامنئي، الذي يجمع بين زعامة السلطة والدين معًا.
كذلك الأمر له علاقة بالموقف من فكرة «ولاية الفقيه» نفسها؛ إذ الكثير من مراجع الشيعة الإمامية الكبار، لا يُقرون بها، بل يُقرون بولاية الفقيه «الحُسبية»، ما يخص أموال القاصرين والتقليد في الفروع دون الأُصول؛ فالأُصول لا تقليد فيها، أي يكون مرجع التقليد المعروف مثلما درجت عليه العادة منذ زمن بداية المرجعية الدينية. أما «ولاية الفقيه» فلم يقرّها لا الأولون ولا المتأخرون، حتى المرجع الحالي آية الله علي السيستاني. كذلك، لا يقرها مراجع يعيشون بمدينة قم الإيرانية نفسها، أما تبريرها بمشهورة أبي خُديجة وصحيحة ابن حنظلة عن الإمام جعفر الصادق فهذا يخص «الحسبية» الخاصة وليست «الولاية العامة» التي هي «ولاية الفقيه».
من غير الصحيح أن يُحدد الخلاف بين أصحاب فكرة «ولاية الفقيه» ومخالفيها بين قم والنجف؛ لأن قم نفسها، وهي مكان الحوزة الدينية التي نشأت حديثًا، أي في العقد الثاني من القرن العشرين (1921)، على يد الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (ت1937)، لم تُسلم فقهيًا بـ«ولاية الفقيه». وليس من تقاليد هذه الحوزة والمرجعيات التي نشأت فيها الإقرار بهذه الولاية، فإذا أخذنا كبار الفقهاء المراجع السابقين فيها، كحسين البروجردي (ت1961) ومحمد كاظم شريعتمداري (ت1985)، مثلاً، نجد أنهما لم يقرّا بها، إنما إذا أُريد أن يُعبر عن هذا الخلاف بين «المدرستين» أن يكون بين طهران والنجف لا بين قُم والنجف؛ فـ«ولاية الفقيه» معلنة ومركزها في العاصمة الإيرانية طهران.

مراجعة تاريخية
منذ تأسيس المرجعية الدينية الشيعية في بغداد على يد محمد بن محمد النعمان، المعروف بابن المعلم الشيخ المفيد (ت413هـ)، وهو عربي من منطقة عكبرى، القريبة من بغداد، لم يُعرف هناك أزمة في خلافة مرجعية المذهب. ولقد حصل تأسيس الشيخ المفيد للمرجعية آنذاك بعد انتهاء فترة النواب أو «سفراء المهدي المنتظر» الأربعة، وقد تولوا زمن «الغيبة الصغرى» (260 - 329هـ)، وهم: عثمان العمري الأسدي (ت280هـ)، ونجله محمد بن عثمان (ت305هـ)، وحسين النوبختي (ت 326هـ)، وعلي السيمري (ت 329 هـ). وبوفاة الأخير بدأ زمن «الغيبة الكبرى»، وعهد المراجع واجتهاد الرأي، وانتهى العمل بالسياسة المباشرة، فهي من شأن الإمام الغائب (انظر: الطوسي: «كتاب الغيبة»).
بعد الشيخ المفيد والشريف المرتضى (ت 436هـ) انتقلت المرجعية إلى النجف، وأعاد تأسيسها عام 448هـ هناك محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ)، المعروف بـ«شيخ الطائفة»، وذلك بعد النزاع الطائفي في العهد السلجوقي (بدأ 447هـ). ويمكن اعتبار النجف منذ ذلك التاريخ جامعة متفردة للفقه الإمامي، ومركزًا للحوزة الدينية ومقرًا للمرجعية، وكم تأسست حوزات دينية خارجها، لكن الطامح بالاجتهاد ظل يشرئب إليها، وكأن لا اعتراف به من دون الدراسة فيها، وصارت من أكثر المدن حفاظًا على العربية وآدابها؛ لأن تعليمها أساس الدراسة.
