«العرض الآن والبيع غدًا»... استراتيجية هزت التقاليد والمتعارف عليه

كيف غيرت وسائل التواصل الاجتماعي وجه الموضة؟

«بيربري»  - «بوتيغا فينيتا» -  «ثاكون» - «بوتيغا فينيتا» - «برادا»
«بيربري» - «بوتيغا فينيتا» - «ثاكون» - «بوتيغا فينيتا» - «برادا»
TT

«العرض الآن والبيع غدًا»... استراتيجية هزت التقاليد والمتعارف عليه

«بيربري»  - «بوتيغا فينيتا» -  «ثاكون» - «بوتيغا فينيتا» - «برادا»
«بيربري» - «بوتيغا فينيتا» - «ثاكون» - «بوتيغا فينيتا» - «برادا»

عروض الأزياء لربيع وصيف 2017 التي تابعناها في العام الماضي كانت بداية عهد جديد بالنسبة للموضة. فما بدأت فكرةً أطلقها مصمم دار «بيربري» كريستوفر بايلي، ثم طبقها، زاد زخمها وتسارع إيقاعها بعد أن تبناها غيره، إلى حد أنها ستصبح عُرفًا. الفكرة كانت ببساطة طرح كل ما يعرضه على منصات العرض، في المحلات مباشرة؛ بمعنى أننا لن ننتظر بعد اليوم نحو 4 أو 6 أشهر للحصول على قطعة نشرها مدون أو «فتاة (إنستغرام)» على صفحات التواصل الاجتماعي، أو تكررت على صفحات المجلات بدرجة أفقدتها بعضا من تميزها وبريقها ووأدت الرغبة فيها.
فشتان بين عروض الخمسينات وثقافة العرض آنذاك، وما هو حادث اليوم؛ فالأولى كانت تجري في صالونات حميمة لا يدعو لها المصممون سوى باقة منتقاة من محررات الموضة والزبونات المهمات، والثانية تحولت إلى مسرح مفتوح على مصراعيه يمكن لأي أحد دخوله والتفرج عليه وهو في عقر داره بفضل الإنترنت والبث المباشر. فالعولمة من جهة؛ وظهور أسواق بعيدة وطبقات حديثة الثراء من جهة أخرى، عملت على تغيير الخريطة الشرائية وثقافة التسوق، من دون أن نتجاهل حقيقة أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يصل إلى فنون الترويج والتسويق فحسب؛ بل أيضا للأزياء والإكسسوارات.
فالتصاميم، مثلا، توهجت بالألوان والنقوشات الغريبة حتى تأتي الصورة قوية على «إنستغرام»، فيما زادت العروض ضخامة وإبهارا كي تخلق جدلا يتداوله أصحاب المدونات على وسائل التواصل فيكون دعاية سريعة تصل إلى الملايين من متابعيهم. والنتيجة كانت زيادة الضغوط على المصممين وبيوت الأزياء للبحث عن طرق مُبتكرة يقتطعون من خلالها نصيبا من السوق. الأزمة الاقتصادية التي ألمت بالعالم زادت الأمر سوءا وسرعت من ظهور استراتيجيات جديدة كمضاد لها، لأنها أثرت على سوق المنتجات المترفة بشكل لم يكن متوقعا. «شانيل» مثلا لم تكتف بعروضها الضخمة والباذخة، فقررت في عام 2015 أن تُوحد أسعارها في كل أنحاء العالم، لتفادي تذبذب العملات من جهة، ولتحفيز السكان المحليين على التسوق في محلاتها المترامية في كل أنحاء العالم بدلا من تركيز عملية التسوق على أوروبا أو أميركا، لأنهم يحصلون فيها على المنتجات نفسها بأسعار أقل بسبب انخفاض العملة أو الإعفاء من الضرائب الجمركية.
وعلى الرغم مما أثارته «شانيل» من جدل حينها، فإنه لا شيء مقارنة بما أثاره إعلان دار «بيربري» منذ أكثر من سنة تقريبا عن طرح كل ما ستعرضه على منصات العرض في محلاتها مباشرة بدلا من الانتظار 4 أو 6 أشهر، كما جرت العادة سابقا ولعدة عقود.
عندما اقترح مصمم الدار كريستوفر بايلي الفكرة أول مرة استهجنها البعض ورحب البعض الآخر. فريق المرحبين ضم مصممين يرون أنها تطور طبيعي لمواكبة إيقاع الأسواق العالمية المتسارع في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. كما رأوا أنها طريقة مثالية لقطع الطريق على المحلات التي تستنسخ تصاميمهم وتطرحها قبلهم، وهو ما كان يضعهم في مأزق. فكل ما يسهرون على إنتاجه وإبداعه على مدى أشهر يصبح «موضة قديمة» عندما يصل إلى المحلات بعد 4 أو 6 أشهر، لأن عين الزبون تكون قد تعودت عليه بسبب تداوله على شبكات الإنترنت و«إنستغرام»، ولا ترى فيه جديدا يثيرها.
