تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

انكشاف أمني ودعوات تغيير في ذكرى «ثورة البوعزيزي»

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري
TT

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

فجّرت جريمة اغتيال مهندس تونسي نسبتها الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية إلى جهاز «الموساد» الإسرائيلي و«مخابرات أجنبية» تحركات شعبية واسعة في تونس لمحاسبة الحكومة داخل البرلمان ووسائل الإعلام عن «الإخفاق السياسي والأمني» وسط مؤشرات لإعادة تشكيل المشهد السياسي والحزبي الوطني في البلاد. ولقد تبنّت حركات تحرر وطني فلسطينية كثيرة مهندس الطيران المخترع محمد الزواري ووصفته بـ«شهيد الموساد»، كاشفة أنه سبق له أن صنع طائرات من دون طيار (درون) للفصائل الفلسطينية وعمل معها طوال 10 سنوات. في حين تراوحت مواقف الرسميين والمعارضين بين التحفظ والمساندة، وسط تخوّف المراقبين من أن تؤدي التظاهرات الجديدة والمحاسبة العلنية للسلطات في البرلمان ووسائل الإعلام إلى «ثورة ثانية» تتزامن مع ذكرى إسقاط حكم زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011.
إلى أين يسير المشهد السياسي الوطني في تونس؟ ففي حين لوّحت أطراف سياسية ونقابية كثيرة بتنظيم مظاهرة «ضخمة غير مسبوقة»، مساء اليوم (السبت)، في مدينة صفاقس، ثاني كبرى المدن التونسية، وموطن المهندس محمد الزواري، تكشف الشعارات التي ترفع منذ أيام في وسائل الإعلام ومسيرات الاحتجاج على اغتياله عن أبعاد أخرى؛ إذ يحرص بعض المنخرطين على توظيف التحركات الاجتماعية والسياسية للضغط على السلطات وتبديل المشهد السياسي، مع دعوة البعض الآخر إلى «ثورة ثانية تؤدي إلى تغيير شامل».

اغتيال «وحّد التونسيين»
ولقد شاءت الأقدار أن تسجَّل جريمة الاغتيال الاستفزازية للمهندس الطيار محمد الزواري، أمام بيته، في مرحلة تعيش معها غالبية مدن تونس اضطرابات اجتماعية وأجواء سياسية مشحونة داخل السلطة والحزب الحاكم الذي يتزعمه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي. كذلك شاءت الأقدار أن تتزامن التحركات الاحتجاجية على جريمة الاغتيال مع مظاهرات سياسية اجتماعية تُنظَّم في طول البلاد وعرضها إحياء لـ«ثورة محمد البوعزيزي» في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 وانتفاضة «المهمّشين» التي تسبّبت بإسقاط حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011، ثم بمسلسل «الثورات العربية».
ولئن تميّز المشهد السياسي والحزبي التونسي بالتشرذم والانقسامات، خصوصًا في صفوف الأحزاب الليبرالية واليسارية، فلقد كشفت ردود الفعل على اغتيال الزواري أن «فلسطين وحّدت صنّاع القرار في تونس بمختلف ألوانهم»، كما أورد الوزير السابق للتربية والتعليم والكاتب سالم الأبيض، وهو من التيار القومي العروبي.