ولم يجر الحديث، حتى في الزمن القريب، عن «خلافة المرجعية» مثلما اليوم، فيذكر أنه بعد وفاة البروجردي أبرق شاه إيران إلى السيد محسن الحكيم (ت1970) معزيًا. وعُد ذلك، في وقتها، دعمًا للحكيم في تولي المرجعية واعتراف إيران به (رافسنجاني، حياتي)؛ وذلك كي يمنع شاه إيران وصول من يعارض سياسته كآية الله عبد الهادي الشيرازي (ت1962)، المتفوق علمًا وحضورًا. وبعد وفاة المراجع الذين يعدون أعلم أو مساوين للحكيم تراه تفرد بها، بمعنى أصبح البارز بين بقية المراجعة؛ لأن التقليد الشيعي لا يحصر أو يشترط المرجعية بفقيه واحد، إنما يبرز أكثر من غيره، حسب سعة التقليد وكثرة الطلبة. ولما توفي الحكيم تولى المرجعية، بلا أي نزاع، أبو القاسم الخوئي (ت1992)، وكان ذلك قبل تفجر الثورة الإيرانية.

بعد وفاة الخوئي
لكن بعد وفاة الخوئي كثر الجدل عن المرجعية؛ فالدولة العراقية كانت تحاول دعم صعود مرجع عربي، وحقًا دعمت البعض بهذا الاتجاه، لكنها لم تفلح بذلك؛ لأن تقاليد المرجعية لها علاقة بالأعلمية أولاً، وثانيًا ليس من تقاليدها الأخذ بالعرق سببا لها، أما لماذا هيمن الأعاجم على المرجعية؟ فهذا له علاقة بالدراسة والتفرغ لها تمامًا وتحصيل الخمس وسعة التقليد والشهرة في التدريس.
وما يخص خلافة السيد أبي القائم الخوئي (ت1992)، وقبل تسلم مقاليد المرجعية من قبل آية الله السيستاني، فإن هناك منْ أشار إلى آية الله السيد نصر الله، المستنبط (ت 1985)، الذي كان أحد من العلماء الكبار، ومن أساتذة الحوزة في العقائد، إلا أنه توفي في حياة الخوئي.
كذلك، كان بين الخوئي ومرجعية السيستاني مجتهد آخر كبير، هو أبو الأعلى السبزواري (ت1993)، لكن مرجعيته لم تطل سوى بضعة شهور بعد الخوئي. وقيل أن السلطة في بغداد كانت تُضيق كثيرًا على مرجعيته، حتى هُجّر بعض أولاده إلى خارج العراق. وبديهي أن قوة المرجع تُحسب بتخويله من قبل السلطة قبول الطلبة الأجانب والبت بإقاماتهم، وهذا ما سُحب من المراجع بعد الخوئي، وسُلمت إلى من يُراد أن يكون بديلاً.

مرجعية السيستاني
بعد وفاة السبزواري تولى المرجعية السيستاني، وكانت الظروف صعبة للغاية، فعندها اغتيل المجتهدان الشيخ مرتضى البروجردي والميرزا علي الغروي (عام 1998)، وهما من المراجع الموازين للسيستاني، وكانا يمكن أن يكونا المرشحين لخلافته أو يكفلا حضورًا موازيًا له.
بعد ذلك، حصرت المرجعية في النجف بأربعة مراجع، هم: آية الله إسحاق فياض (أفغاني الأصل)، وبشير النجفي (باكستاني)، ومحمد سعيد الحكيم (عراقي) ورابعهم والأعلى بينهم علي السيستاني (إيراني). وكل واحد من هؤلاء الثلاثة الأجانب اتخذ من النجف مستقرًا، ومن يتخذ النجف مستقرًا يصبح العراق مستقره، فالمذهب مثلما هو الدين عابر الحدود والجغرافيا. ولكلٍ من هؤلاء مقلدوه من الهند وإيران والخليج على العموم، وحيث يعيش الشيعة الإمامية. وكم من مرجع عربي كان مؤثرًا في ملوك إيران، مثل الشيخ جعفر الكبير (ت1812) جد أسرة كاشف الغطاء العراقية المعروفة.
