تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

انكشاف أمني ودعوات تغيير في ذكرى «ثورة البوعزيزي»

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري
TT

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

فجّرت جريمة اغتيال مهندس تونسي نسبتها الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية إلى جهاز «الموساد» الإسرائيلي و«مخابرات أجنبية» تحركات شعبية واسعة في تونس لمحاسبة الحكومة داخل البرلمان ووسائل الإعلام عن «الإخفاق السياسي والأمني» وسط مؤشرات لإعادة تشكيل المشهد السياسي والحزبي الوطني في البلاد. ولقد تبنّت حركات تحرر وطني فلسطينية كثيرة مهندس الطيران المخترع محمد الزواري ووصفته بـ«شهيد الموساد»، كاشفة أنه سبق له أن صنع طائرات من دون طيار (درون) للفصائل الفلسطينية وعمل معها طوال 10 سنوات. في حين تراوحت مواقف الرسميين والمعارضين بين التحفظ والمساندة، وسط تخوّف المراقبين من أن تؤدي التظاهرات الجديدة والمحاسبة العلنية للسلطات في البرلمان ووسائل الإعلام إلى «ثورة ثانية» تتزامن مع ذكرى إسقاط حكم زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011.
إلى أين يسير المشهد السياسي الوطني في تونس؟ ففي حين لوّحت أطراف سياسية ونقابية كثيرة بتنظيم مظاهرة «ضخمة غير مسبوقة»، مساء اليوم (السبت)، في مدينة صفاقس، ثاني كبرى المدن التونسية، وموطن المهندس محمد الزواري، تكشف الشعارات التي ترفع منذ أيام في وسائل الإعلام ومسيرات الاحتجاج على اغتياله عن أبعاد أخرى؛ إذ يحرص بعض المنخرطين على توظيف التحركات الاجتماعية والسياسية للضغط على السلطات وتبديل المشهد السياسي، مع دعوة البعض الآخر إلى «ثورة ثانية تؤدي إلى تغيير شامل».

اغتيال «وحّد التونسيين»
ولقد شاءت الأقدار أن تسجَّل جريمة الاغتيال الاستفزازية للمهندس الطيار محمد الزواري، أمام بيته، في مرحلة تعيش معها غالبية مدن تونس اضطرابات اجتماعية وأجواء سياسية مشحونة داخل السلطة والحزب الحاكم الذي يتزعمه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي. كذلك شاءت الأقدار أن تتزامن التحركات الاحتجاجية على جريمة الاغتيال مع مظاهرات سياسية اجتماعية تُنظَّم في طول البلاد وعرضها إحياء لـ«ثورة محمد البوعزيزي» في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 وانتفاضة «المهمّشين» التي تسبّبت بإسقاط حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011، ثم بمسلسل «الثورات العربية».
ولئن تميّز المشهد السياسي والحزبي التونسي بالتشرذم والانقسامات، خصوصًا في صفوف الأحزاب الليبرالية واليسارية، فلقد كشفت ردود الفعل على اغتيال الزواري أن «فلسطين وحّدت صنّاع القرار في تونس بمختلف ألوانهم»، كما أورد الوزير السابق للتربية والتعليم والكاتب سالم الأبيض، وهو من التيار القومي العروبي.

