العائدون من «داعش» إلى أوروبا... قنابل موقوتة تثير الرعب

المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب لـ «الشرق الأوسط» : التهديدات حاليا أكثر تعقيدا وتنوعا

جيل دي كيرشوف المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب في جلسة نقاش للبرلمان («الشرق الأوسط»)
جيل دي كيرشوف المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب في جلسة نقاش للبرلمان («الشرق الأوسط»)
TT

العائدون من «داعش» إلى أوروبا... قنابل موقوتة تثير الرعب

جيل دي كيرشوف المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب في جلسة نقاش للبرلمان («الشرق الأوسط»)
جيل دي كيرشوف المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب في جلسة نقاش للبرلمان («الشرق الأوسط»)

قدم جيل دي كيرشوف المنسق الأوروبي لشؤون مكافحة الإرهاب، تقريرا لوزراء الداخلية والعدل في دول التكتل الموحد، حول ما يطلق عليه «دواعش أوروبا»، في إشارة إلى المقاتلين الأوروبيين، الذين التحقوا بصفوف «داعش» في سوريا والعراق، وعاد أعداد منهم إلى أوروبا، ووصفهم البعض من الخبراء في بروكسل وعواصم أوروبية أخرى بأنهم كالقنابل الموقوتة.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» خلال الشهر الجاري في بروكسل قال كيرشوف، إن عدد ما يعرف باسم «المقاتلين الأوروبيين» في صفوف «داعش» يزيد عن 2500 شخص، ولكن بين الحين والآخر تصدر تقارير من منظمات أوروبية تعطي أرقاما أخرى في هذا الصدد.
ويشكل «الدواعش العائدون» قضية متفاعلة في أوروبا منذ أكثر من عامين، أي بعد عودة أوائل من توجه إلى العراق وسوريا للانضمام للقتال إلى جانب وفي صفوف التنظيم الإرهابي، الذي سيطر قبل أكثر من عامين على مناطق واسعة من هذين البلدين. ويعتقد خبراء أن كثيرين ممن عادوا منهم إلى بلادهم، خصوصا إلى الدول الأوروبية، يشكلون قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، بينما تعتقد فئة من الخبراء أن بعض هؤلاء «الدواعش العائدين» عادوا بهدف شن هجمات إرهابية على وجه التحديد.
وبينما تشير التقديرات إلى أن عدد «الأوروبيين الدواعش» أكثر من 5 آلاف شخص، بعضهم قتل في المعارك في سوريا والعراق، وبعضهم ما زال يقاتل، بينما عاد قرابة 1750 منهم إلى بلادهم، وفقا لتقرير قدمه منسق مكافحة الإرهاب جيل دي كيرشوف إلى الوزراء في الاتحاد الأوروبي. وينص التقرير، الذي لم يتضمن أرقاما محددة حول العائدين، بوضوح على أن الدواعش العائدين ينتمون إلى فئتين محددتين، الفئة غير المؤذية، والفئة عالية التدريب التي تشكل تهديدا محتملا للأوروبيين.