ضغوط وتحوّلات
وبعيدًا عن فُسيفساء المظاهرات الاجتماعية و«المهرجانات الخطابية» و«الشعارات العاطفية العابرة» التي فجرتها حادثة الاغتيال والتحركات الشعبية الواسعة للتنديد بالاغتيال وبـ«اختراق المخابرات الأجنبية» سيادة تونس، لوحظ تطور موقف الرسميين منها من التجاهل واللامبالاة مرورًا بالمسايرة ووصولاً إلى الرضوخ لضغوط وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمسيرات. وبعدما وصف وزير الداخلية الهادي المجدوب في مؤتمر صحافي محمد الزواري بـ«القتيل» و«الهالك»، أصبح رئيس الحكومة يوسف الشاهد وكبار المسؤولين في الدولة والأحزاب يصفونه بـ«الشهيد» و«العالم المخترع»، ويعلنون عن الاستعداد لأن ترفع الحكومة التونسية شكاوى دولية ضد المخابرات «الأجنبية» المتهمة بانتهاك حرمة التراب التونسي والسيادة الوطنية، وفق الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري عصام الشابي، الذي قاد عدة مظاهرات في العاصمة تونس.
وفي الوقت نفسه، اعتبر البرلماني زهير مغزاوي، الأمين العام لحزب الشعب القومي، خلال تجمع شعبي بالقرب من وزارة الداخلية التونسية أن «الرأي العام الشعبي في تونس سيتابع ضغوطاته على السلطات للبرهنة على وفاء شعب تونس لثوابته الوطنية وللمبادئ التي جعلته منذ الثلاثينات والأربعينات في القرن الماضي يرسل متطوعين لـ(الجهاد في فلسطين)». وتطوّرت مساءلة الحكومة عن «تقصيرها» الأمني والدبلوماسي والإعلامي في التعامل مع «اختراق المخابرات الإسرائيلية والأجنبية» للبلاد بعد سقوط حكم بن علي إلى محاسبة علنية لسياستها الخارجية والأمنية ومطالبات متفرقة بإقالة عدد من الوزراء، بينهم وزير الخارجية خميّس الجهيناوي، الذي كان أول سفير لتونس في تل أبيب عام 1995 في أعقاب «اتفاق مقاربة الدولة».
في المقابل، ما زال «منطق الدولة» يحكم مواقف المسؤولين الأُوَل في السلطة وفي قيادات الأحزاب الكبرى، وعلى رأسها حزب «نداء تونس» الحاكم، حيث حرص الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على التعامل بحذر مع المستجدات ميدانيًا وسياسيًا، ورجّح «أجندة» رجل الدولة على أجندات السياسيين. وعند ترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للجيوش اكتفى قائد السبسي بتصريح قصير أكد فيه على واجب حماية حدود البلاد وأمنها. كذلك تمسك الرئيس التونسي بالحذر رغم النداءات التي وجّهها له سياسيون مستقلون وقياديون في الأحزاب الحاكمة والمعارضة لـ«تدويل» جريمة الاغتيال بصفته وزير خارجية تونس في أكتوبر (تشرين الأول) 1985 عندما قصفت طائرات حربية إسرائيلية مقر القيادة الفلسطينية في تونس.
وكان قائد السبسي ترأس يومذاك فريق الدبلوماسيين الذين كلفهم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة برفع شكوى ضد إسرائيل مع التهديد بقطع العلاقات مع واشنطن في صورة استخدامها حق النقض «الفيتو». وبالفعل، اكتفت الولايات المتحدة وقتها بالاحتفاظ بصوتها رغم إدانة القرار لإسرائيل ومطالبتها بتقديم تعويضات لتونس عن الخسائر التي لحقت بها.