ضغوط وتحوّلات
وبعيدًا عن فُسيفساء المظاهرات الاجتماعية و«المهرجانات الخطابية» و«الشعارات العاطفية العابرة» التي فجرتها حادثة الاغتيال والتحركات الشعبية الواسعة للتنديد بالاغتيال وبـ«اختراق المخابرات الأجنبية» سيادة تونس، لوحظ تطور موقف الرسميين منها من التجاهل واللامبالاة مرورًا بالمسايرة ووصولاً إلى الرضوخ لضغوط وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمسيرات. وبعدما وصف وزير الداخلية الهادي المجدوب في مؤتمر صحافي محمد الزواري بـ«القتيل» و«الهالك»، أصبح رئيس الحكومة يوسف الشاهد وكبار المسؤولين في الدولة والأحزاب يصفونه بـ«الشهيد» و«العالم المخترع»، ويعلنون عن الاستعداد لأن ترفع الحكومة التونسية شكاوى دولية ضد المخابرات «الأجنبية» المتهمة بانتهاك حرمة التراب التونسي والسيادة الوطنية، وفق الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري عصام الشابي، الذي قاد عدة مظاهرات في العاصمة تونس.
وفي الوقت نفسه، اعتبر البرلماني زهير مغزاوي، الأمين العام لحزب الشعب القومي، خلال تجمع شعبي بالقرب من وزارة الداخلية التونسية أن «الرأي العام الشعبي في تونس سيتابع ضغوطاته على السلطات للبرهنة على وفاء شعب تونس لثوابته الوطنية وللمبادئ التي جعلته منذ الثلاثينات والأربعينات في القرن الماضي يرسل متطوعين لـ(الجهاد في فلسطين)». وتطوّرت مساءلة الحكومة عن «تقصيرها» الأمني والدبلوماسي والإعلامي في التعامل مع «اختراق المخابرات الإسرائيلية والأجنبية» للبلاد بعد سقوط حكم بن علي إلى محاسبة علنية لسياستها الخارجية والأمنية ومطالبات متفرقة بإقالة عدد من الوزراء، بينهم وزير الخارجية خميّس الجهيناوي، الذي كان أول سفير لتونس في تل أبيب عام 1995 في أعقاب «اتفاق مقاربة الدولة».
في المقابل، ما زال «منطق الدولة» يحكم مواقف المسؤولين الأُوَل في السلطة وفي قيادات الأحزاب الكبرى، وعلى رأسها حزب «نداء تونس» الحاكم، حيث حرص الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على التعامل بحذر مع المستجدات ميدانيًا وسياسيًا، ورجّح «أجندة» رجل الدولة على أجندات السياسيين. وعند ترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للجيوش اكتفى قائد السبسي بتصريح قصير أكد فيه على واجب حماية حدود البلاد وأمنها. كذلك تمسك الرئيس التونسي بالحذر رغم النداءات التي وجّهها له سياسيون مستقلون وقياديون في الأحزاب الحاكمة والمعارضة لـ«تدويل» جريمة الاغتيال بصفته وزير خارجية تونس في أكتوبر (تشرين الأول) 1985 عندما قصفت طائرات حربية إسرائيلية مقر القيادة الفلسطينية في تونس.
وكان قائد السبسي ترأس يومذاك فريق الدبلوماسيين الذين كلفهم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة برفع شكوى ضد إسرائيل مع التهديد بقطع العلاقات مع واشنطن في صورة استخدامها حق النقض «الفيتو». وبالفعل، اكتفت الولايات المتحدة وقتها بالاحتفاظ بصوتها رغم إدانة القرار لإسرائيل ومطالبتها بتقديم تعويضات لتونس عن الخسائر التي لحقت بها.