أما الفريق غير المتقبل لها بعد، فينقسم إلى قسمين؛ قسم يقول إن الحرفية تتطلب وقتا طويلا وجهدا كبيرا، الأمر الذي يجعل هذه الاستراتيجية غير صحيحة أو «صحية»، وقسم ليست لديه الإمكانات الكافية لإنتاج كميات كبيرة في وقت وجيز، خصوصا أن بعضهم لا يزالون في بداية الطريق ويفتقدون محلات خاصة بهم، مقارنة بـ«بيربري» و«توم فورد»، و«تومي هيلفيغر، و«رالف لورين»، وكل من ركبوا موجة «العرض الآن والبيع غدا».
وقد برر كل من «ثاكون»، و«توم فورد»، و«تومي هيلفيغر»، و«رالف لورين»، و«بيربري» في مناسبات مختلفة خطوتهم، مؤكدين أن الزبون ليست له ولاءات طويلة ويفقد حماسه ورغبته في الحصول على شيء كان يتوق إليه بكل جوارحه بعد فترة؛ فهذه هي الطبيعة البشرية: تمل الانتظار ويصيبها البرود بمرور الزمن، فضلا عن أن تداول هذه التصاميم على صفحات «إنستغرام» وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، واستنساخ محلات شعبية كبيرة مثل «زارا» لها بسرعة أكبر، ليس في صالحهم؛ إذ يجعلها تبدو باهتة و«موضة قديمة» عند وصولها إلى المحلات.
كريستوفر بايلي المدير الفني في دار «بيربري»، قال إنه لم يتخذ قراره هذا بين ليلة وضحاها... «لقد بدأنا بجس نبض السوق بالتدريج منذ بضع سنوات؛ ففي عام 2009، مثلا طرحنا مجموعة من المعاطف والإكسسوارات للبيع مباشرة، ونجحت التجربة. الفرق الآن أننا صممنا كل التشكيلة ونصب أعيننا توفيرها للزبائن مباشرة بعد العرض». وتابع: «أخذنا بعين الاعتبار هنا أنها يجب أن تتوجه لكل المواسم والثقافات. فتغير أحوال الطقس في العالم، وظهور شرائح من الزبائن من أسواق جديدة، جعلا الأسلوب التقليدي غير متماش مع متطلبات العصر وإيقاعه السريع».
ونفى المصمم أن تؤثر هذه الاستراتيجية على الجودة والحرفية، مشيرا إلى أن العكس صحيح في زمن فقدت فيه العروض خصوصيتها القديمة وأصبحت مفتوحة للكل... «هذا ما جعل البحث عن وسائل مبتكرة للتفاعل مع الزبون وزيادة جرعة المهارات الحرفية ضرورة قصوى» حسب رأيه. في عرضه الأخير قدم تشكيلة مكونة من 83 إطلالة، يمكن القول إنها كانت من أقوى تشكيلاته للدار منذ سنوات؛ إذ حملت حنينا إلى الماضي، لعب فيه على عراقة الدار ومهارة حرفييها. وليكتب فصله الجديد، غيّر حتى مكان العرض الذي كان سابقا في حدائق «كينغستون»، إلى مبنى «مايكرز هاوس» الواقع خلف مكتبة «فويلز» الشهيرة بمنطقة «سوهو»، حيث استضاف فريقا من الحرفيين البريطانيين المتخصصين في مجالات مختلفة لاستعراض مهاراتهم أمام الحضور.
ولا ينكر أحد أن «بيربري» كانت الرائدة في هذا المجال، إلى جانب دمجها «الرجالي» و«النسائي» في عرض واحد، ليكون مجموع عروضها اثنين فقط في السنة؛ الأول باسم «فبراير» لأنه يقع في الشهر نفسه، والثاني باسم «سبتمبر»، مُلغية ما يُعرف منذ عقود بموسمي الربيع والصيف، والخريف والشتاء.
التبرير المعلن عنه هو احتواء مشكلة التشتت التي باتت تعاني منها عروض الأزياء المتوالدة في كل موسم، على أساس أن كثرتها لا تؤثر في القوة الإبداعية وتثقل كاهل المصمم فحسب، بل أيضا تصيب الزبون بالتخمة. ورغم أن الحل الأمثل هو العودة إلى ما كانت عليه الأمور في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، أي العروض النخبوية في الصالونات، فإن الخريطة الشرائية التي توسعت وتفرعت بشكل غير مسبوق لم تعد تتيح ذلك. والمقصود هنا ليس الطبقات الثرية فحسب، بل أيضا الطبقات المتوسطة التي تنامت في أسواق مهمة مثل الصين، وكانت وراء تأجيج الرغبة في الموضة وكل ما يتعلق بها، بالنسبة للشباب من الجنسين.