منطقان متغايران
وفي الوقت الذي يتسابق فيه قياديون من أحزاب كثيرة، بينها حزب «حركة النهضة» الإسلامي، لتوظيف الاحتجاجات والمظاهرات من أجل تحسين مواقعهم وتحسين شعبية أحزابهم في البلاد، فاجأ عدد من القادة البارزين في «النهضة» المراقبين بـ«واقعيتهم المبالغ فيها»، حسب بعض النقابيين التونسيين، حيث أدلى الوزير عماد الحمامي، الناطق الرسمي باسم «النهضة» بتصريحات فاجأت كثيرين وأثارت جدلاً وردود فعل متباينة داخل كوادر حزبه وخارجها، وأيضًا تسببت بتوجيه انتقادات لاذعة له لحركته. ذلك أن الحمامي تساءل عن مبررات «التسرّع» في اتهام إسرائيل والحكومة التونسية «قبل استكمال التحقيقات والتحريات».
وفي السياق ذاته، حافظ زعيم «النهضة» راشد الغنوشي على صمته، خصوصًا أن التحرّكات والاحتجاجات تزامنت مع وجوده في العاصمة البلجيكية (والأوروبية) بروكسل، حيث ترأس مؤتمرًا لمئات من كوادر حركته في المهجر. وبدا الغنوشي، بوضوح، في مظهر الزعيم السياسي المشارك في الحكم الذي لا يريد أن يتورط في مواقف سياسية حماسية «قبل استكمال نتائج التحقيق الأمني والقضائي».
وداخل البرلمان، انتقد رئيس كتلة «النهضة» الوزير السابق نور الدين البحيري جريمة اغتيال المهندس الزواري، بيد أنه دعا السياسيين والنشطاء إلى التوقف عن «المزايدات» والجدل حول خصال الفقيد وعيوبه، وما إذا كان «شهيدًا» أم لا. واعتبر أن صفة «الشهادة تكريم من الله يعطيها الله لمن يشاء ولا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات سياسية».
في هذا المناخ الذي يعتبر فيه كثيرون من المراقبين أن «النهضة» بات المستفيد الأكبر شعبيًا من الاحتجاجات الاجتماعية ومن المظاهرات المعادية للحكومة بحجة «إخفاقاتها الأمنية»، بدت رئاسة «النهضة» حذرة جدًا في مسايرة «انفعالات» الشباب المهمّش الذي يلوّح بـ«ثورة ثانية» قد تطيح بالحزب الحاكم (نداء تونس) الحالي الذي يتزعمه قائد السبسي. لكن النتيجة ستكون في الوقت نفسه الإطاحة بشركائه السبعة في الحكومة وبينهم وزراء «النهضة»، وعلى رأسهم وزير الصناعة والتجارة الأمين العام الجديد للحزب.
وراهنًا، تبدو قيادات الطبقة السياسية في موقع لا تحسد عليه بين ضغوط مزدوجة شعبية من جهة وسياسية دولية من جهة ثانية. وعلى الرغم من تحسن الأوضاع الأمنية في تونس خلال العام المنقضي، تسبب الإعلان عن الجذور التونسية للشاب المشتبه فيه بقتل أو جرح عشرات الألمان في العاصمة الألمانية برلين في إحراج ساسة تونس التي باتت بعض التقارير تصنّفها في المراتب الأولى دوليًا على صعيد «تصدير الإرهابيين». وجاء هذا التطور بعد أشهر قليلة من هجوم مماثل بشاحنة نفذه شاب تونسي آخر في مدينة نيس الفرنسية، ومع تأكيد مصادر دولية مختلفة أن نسبة كبيرة من الإرهابيين والمقاتلين المتطرفين في العراق وسوريا والعالم خلال العقدين الماضيين من المغاربيين، بينهم شبان من تونس، مثل قتلة الزعيم الأفغاني المعتدل أحمد شاه مسعود عام 2001، والمتورّط الرئيسي في تفجير قطار مدريد بإسبانيا عام 2004.

الموقف من «الإخوان»
في هذه الأثناء، تابع بعض السياسيين اليساريين ضغوطهم وتصريحاتهم التي تضغط على «نداء تونس» حزب الرئيس قائد السبسي وعلى «النهضة» بزعامة الثنائي راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو كي لا يتورط حزباهم كثيرًا في مسايرة مسيرات الغضب من اغتيال محمد الزواري، وتطالب الحزبين الكبيرين بإعلانهما التبرؤ القاطع والصريح من «الجماعات الإرهابية» و«التنظيمات التكفيرية» وأيضًا من حركة «الإخوان المسلمين».
وفي المرحلة التي تعاقبت فيه زيارات الغنوشي وعدد من المقربين منه إلى العواصم الغربية كباريس وبروكسل وروما وبرلين، وكذلك إلى الدول الخليجية حرصًا على تطبيع علاقات حركته معها، تبدو «الورقة الدولية»، وفق مراقبين، بصدد عرقلة الجهود التي يبذلها متشددو «النهضة» للاستفادة من جريمة الاغتيال. وللعلم، كان المهندس القتيل من بين نشطاء «الاتجاه الإسلامي» في الحركة الطلابية قبل مغادرته تونس وانضمامه إلى الفصائل الفلسطينية في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي.
وفي أعقاب المواقف التي صدرت عن زعيم «النهضة»، وانتقد فيها الدور الإيراني في اليمن وسوريا وهجوم الحوثيين بصاروخ على منطقة مكة المكرمة، يبدو الغنوشي في المقابل حريصا على التعامل بـ«حذر شديد» مع دعاة التصعيد السياسي ضد العواصم الغربية المتحالفة مع إسرائيل، ومع المبشّرين بشن «ثورة ثانية» يكون الإسلاميون طرفا فيها هذه المرة.