منطقان متغايران
وفي الوقت الذي يتسابق فيه قياديون من أحزاب كثيرة، بينها حزب «حركة النهضة» الإسلامي، لتوظيف الاحتجاجات والمظاهرات من أجل تحسين مواقعهم وتحسين شعبية أحزابهم في البلاد، فاجأ عدد من القادة البارزين في «النهضة» المراقبين بـ«واقعيتهم المبالغ فيها»، حسب بعض النقابيين التونسيين، حيث أدلى الوزير عماد الحمامي، الناطق الرسمي باسم «النهضة» بتصريحات فاجأت كثيرين وأثارت جدلاً وردود فعل متباينة داخل كوادر حزبه وخارجها، وأيضًا تسببت بتوجيه انتقادات لاذعة له لحركته. ذلك أن الحمامي تساءل عن مبررات «التسرّع» في اتهام إسرائيل والحكومة التونسية «قبل استكمال التحقيقات والتحريات».
وفي السياق ذاته، حافظ زعيم «النهضة» راشد الغنوشي على صمته، خصوصًا أن التحرّكات والاحتجاجات تزامنت مع وجوده في العاصمة البلجيكية (والأوروبية) بروكسل، حيث ترأس مؤتمرًا لمئات من كوادر حركته في المهجر. وبدا الغنوشي، بوضوح، في مظهر الزعيم السياسي المشارك في الحكم الذي لا يريد أن يتورط في مواقف سياسية حماسية «قبل استكمال نتائج التحقيق الأمني والقضائي».
وداخل البرلمان، انتقد رئيس كتلة «النهضة» الوزير السابق نور الدين البحيري جريمة اغتيال المهندس الزواري، بيد أنه دعا السياسيين والنشطاء إلى التوقف عن «المزايدات» والجدل حول خصال الفقيد وعيوبه، وما إذا كان «شهيدًا» أم لا. واعتبر أن صفة «الشهادة تكريم من الله يعطيها الله لمن يشاء ولا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات سياسية».
في هذا المناخ الذي يعتبر فيه كثيرون من المراقبين أن «النهضة» بات المستفيد الأكبر شعبيًا من الاحتجاجات الاجتماعية ومن المظاهرات المعادية للحكومة بحجة «إخفاقاتها الأمنية»، بدت رئاسة «النهضة» حذرة جدًا في مسايرة «انفعالات» الشباب المهمّش الذي يلوّح بـ«ثورة ثانية» قد تطيح بالحزب الحاكم (نداء تونس) الحالي الذي يتزعمه قائد السبسي. لكن النتيجة ستكون في الوقت نفسه الإطاحة بشركائه السبعة في الحكومة وبينهم وزراء «النهضة»، وعلى رأسهم وزير الصناعة والتجارة الأمين العام الجديد للحزب.
وراهنًا، تبدو قيادات الطبقة السياسية في موقع لا تحسد عليه بين ضغوط مزدوجة شعبية من جهة وسياسية دولية من جهة ثانية. وعلى الرغم من تحسن الأوضاع الأمنية في تونس خلال العام المنقضي، تسبب الإعلان عن الجذور التونسية للشاب المشتبه فيه بقتل أو جرح عشرات الألمان في العاصمة الألمانية برلين في إحراج ساسة تونس التي باتت بعض التقارير تصنّفها في المراتب الأولى دوليًا على صعيد «تصدير الإرهابيين». وجاء هذا التطور بعد أشهر قليلة من هجوم مماثل بشاحنة نفذه شاب تونسي آخر في مدينة نيس الفرنسية، ومع تأكيد مصادر دولية مختلفة أن نسبة كبيرة من الإرهابيين والمقاتلين المتطرفين في العراق وسوريا والعالم خلال العقدين الماضيين من المغاربيين، بينهم شبان من تونس، مثل قتلة الزعيم الأفغاني المعتدل أحمد شاه مسعود عام 2001، والمتورّط الرئيسي في تفجير قطار مدريد بإسبانيا عام 2004.

الموقف من «الإخوان»
في هذه الأثناء، تابع بعض السياسيين اليساريين ضغوطهم وتصريحاتهم التي تضغط على «نداء تونس» حزب الرئيس قائد السبسي وعلى «النهضة» بزعامة الثنائي راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو كي لا يتورط حزباهم كثيرًا في مسايرة مسيرات الغضب من اغتيال محمد الزواري، وتطالب الحزبين الكبيرين بإعلانهما التبرؤ القاطع والصريح من «الجماعات الإرهابية» و«التنظيمات التكفيرية» وأيضًا من حركة «الإخوان المسلمين».
وفي المرحلة التي تعاقبت فيه زيارات الغنوشي وعدد من المقربين منه إلى العواصم الغربية كباريس وبروكسل وروما وبرلين، وكذلك إلى الدول الخليجية حرصًا على تطبيع علاقات حركته معها، تبدو «الورقة الدولية»، وفق مراقبين، بصدد عرقلة الجهود التي يبذلها متشددو «النهضة» للاستفادة من جريمة الاغتيال. وللعلم، كان المهندس القتيل من بين نشطاء «الاتجاه الإسلامي» في الحركة الطلابية قبل مغادرته تونس وانضمامه إلى الفصائل الفلسطينية في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي.
وفي أعقاب المواقف التي صدرت عن زعيم «النهضة»، وانتقد فيها الدور الإيراني في اليمن وسوريا وهجوم الحوثيين بصاروخ على منطقة مكة المكرمة، يبدو الغنوشي في المقابل حريصا على التعامل بـ«حذر شديد» مع دعاة التصعيد السياسي ضد العواصم الغربية المتحالفة مع إسرائيل، ومع المبشّرين بشن «ثورة ثانية» يكون الإسلاميون طرفا فيها هذه المرة.