مخاوف أولية انتهت بأرباح

كأي جديد، فإن نتائج هذه الاستراتيجية لم تكن مضمونة بالنسبة لكثيرين خاضوها في البداية، لكن يبدو أنها أعطت ثمارها بالسرعة نفسها التي طُرحت بها في الأسواق.
ويعترف كثير من العاملين في الصناعة بأنهم شعروا بالمخاوف من خوض التجربة في البداية، لا سيما أن كل ما تعلموه وتعودوا عليه سيتغير جذريا، إلا أنهم اكتشفوا سريعا أن مخاوفهم لم تكن في محلها، وأن عملية البيع المباشر أكثر ديناميكية، وتُسهل مأموريتهم على المدى البعيد أكثر مما تُعقدها. دار «رالف لورين»، مثلا، لمست ارتفاعا في مبيعاتها بعد العرض مباشرة، كذلك «توم فورد»، ودار «بيربري» التي صرح مصممها بعد انتهاء عرضه الأخير أنه يشعر بنوع من التحرر؛ فنظريته بـ«ضرب الحديد وهو ساخن» أكدت فعاليتها، بشهادة باقي المصممين، فهي على الأقل تُبرر تكاليف عروضهم الضخمة وما يتكبدونه من مصاريف لم تكن تنعكس على الأرباح سابقا.
إلى جانب كل هذا، فإن الضغوطات، من مرحلة التصميم إلى الإنتاج، تنتهي ما إن يبدأ العرض ليتنفس المصممون الصعداء بعده، وقد يأخذون إجازاتهم لشحذ طاقاتهم وأفكارهم من جديد. وحسب تصريحهم، فإن كل ما تطلبته العملية منهم هو ترتيب أوراقهم من منظور مختلف، غالبا بتقديم وقت ما كانوا يقومون به بعد العرض، إلى قبله ببضعة أشهر. مثلا كانت «بيربري» تبدأ العمل على تشكيلة الربيع والصيف، التي تُعرض في شهر سبتمبر، في شهر مايو (أيار)، الآن تبدأ العمل عليها في شهر يناير (كانون الثاني). في هذا الوقت أيضا تكون باقي الأقسام تتفاوض مع المجلات لتصويرها، والمحلات والأسواق الأخرى لتفي بالتزاماتها معها في الوقت المقرر. فبينما كانت عروض الأزياء سابقا المسرح الذي تُعرض فيه عينات يتم إنتاجها وتنفيذها فيما بعد حسب طلبيات الأسواق، الآن بات على المصممين تجهيزها بنحو 3 أشهر لعرضها أمام المشترين ووسائل الإعلام، والتعامل مع شركات خارجية متخصصة تساعدها على تصوير حملاتها الترويجية التي يجب أن يتزامن نشرها والإعلان عنها مع العرض.
المصمم ثاكون، مدعوما بالشركة الاستثمارية «برايت فايم فاشون» لفيفيان تشاو ابنة الملياردير سيلاس تشاو، مثلا، نظم عرضه في منطقة بروكلين، مستعينا بعدة وكالات فنية، كل واحدة منها لها تخصص مختلف. مهمة كل واحدة منها إما تنفيذ الصور بشكل سريع، أو خلق قصص تناسب النشر على «إنستغرام» وما شابه من أمور أصبحت ضرورية للترويج لتشكيلة لا تعترف بموسم معين.
بالنسبة لـ«بيربري»، فقد صورت حملاتها الإعلانية في شهر أغسطس (آب) الماضي، بينما بدأ تصوير المجلات عينات من تصاميم الدار، منذ شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين في سرية تامة حتى لا تتسرب قبل العرض.
فالمتعارف عليه سابقا أن المشترين والمحلات، لم يكونوا يطلعون على هذه الأزياء ويُقدمون اختياراتهم وطلباتهم حسب ما يناسب الأسواق التي يمثلونها، بعد العرض مثلهم مثل الزبائن ووسائل الإعلام، بعد ذلك تبدأ ماكينة الإنتاج بتنفيذها. الأمر نفسه بالنسبة لوسائل الإعلام، حيث كانت تختار محررات الأزياء العينات التي ينوين تصويرها وهن يتابعن العرض.
الخلاصة - شئنا أم أبينا - أن وجه الموضة، كما عرفناه سابقا، تغير إلى الأبد، بعد أن نجحت وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «إنستغرام»، في فرض نفسها على السوق، إضافة إلى الضغوطات الكبيرة التي عاني منها المصممون لتحقيق الأرباح في وقت وجيز.



درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.


أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
TT

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

نعم للسن أحكامها. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بواحدة من أجمل نساء العالم، فإن هذه الأحكام لا تتوقف ولا تهدأ عند أول تغيير يطرأ على الوجه أو الجسم.

صورة عابرة التُقطت لأنجلينا جولي مع حيدر أكرمان، مصمم دار «توم فورد» في شنغهاي، تحوَّلت إلى عاصفة رقمية. لم يكن الحديث فيها عن أزيائها ولا ماكياجها. فقد بدت كعادتها بأناقة راقية، وماكياج خفيف لم يبرز فيه سوى أحمر شفاه صارخ. التركيز كله انصبَّ على تفصيل أدق يتمثل في العينين، أو بالأحرى نظرة مشدودة وقليلة الرمش، جعلت الصورة تختلف عن تلك الصورة المثالية التي ترسَّخت في الأذهان عن النجمة.

في شنغهاي ظهرت بنظرة باهتة وثابتة كانت سبب الضجة الإعلامية (غيتي)

خلال وقت قصير، انتشرت الصور مُرفقة بتعليقات متشابهة، وكأن أصحابها يتشاركون الفكرة نفسها: «هل هذه أنجلينا جولي فعلاً؟»، «هذه لا تشبهها إطلاقاً»، بينما تساءل آخرون: «ماذا حدث لعينيها؟». وسرعان ما انزلق النقاش نحو نظريات غريبة تزعم أنها «استُبدلت» أو أنها «شبيهة» ظهرت بدلاً منها، بينما ذهب البعض إلى القول إنه «تم استنساخها». اللقطات القريبة ساهمت في تغذية هذه الانطباعات؛ إذ أظهرت الإضاءة وزوايا التصوير وكأن ملامحها تغيَّرت فعلاً. الماكياج الخفيف والهادئ لم يساعد أيضاً؛ خصوصاً أن خطّاً أبيض خفيفاً يبدو مرسوماً على الجفن الأسفل ساهم في إبراز شكل العينين الجديد.

بين التفسير والمبالغة

المدافعون عنها يشيرون إلى أن القضايا الناتجة من انفصالها عن النجم براد بيت لم تُحسَم تماماً وهو ما يضعها تحت ضغوط نفسية وجسدية كثيرة (غيتي)

في مقابل هذا السيل من نظريات المؤامرة والتحليلات، ظهر اتجاه مضاد يدافع عن أنجلينا جولي، معتبراً أن ما يُرى ليس أكثر من خدعة بصرية، سببها الإضاءة وزوايا التصوير والماكياج الهادئ، بينما أشار آخرون إلى عامل الزمن. فأنجلينا تبلغ اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها. أما فريق ثالث، فربط مظهرها بظروفها الشخصية، مُشيرين إلى الضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت، واستمرار التوترات القانونية بينهما حتى الآن. هذا الإرهاق والضغط النفسي من شأنهما أن ينعكسا بشكل مباشر على ملامح الوجه والجسم. فقد فقدت كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة، وفقدت أيضاً دهوناً داعمة لنضارة وجهها.