وقال كيرشوف لـ«الشرق الأوسط»: «التهديدات في أوروبا حاليا هي أكثر تعقيدا وتنوعا مما كانت عليه من قبل وخاصة في أعقاب الهجمات التي وقعت في باريس وبروكسل وغيرهما وأتوقع أن تزداد التهديدات خلال الأشهر المقبلة وخاصة في أعقاب ما حدث في الموصل بالعراق والرقة في سوريا وبالتأكيد فإن انهيار تنظيم داعش أو ما يعرف بـ«دولة الخلافة» سيكون له تأثير على أوروبا ودول أخرى وربما ستتدفق موجات من المقاتلين للعودة إلى أوطانهم وتنفيذ هجمات إرهابية فيها ومع ذلك كان هناك عمل مكثف في الأعوام الثلاثة الأخيرة هنا في أوروبا وحاولنا بقدر الإمكان التقليل من نقاط الضعف التي كانت موجودة من قبل وإذا تحدثنا عن التهديدات ونقاط الضعف يمكن القول: إننا حققنا تقدما ملحوظا ولكن في نفس الوقت يجب عينا أن نكون على أعلى درجة من الحذر والتأهب.
وفي رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول أعداد محددة للمقاتلين الأوروبيين قال كيرشوف «أعتقد هناك أكثر من 2500 مقاتل أوروبي في سوريا والعراق حتى الآن وهناك بطبيعة الحال عدد منهم قتل في العمليات القتالية في البلدين إنما بالنسبة للاستعداد لعودة هؤلاء والخطر الذي يمكن أن يمثله هذا الأمر أستطيع القول: إن هناك عملا كبيرا نقوم به ولدي مقترحات حول هذا الصدد قدمتها لوزراء الداخلية والعدل في دول الاتحاد خلال الاجتماع الأخير في بروكسل، وهي مقترحات تتعلق بتحديد طرق التعامل الأوروبي في هذا الاتجاه، ولكن سأكون صريحا نحن لا نعرف ماذا سيحدث في حال العودة، فهناك من سيفضل البقاء في المنطقة والاختفاء فيها والبعض الآخر سيتحرك في المنطقة وربما يحاول الاختفاء في دول مجاورة، وربما يذهب البعض إلى مناطق الصراعات الأخرى أو ما نسميه النقاط الساخنة مثل ليبيا بشكل خاص وفي المقام الأول، وربما يذهب إلى دول أخرى مثل الفلبين أو غيرهما ولكن في النهاية سيعود عدد منهم إلى أوروبا، والآن نعمل على الجاهزية لاستقبال هؤلاء ونحن لا نريد أن نعيد أخطاء الماضي التي وقعنا فيها في نهاية الثمانينات عندما غادر الروس أفغانستان ولم نعط الاهتمام والترقب لما كان يعرف في ذلك الوقت بـ«المجاهدين».
وأشارت دراسة أجرتها السلطات الألمانية إلى أن 10 في المائة من الدواعش العائدين قالوا: إنهم تعرضوا للتضليل من قبل التنظيم. ووجدت الدراسة الألمانية، وحصل عليها موقع «دي فيلت» الإخباري، أن 48 في المائة من العائدين يظلون ملتزمين بآيديولوجية التنظيم الإرهابي أو يظلون على اتصال مع أصدقائهم المتطرفين. وأظهرت الدراسة الألمانية أن 8 في المائة فقط من العائدين إلى ألمانيا عادوا قبل أن يلتحقوا بالقتال مع التنظيم في سوريا والعراق. ونظرا لتداخل وتشابك الكثير من العناصر معا بخصوص العائدين أو التائبين، خصوصا فيما يتعلق بصدقيتهم، فقد طالب التقرير بوضعهم قيد المراقبة على مدار 24 ساعة يوميا.
وما ينطبق على الدواعش الأجانب ينطبق إلى حد كبير على الدواعش العرب، لكن أعدادهم أكثر بكثير من الدواعش الأجانب. ووفقا لأرقام المركز الألماني «فيريل» فإن عدد الأتراك الذين التحقوا بتنظيم داعش يصل إلى 25800 تركي، قتل منهم 5760. بلغ عدد المفقودين 380 شخصا، في حين تقدر دراسات أخرى عددهم بنحو 2200 شخص فقط، عاد منهم قرابة 600 شخص. أما عدد الشيشان الذين التحقوا بالتنظيم فيصل إلى 21 ألف شخص، قتل منهم 5230 شخصا، فيما بلغ عدد المفقودين 1920 مفقودا.



نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.


غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
TT

غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، معرباً عن «قلقه العميق إزاء التأثير المتوقع» لهذه الإجراءات.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، للصحافيين، إن «قرار اليوم يمثّل ضربة قاسية لمساعينا المشتركة لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تشكّل المحكمة ركيزة أساسية فيها».

وأضاف، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «الأمين العام يجدد دعمه الثابت لاستقلال المحكمة ومسؤوليها».

وأعلن وزراء خارجية كل من كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة، الجمعة، «وحدة موقفهم» في دعم المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة العقوبات الأميركية.

وجاء في بيان مشترك للوزراء: «نحن، الدول الأطراف الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نجدد التأكيد على دعمنا الثابت والراسخ لاستقلالية المحكمة وحيادها ونزاهتها».

وصدر البيان عقب الإعلان عن عقوبات أميركية تهدد بشل أنشطة المحكمة، وبعد بضع ساعات من منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية السابقة نافي بيلاي.


ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟ وما دورها؟

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟ وما دورها؟

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عملت نافي بيلاي، الجنوب أفريقية التي أعلن، اليوم الجمعة، فوزها ‌بجائزة نوبل للسلام، قاضية في عدة محاكم دولية، من بينها المحكمة الجنائية الدولية.

وفيما يلي بعض الحقائق عن المحكمة الجنائية الدولية، وفقاً لوكالة «رويترز»:

متى تأسست المحكمة ولماذا؟

تأسست المحكمة في 2002 لمحاكمة المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجريمة شن عمل عدائي، عندما تكون الدول الأعضاء غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك بنفسها. ويمكنها نظر القضايا المتعلقة ​بجرائم يرتكبها مواطنو الدول الأعضاء أو على أراضي الدول الأعضاء من قبل أطراف أخرى. ويبلغ عدد الدول الأعضاء 125 دولة. وتبلغ ميزانية المحكمة لعام 2025 نحو 195 مليون يورو (202 مليون دولار).

ما الذي تحقق فيه المحكمة؟

تُجري المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات تتعلق بمناطق مختلفة مثل الأراضي الفلسطينية وأوكرانيا ودول أفريقية، مثل أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا، وفنزويلا في أميركا اللاتينية وميانمار والفلبين في آسيا. وتقول المحكمة إنها تنظر في 34 قضية، بعضها يضم أكثر من مشتبه به واحد. وأصدر قضاة المحكمة ما لا يقل عن 68 مذكرة توقيف.

من على قائمة مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة؟

من بين المشتبه بهم على قائمة المحكمة الجنائية الدولية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتهم بالمسؤولية الجنائية عن أعمال تشمل القتل والاضطهاد واستخدام التجويع كسلاح حرب في قطاع غزة. كما تتهم المحكمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بارتكاب جرائم حرب بالترحيل القسري لمئات الأطفال من أوكرانيا.

ونفت إسرائيل وروسيا، وهما غير أعضاء في المحكمة، مراراً ارتكاب قواتهما لفظائع في قطاع غزة وأوكرانيا ودفعا بأن ‌المحكمة الجنائية الدولية ليس لها ‌اختصاص ولا ولاية عليهما.

ووقت إصدار مذكرة التوقيف بحق نتنياهو، أصدرت المحكمة أيضاً مذكرة توقيف بحق وزير ​الدفاع ‌الإسرائيلي السابق يوآف ​غالانت والقيادي في حركة «حماس» إبراهيم المصري المعروف باسم محمد الضيف. وتأكد مقتل الضيف بعد إصدار المذكرة.

وأصدرت المحكمة أيضاً مذكرتي توقيف بحق اثنين من كبار قادة حركة «طالبان» الأفغانية، واتهمتهما باضطهاد النساء، وهو ما نفته الحركة.

وطلب ممثلو الادعاء بالمحكمة إصدار مذكرات توقيف بحق قائد الجيش في ميانمار مين أونغ هلاينغ بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية فيما يتردد عن اضطهاد أقلية الروهينغا، وأغلبها من المسلمين. ولم يُعلن عن نتيجة هذا الطلب.

ما هي المحاكمات المعلقة؟

من المقرر أن يمثل الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي أمام المحكمة في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) بتهمتي القتل والشروع في القتل باعتبارهما جريمتين ضد الإنسانية تتعلقان بحربه على المخدرات، وهما تهمتان ينفيهما. وينتظر مواطن ليبي أيضاً متهم بالإشراف على سجن سيئ السمعة المحاكمة.

لماذا تعارض الولايات المتحدة المحكمة؟

حضر وفد أميركي المفاوضات التي أفضت إلى وضع نظام روما الأساسي للمحكمة في عام 1998، لكن لم تنضم الولايات المتحدة إليها أبداً، وتعارض دائماً اختصاصها فيما يتعلق بالمواطنين الأميركيين.

وأقرت واشنطن في عام 2002 ما يعرف باسم «قانون غزو لاهاي»، الذي ‌يخول للرئيس استخدام «جميع الوسائل اللازمة» لضمان الإفراج عن أي مواطن أميركي أو حليف للولايات المتحدة ‌تحتجزه المحكمة.