ورقة النقابات
لكن بين أكبر التحديات التي تواجه الرئيس قائد السبسي وحكومة يوسف الشاهد وقيادات الأحزاب المشاركة فيها، بزعامة «نداء تونس» و«النهضة»، توسّع نطاق الاحتجاجات لتشمل قيادات نقابات العمال والصحافيين والمحامين والمهندسين والمجتمع المدني، ويتداخل فيها الاجتماعي والسياسي والأمني، إذ دخلت قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل على الخط وأصدرت مواقف وصفت بـ«الراديكالية» من حيث نقدها للسلطات وسياساتها الاجتماعية والأمنية. كذلك تبنّت قضية المهندس الزواري ووصفته بـ«الشهيد»، وانخرطت مع القوى التي وظّفت التعاطف الشعبي معه ومع عائلته لمحاولة تغيير ميزان القوى السياسي، وذلك عشية تنظيم المؤتمر الوطني لاتحاد النقابات بنهاية الشهر المقبل وللمطالبة بإقالة عدد من السياسيين بينهم وزير التربية والتعليم.
أيضًا نزل اتحاد المهندسين - الذي يمثل 70 ألف مهندس تونسي - إلى المعركة السياسية وميادين الاحتجاجات الشعبية في العاصمة والجهات الداخلية لأول مرة تحت يافطة التضامن مع «المهندس الشهيد». وسار في المنحى نفسه اتحاد نقابات الفلاحين والصيادين الذي يضم مئات الآلاف من الأعضاء. وتجدر الإشارة إلى أن قيادات نقابات المهندسين والفلاحين تنتمي إلى التيارات الإسلامية والقومية، بينما ينتمي معظم قادة النقابات العمالية إلى الأحزاب اليسارية، بما يوشك أن يزيد مرحلة خلط أوراق تونس خلال مرحلة تتفاقم فيها الخلافات داخل حزب الرئيس قائد السبسي وتزيد في إضعافه. ولئن كانت النقابات قد لعبت دورا حاسما في الإطاحة بحكم بن علي قبل 6 سنوات، فإن نزولها إلى الشارع مجددًا، رافعةً شعارات اجتماعية وسياسية ووطنية وقومية، يمكن أن يعمق الخلل في المشهد السياسي لصالحها على حساب الحكومة والزعامات التاريخية للأحزاب المشاركة فيها.