فقدت أنجلينا كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة ما أفقدها دهوناً داعمة للبشرة (أ.ف.ب)

بين الحملات التشكيكية والدفاعية، يبرُز سؤال عما إذا كانت أنجلينا جولي قد خضعت فعلاً لعملية تجميل في منطقة العينين، وما الذي تقوله الخبرة الطبية في هذا الشأن؟

أنجلينا نفت سابقاً خضوعها لأي إجراءات تجميلية، ومع ذلك، في حال إجراء مثل هذه التدخلات، يتفق الخبراء على أن التعامل مع منطقة العين يجب ألا يقتصر على الشد والرفع؛ بل يجب أن يُراعي أيضاً الحفاظ على الوظيفة والترطيب والتوازن.

رأي الطب

تقول الدكتورة بريا أوداني، وهي جرَّاحة تجميل العيون في لندن، إن «تقييم مثل هذه الحالات من خلال الصور وحدها يظل محدوداً». ورغم أنها لا تؤكد أن أنجلينا خضعت فعلاً لعملية تجميل، فإنها لا تنفي أن بعض السمات التي يلاحظها الجمهور قد ترتبط بتدخلات تجميلية.

تطورت عمليات تجميل الجفون ومنطقة العينين وأصبحت تأخذ الصحة أيضاً في عين الاعتبار (غيتي)

وتوضح: «عندما يبدو محيط العين أكثر شداً من المعتاد، فقد يكون ذلك مؤشراً على شد مفرط للجلد، وهو ما يمكن أن يؤثر على حركة الجفن الطبيعية، بما في ذلك حركة الرمش». وتتابع: «إزالة كمية كبيرة من الجلد أو شد منطقة الجفون بشكل مبالغ فيه، قد يؤدي إلى جفاف العين، ويجعلها تبدو مشدودة بشكل غير طبيعي». وتتابع: «بعبارة أخرى، ما يلاحظه المتابعون قد لا يكون مجرد تغير بصري؛ بل قد يكون تغيراً وظيفياً أيضاً. فمنطقة العين شديدة الحساسية، وأي تغيير -مهما كان طفيفاً- يبدو ملحوظاً للغاية، وهذا تحديداً ما يخلق ذلك الانطباع الغامض الذي يبدو فيه الوجه مختلفاً، مع صعوبة تحديد السبب بدقة».

أما لماذا يتحدث الجميع عن حالة أنجلينا جولي؟ فتجيب بريا أوداني بأن السبب يعود إلى أن «منطقة العين هي أول ما يلاحظه الناس، وأي تغيير فيها -وإن كان مجرد اختلافات بسيطة في نسيج الجلد أو الترطيب أو الحركة- قد يجعلها تبدو مختلفة».

وهي في أوج تألقها عام 2024 بمجوهرات من «بوتشيلاتي» (بوتشيلاتي)

وتُضيف بريا أوداني أن عدداً من التقنيات الحديثة بات يكتسب شعبية أكبر من الإجراءات التقليدية التي تقوم على قص جزء من الجفن، مثل «Morpheus8» التي تساعد على شدّ الجلد وتحسين جودته حول العينين، مع الحفاظ على الحركة والتعبير الطبيعي، وتقنية «Lumecca» التي تعتبرها فعَّالة بشكل خاص في تحسين التصبُّغات ومنح المنطقة إشراقاً واضحاً على كامل الوجه عموماً، والعينين على وجه الخصوص، من دون تغيير بنيتهما. أما تقنيات أخرى –مثل «Envision»- فتدعم صحة العينين نفسها، من خلال تحسين الترطيب والتعامل مع الجفاف، وهو أمر أساسي؛ ليس فقط للراحة؛ بل أيضاً للمظهر.