منذ قدم آية الله علي السيستاني إلى النجف عام 1951، فإنه غادرها في شبابه إلى إيران لستة شهور فقط، ثم غادرها لفريضة الحج مرتين ومرة أخرى للعلاج في العاصمة البريطانية لندن، أما عدا ذلك فظل قابعًا بها حتى يومنا هذا. بل والكثير من المراجع وصلوها صبيانًا ودفنوا في تربتها شيوخًا، لتصبح وطنًا، ومنها يكون الاهتمام بالشأن العراقي عند الضرورة، مثلما حدث بعد 9 أبريل (نيسان) 2003.
واليوم يجري كلام كثير عما يميز النجف عن إيران، ولا نقول قُم لأن في قُم من لا ينسجم من فقهاء المذهب، مع «ولاية الفقيه»، أي «الدولة الدينية»، مثلما تقدم الحديث.

لا «ولاية فقيه» في النجف
ليس لنا عند الحديث عن توجه مرجعية النجف مما يُقال في الإعلام، أو ما يُكتب بلا علمٍ ودراية، على أنها تطرح «ولاية الفقيه» أو أنها مع «دولة دينية»، بل نستقي الخبر من الفتاوى والتصريحات الصادرة من الدار المتواضعة في زقاق من أزقة النجف، وهي ما زالت مؤجرة وليست ملكًا (الصغير، أساطين المرجعية العليا). ويستطيع المهتم أن يُتابع تلك الفتاوى والتصريحات وخُطب الوكلاء من الموقع الرسمي للمرجعية، ثم صدرت جميعها (2003 - 2013) في «النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية» أعده ممثلها حامد الخفاف.
قدمت لنا تلك النصوص أن المرجعية في النجف مع دولة مدنية، وهذا غير منسجم مع فكرة «ولاية الفقيه»، وليست دينية مثلما يصبو الإسلام السياسي الحاكم بالعراق حاليًا. وحقًا، توجهها مخالف لفكرة «الولي الفقيه» مثلما تتخذها إيران نظرية للحُكم. وهنا تأتي خطورة أن يتولى أحد المراجع القريبين من حزب «الدعوة الإسلامية» مثل الشاهرودي والحائري، فهما يتبعان «ولاية الفقيه» الإيرانية، وهذا ما يسعى إليه أتباع طهران العراق في حالة فراغ المرجعية، ولقد سمى أحد الخطباء الحاليين هذا السعي من قبل الدعوة بـ«استيراد المراجع»! وردت مرجعية السيستاني على استفسار «هل تحبون أن تكون دولة العراق مثل دولة إيران الإسلامية»؟ بالنفي القاطع. وعندما سُئلت المرجعية عن دورها السياسي جاء الجواب من مكتبها مكررًا «سماحة السيد لا يُطالب موقعًا في الحُكم والسلطة، ويرى ضرورة ابتعاد علماء الدين عن مواقع المسؤوليات الإدارية والتنفيذية».

تحدي المستقبل
يبلغ آية الله علي السيستاني من العمر (87 سنة)، وهذا ما يدفع كثيرون إلى الحديث عن خلافته في هذا الظرف الصعب، والتنافس بين مراجع التقليد والمراجع، الذين يمكن اعتبار غالبيتهم منهم بالسياسيين، مع وجود تأثير كبير لـ«ولاية الفقيه» عليهم. وبطبيعة الحال، ليس هناك من ينفي رغبة طهران أن يبرز مرجع داخل النجف متوافق معها، فكرًا وتوجهًا سياسيا، لكن هذا على ما يبدو غير موجود في المراجع الثلاثة، الذين يؤلفون المرجعية مع السيستاني.