المرزوقي تحت الأضواء
في هذا المناخ تسارعت مؤشرات إعادة ترتيب الأوراق والأولويات واللاعبين في المشهد السياسي الوطني. إذ نجحت جلسات الاستماع العلنية التي نظمتها «هيئة الحقيقة والكرامة» وبثتها القنوات التلفزيونية التونسية لضحايا القمع خلال السنوات الـ60 الماضية في إرباك رموز النظام السابق الذين باتوا متهمين بالتورط في أشكال بشعة من اضطهاد معارضيهم من كل الألوان السياسية وتعذيبهم. وبحكم انتماء غالبية نشطاء حزب الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي لحزب قائد السبسي فقد ضعف موقفهم شعبيًا في مرحلة تعدّدت فيها الانتقادات الموجهة إليهم وإلى أدائهم الحكومي. ومن ثم، بدأ رموز «الثورة» يعودون بقوة، وعادت وسائل الإعلام الحكومة مجددًا لفتح شاشاتها للرئيس السابق المنصف المرزوقي وأنصاره، الذين إما يتابعون جلسات الاستماع العلنية أو يزورون بيت المهندس الزواري في صفاقس، ويدلون بتصريحات نارية تتضمن دعوات لإقالة كبار المسؤولين في الحكومة ومحاسبة المتورطين في الثغرات الأمنية.
وفي هذه الأثناء، تتعرض الحكومة لانتقادات لاذعة أخرى بعد «تسلل» مراسلين حربيين تابعين للقناة العاشرة الإسرائيلية إلى تونس، ونجاحهم في إجراء تحقيقات تلفزيونية من أمام مقر وزارة الداخلية في قلب العاصمة تونس، ثم في بيت المهندس الزواري. واعتبر الوزير السابق والقيادي بحزب «التيار الديمقراطي» محمد عبو وجود مراسل القناة الإسرائيلية على الأراضي التونسية «إهانة للدولة التونسية». ومن ثم، طالب عبو وزارة الداخلية والحكومة بإصدار توضيح مقنع عن ملابسات دخول «الجاسوس العسكري باسم صحافي له هويات أوروبية مختلفة» إلى تونس، دون انتباه أجهزة الدولة. كذلك اعتبرت البرلمانية المعارضة سامية عبو أن الحكومة التونسية «فقدت مصداقيتها تمامًا» داعيةً مع برلمانيين وسياسيين آخرين إلى إقالتها.
وفي المقابل، وجه نوري اللجمي رئيس الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري وناجي البغوري رئيس نقابة الصحافيين اتهامات خطيرة للسلطات، التي سبق أن حذراها من اختراق «الموساد» ومخابرات أجنبية لتونس تحت يافطات «إعلاميين» يحملون أكثر من جواز سفر.

حرب خلافة
أخيرًا، بينما تتراوح الأوضاع السياسية والأمنية في تونس مجددًا بين التحكم والانفلات الاجتماعي والإعلامي والسياسي، يفتح بعض المراقبين مجددًا ملف «حرب الخلافة»، أي مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويذكر أن تونس شهدت خلال العقود الماضية حوادث متعاقبة ضربت إسرائيل فيها أهدافا فلسطينية، بينها قصف مقاتلات حربية إسرائيلية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط خلال أكتوبر 1985، ثم اغتيال زمرة «كوماندوس إسرائيلية» زعيم «الانتفاضة الأولى» خليل الوزير (أبو جهاد) في أبريل (نيسان) 1988، ثم زعماء حركة «فتح» وجناحها الأمني فتح أبو إياد وأبو محمد وهايل عبد الحميد في يناير 1991.
لكن الجديد في التطورات الحالية تزايد دور قوى المجتمع المدني ونشطاء مواقع الإعلام الاجتماعي في تونس، وعلى رأسهم قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابات المهندسين والفلاحين والصحافيين التونسيين، إذ انخرطت هذه الأطراف في مسلسل من التحركات الرامية لإضعاف الدولة، وفتحت بالمناسبة ملفات سياسية أمنية تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الاعتبارات الدولية، من بينها ملف «السيادة الوطنية»، بينما يقرّ رسميون سابقون في الحكومة، مثل وزير الأمن الوطني سابقًا الأزهر العكرمي بأن «تونس مخترَقة بمئات من ممثلي المخابرات الأجنبية والإسرائيلية» وأصبحت مهددة بسيناريوهات كثيرة من التدخلات الأجنبية.
فهل تكون «الأزمة الجديدة» القَطرة التي تفيض الكأس، وسط توالي انكشاف «الثغرات» وتزايد الأوضاع الأمنية والسياسية تعقيدًا وغموضًا في محيط تونس الجيواستراتيجي ودول جوارها، خصوصًا في ليبيا والجزائر ومالي؟



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.