ودعمت الولايات المتحدة في السنوات اللاحقة بعض تحقيقات المحكمة، وخاصة في الفظائع المرتكبة في دارفور ​وأوغندا، لكنها ظلت تعارض بشدة أن تنظر المحكمة فيما يتردد عن ارتكاب ‌القوات الأميركية جرائم على أراضي الدول الأعضاء في المحكمة.

وفرضت واشنطن خلال إدارة ترمب الأولى في عام 2020 عقوبات على المدعية العامة للمحكمة آنذاك، ومسؤول آخر، ‌بسبب التحقيق في ارتكاب القوات الأميركية جرائم حرب في أفغانستان. وألغت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن العقوبات بعد عام.

وبعدما أصدرت المحكمة في أوائل عام 2025 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، أذن ترمب بفرض عقوبات اقتصادية وقيود سفر على مسؤولي المحكمة الذين يستهدفون الولايات المتحدة وحلفاءها من غير الأعضاء في المحكمة. وفرضت واشنطن منذ ذلك الحين عقوبات على 13 مسؤولاً في المحكمة، من بينهم تسعة قضاة.

ووصف ترمب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الشهر الماضي، المحكمة بأنها «مؤسسة مارقة» و«جماعة شريرة»، وحث الدول الأعضاء على الانسحاب منها.

لماذا ‌تقول المحكمة الجنائية الدولية إن لديها الاختصاص على بعض مواطني الدول غير الأعضاء؟

تحظى المحكمة بدعم العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكن لم تنضم إليها دول أخرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، بدعوى أنها قد تستخدم في ملاحقات قضائية ذات دوافع سياسية.

وإسرائيل ليست عضواً في المحكمة ولا تعترف باختصاصها القضائي، لكن الأراضي الفلسطينية انضمت إليها في عام 2015 باعتبارها دولة عضو. ويعني هذا، بالإضافة إلى حكم أصدره قضاة المحكمة، أن بوسع المحكمة النظر في جرائم حرب محتملة ارتكبها مقاتلو حركة «حماس» في إسرائيل، وإسرائيليون في قطاع غزة والضفة الغربية.

ويستند منطق إصدار مذكرتي توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين إلى الأساس نفسه المستخدم في مذكرات التوقيف بحق مسؤولين روس بشأن جرائم يُقال إنها ارتُكبت في أوكرانيا؛ إذ تتعلق هذه المذكرات بوقائع الجنائية تردد أنها حدثت على أراضي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية.

وميانمار ليست عضواً في المحكمة، لكن قضاة حكموا في عامي 2018 و2019 أن للمحكمة اختصاصاً قضائياً بالنظر في جرائم عابرة للحدود تردد أن جزءاً منها وقع في بنغلادش المجاورة، وهي عضو في المحكمة، مثل الترحيل والاضطهاد، وقالوا إن بإمكان ممثلي الادعاء فتح تحقيق رسمي.

أما الفلبين، فهي ليست عضواً حالياً لكنها كانت كذلك في الفترة من 2011 إلى 2019 حين أصبح انسحاب الرئيس دوتيرتي من جانب واحد نهائياً. وبموجب نظام روما الأساسي، تحتفظ المحكمة باختصاصها القضائي في أي دولة تنسحب منها عن الجرائم المرتكبة خلال فترة العضوية.

كم عدد الأشخاص الذين أدانتهم المحكمة؟

أصدر قضاة المحكمة 15 حكماً بالإدانة وأربعة أحكام بالبراءة. واحتُجز 23 شخصاً في مركز الاحتجاز التابع للمحكمة في لاهاي ومثلوا أمام المحكمة، ولا يزال 34 متهماً فارين. كما ​أسقطت التهم عن تسعة أشخاص بسبب وفاتهم.

ومن بين الإدانات، كانت 10 فقط ​منها بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. أما الإدانات الأخرى فكانت تتعلق بارتكاب جرائم مثل التأثير على الشهود. والمدانون العشرة كلهم من قادة ميليشيات أفريقية في دول جمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وأوغندا. وتراوحت الأحكام بين 9 أعوام و30 عاماً في السجن. وأقصى عقوبة سجن ممكنة هي السجن مدى الحياة.