كذلك، للأحزاب الدينية مراجعها، وهم من تلاميذ محمد باقر الصدر (أعدم 1980) ومحمد محمد صادق الصدر (قُتل 1999)، وهؤلاء يطرحون أنفسهم بصفتهم مراجع وآيات الله، وبعضهم يتحدث ضد المرجعية الدينية الحالية، يُشيرون إليها بـ«الساكتة» أو «الصامتة». على أن المرجعية التي ينشدونها هي المرجعية «الحركية» أو ما يُطلق عليها بـ«الرشيدة». وهذا نقاش نشط إبان حياة محمد باقر الصدر، الذي كان يعتبر آية الله الخميني مثله الأعلى (انظر: النعماني: «السيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار»).
على صعيد آخر، وكما سبقت الإشارة، إذا علمنا أن كل مجتهد يبرز إلى المرجعية لا بد أن يحتاج إلى دعمين مادي ومعنوي، مع توافر الشروط فيه، من ناحية الأعلمية والنقاوة والورع، وغيرها من الصفات. ولقد دعمت «مؤسسة الإمام الخوئي» مرجعية السيستاني، في الخارج والداخل وبقوة، وبشرت به مرجعًا (حسب تقرير الشعبة الخامسة عشرة في مديرية الأمن العامة والمختصة بالمرجعية الدينية). ومعلومٌ أن مكانته العلمية كانت مناسبة للمرجعية، وهذا الدعم يحتاج إليه المرجع – وبالأخص – بوجود منافسين وظرف استثنائي، مثلما كان حال العراق والمرجعية الدينية عند وفاة الخوئي.

بدائل سابقًا ولاحقًا
كان يمكن اعتبار السيد محمد باقر الحكيم (قُتل 2003) مرشحًا وبقوة، بعد السيستاني، لو كان على قيد الحياة؛ إذ عاد من إيران وتفرغ للمرجعية الدينية، يدعمه تاريخ مرجعية والده محسن الحكيم، وتراث الأسرة بالنجف. ومنذ خطابه الأول بعد العبور من إيران إلى العراق تحدث عن دولة مدنية، وهو الذي كان يجد نفسه قرينًا لعلي خامنئي، ولم يكن يشعر بأن خامنئي أعلم منه، ولئن كان يلتزم به كـ«ولي المسلمين» داخل إيران، فهو بعد سقوط النظام العراق السابق صار في حلٍ من ذلك. لكن الأمر انتهى وانتهت أحلام إعادة مرجعية إلى آل الحكيم بشخص محمد باقر عندما قتل في تفجير كارثي بالنجف خلال شهر أغسطس (آب) عام 2003.
اليوم يطرح محمد علي اليعقوبي، فقيه حزب الفضيلة، نفسه مرجعًا، وعلى وجه الخصوص في حزبه. ولكن يصعب اعتباره من المنافسين على المرجعية العليا، أو أن يرنو إلى الحلول محل السيستاني. وهناك السيد محمود الحسني الصرخي، وهو أيضًا يطرح نفسه مرجعًا على جماعة من أتباعه، وكثيرًا من يتحدث ضد المرجعية الممثلة بالسيستاني، بيد أنه أيضًا ليس بالموقف الذي يؤهله لطرح اسمه أو التصدي للمرجعية العليا. وتجدر الإشارة إلى أن الصرخي واليعقوبي كانا مهندسين أكملا الدراسة في كلية الهندسة، ثم اتجها إلى الدراسة الدينية عند محمد محمد صادق الصدر. واعتمرا العمامة، في أجواء الحملة الإيمانية التي أطلقها النظام السابق (1993).
وبطبيعة الحال، لا عمار الحكيم ولا مقتدى الصدر، على الرغم من حضورهما السياسي في جماعتيهما، ومن أنهما من معتمري العمائم ومن أبناء أُسرتين دينيتين عريقتين، من الخيارات الواردة أو المحتملة، إذ يعتبران خارج نطاق التصدي للمرجعية تمامًا.

الحائري والشاهرودي
في ضوء هذا الواقع يبقى في الميدان فقيهان سياسيان، انتظما في حزب الدعوة الإسلامية، ومن تلاميذ محمد باقر الصدر، هما محمد كاظم الحائري ومحمود الهاشمي الشاهرودي.
الأول إيراني ولد في مدينة كربلاء العراقية، ويعيش منذ أواسط السبعينات بإيران. والثاني اعتقل داخل العراق في السبعينات ثم هاجر إلى إيران، وينسب إليه التنسيق مع محمد باقر الصدر بعد نجاح الثورة الإيرانية، وتولى بعد الثورة منصب رئاسة القضاء الإيراني، وقبل ذلك أصبح رئيسًا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، لعام واحد (ولعله 1982 - 1983).
هذان الفقيهان السياسيان مدعومان من قبل حزب الدعوة، ولهما مكاتب في كل من قًم والنجف، غير أنهما يبقيان حزبيين، مع تفرغهما للاجتهاد. ولقد كان الحائري فقيه حزب الدعوة، بعد الثورة الإيرانية، ثم اختلفت القيادة معه، عندما أراد أن يكون القرار النهائي بيد الفقيه (الشامي، المرجعية من الذات إلى المؤسسة)، وهذا جزء من الإيمان بولاية الفقيه. وبعدها خرج من التنظيم الحزبي، لكنه ظل معه معنويًا، وعندما ضُيق على نوري المالكي (2010) أصدر فتوى بتحريم انتخاب العلماني، وكانت إشارة إلى رفضه ترؤس إياد علاوي الوزارة، بعد فوز قائمته آنذاك.
وهكذا، نجد أمام هذه الشخصيات صعوبات جمة، رغم الدعم الحزبي، في تولي المرجعية الدينية. ومثلما هو معروف، فإن ظهور المرجع لا يتحقق بتعيين. وليس هناك «دخان أبيض» يظهر علامة لاختيار المرجع، كما هو الحال مع انتخاب بابا الفاتيكان. ثم إن «خلطة» السياسة والحزبية عادة ما تكون حائلاً مع التقليد الديني، لكن ربما تسهل الأحزاب، كحزب الدعوة، الأمر ومن مركز المال والقوة، وعلى وجه الخصوص باحتواء العشائر الشيعية.

تغير الأحوال
لقد تغيرت أحوال المرجعية الدينية، كتغير بقية مناحي الحياة داخل العراق. ومن الجائز أن تصيبها حال الفوضى، لأنها مبنية أساسًا على اللانظام؛ إذ ليس هناك من تقليد يحميها من التشرذم والفوضى. وهنا نشير إلى أنه عندما تسلم السيستاني المرجعية من الخوئي استطاع حمايتها من السياسة، إلى جانب أعلميته وعدم وجود منافس له، بل إن الجميع من تلاميذه. لكن الأمر يختلف بعد السيستاني، وإذا ما تسلمها أحد المراجع الثلاثة (فياض والنجفي وسعيد الحكيم) الذين تقترب أعمارهم من عمر السيستاني، فلن يكون له مكانة السيستاني، بل وحتى أعلميته وحظوته في المجتمع الشيعي الإمامي. لكن يبقى المرشح الأقوى بين هؤلاء آية الله محمد سعيد الحكيم، سبط المرجع المعروف السيد محسن الحكيم، وبخاصة أنه المدعوم من المجلس الأعلى الإسلامي في العراق بحكم الصلات الأُسرية، مقابل دعم حزب الدعوة الإسلامية للحائري أو الشاهرودي المحسوبين على طهران.
في كل الأحوال، ستواجه المرجعية الدينية أزمة حادة بعد السيستاني، قد لا تبقى مركزية عليا فيها، وهذا وارد جدًا. وما نراه اليوم، حتى بوجود السيستاني، مؤشر إلى أن المركزية العليا تكاد تهتز، وتغلب عليها الأحزاب الدينية وكثرة مراجعها، فكيف الحال بغياب السيستاني، الذي ما زال صمام الأمان لمرجعية النجف؟ هذا، ولا يعول متابعو الوضع على الكلام الذي تتناقله بعض الجهات، من أن إيران ستحسم الأمر بمرجع مباشر من دوائرها. فهذا غير وارد، وإذا تحقق فسيُعد تدميرًا للشيعة في العراق.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.