ورقة النقابات
لكن بين أكبر التحديات التي تواجه الرئيس قائد السبسي وحكومة يوسف الشاهد وقيادات الأحزاب المشاركة فيها، بزعامة «نداء تونس» و«النهضة»، توسّع نطاق الاحتجاجات لتشمل قيادات نقابات العمال والصحافيين والمحامين والمهندسين والمجتمع المدني، ويتداخل فيها الاجتماعي والسياسي والأمني، إذ دخلت قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل على الخط وأصدرت مواقف وصفت بـ«الراديكالية» من حيث نقدها للسلطات وسياساتها الاجتماعية والأمنية. كذلك تبنّت قضية المهندس الزواري ووصفته بـ«الشهيد»، وانخرطت مع القوى التي وظّفت التعاطف الشعبي معه ومع عائلته لمحاولة تغيير ميزان القوى السياسي، وذلك عشية تنظيم المؤتمر الوطني لاتحاد النقابات بنهاية الشهر المقبل وللمطالبة بإقالة عدد من السياسيين بينهم وزير التربية والتعليم.
أيضًا نزل اتحاد المهندسين - الذي يمثل 70 ألف مهندس تونسي - إلى المعركة السياسية وميادين الاحتجاجات الشعبية في العاصمة والجهات الداخلية لأول مرة تحت يافطة التضامن مع «المهندس الشهيد». وسار في المنحى نفسه اتحاد نقابات الفلاحين والصيادين الذي يضم مئات الآلاف من الأعضاء. وتجدر الإشارة إلى أن قيادات نقابات المهندسين والفلاحين تنتمي إلى التيارات الإسلامية والقومية، بينما ينتمي معظم قادة النقابات العمالية إلى الأحزاب اليسارية، بما يوشك أن يزيد مرحلة خلط أوراق تونس خلال مرحلة تتفاقم فيها الخلافات داخل حزب الرئيس قائد السبسي وتزيد في إضعافه. ولئن كانت النقابات قد لعبت دورا حاسما في الإطاحة بحكم بن علي قبل 6 سنوات، فإن نزولها إلى الشارع مجددًا، رافعةً شعارات اجتماعية وسياسية ووطنية وقومية، يمكن أن يعمق الخلل في المشهد السياسي لصالحها على حساب الحكومة والزعامات التاريخية للأحزاب المشاركة فيها.

المرزوقي تحت الأضواء
في هذا المناخ تسارعت مؤشرات إعادة ترتيب الأوراق والأولويات واللاعبين في المشهد السياسي الوطني. إذ نجحت جلسات الاستماع العلنية التي نظمتها «هيئة الحقيقة والكرامة» وبثتها القنوات التلفزيونية التونسية لضحايا القمع خلال السنوات الـ60 الماضية في إرباك رموز النظام السابق الذين باتوا متهمين بالتورط في أشكال بشعة من اضطهاد معارضيهم من كل الألوان السياسية وتعذيبهم. وبحكم انتماء غالبية نشطاء حزب الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي لحزب قائد السبسي فقد ضعف موقفهم شعبيًا في مرحلة تعدّدت فيها الانتقادات الموجهة إليهم وإلى أدائهم الحكومي. ومن ثم، بدأ رموز «الثورة» يعودون بقوة، وعادت وسائل الإعلام الحكومة مجددًا لفتح شاشاتها للرئيس السابق المنصف المرزوقي وأنصاره، الذين إما يتابعون جلسات الاستماع العلنية أو يزورون بيت المهندس الزواري في صفاقس، ويدلون بتصريحات نارية تتضمن دعوات لإقالة كبار المسؤولين في الحكومة ومحاسبة المتورطين في الثغرات الأمنية.
وفي هذه الأثناء، تتعرض الحكومة لانتقادات لاذعة أخرى بعد «تسلل» مراسلين حربيين تابعين للقناة العاشرة الإسرائيلية إلى تونس، ونجاحهم في إجراء تحقيقات تلفزيونية من أمام مقر وزارة الداخلية في قلب العاصمة تونس، ثم في بيت المهندس الزواري. واعتبر الوزير السابق والقيادي بحزب «التيار الديمقراطي» محمد عبو وجود مراسل القناة الإسرائيلية على الأراضي التونسية «إهانة للدولة التونسية». ومن ثم، طالب عبو وزارة الداخلية والحكومة بإصدار توضيح مقنع عن ملابسات دخول «الجاسوس العسكري باسم صحافي له هويات أوروبية مختلفة» إلى تونس، دون انتباه أجهزة الدولة. كذلك اعتبرت البرلمانية المعارضة سامية عبو أن الحكومة التونسية «فقدت مصداقيتها تمامًا» داعيةً مع برلمانيين وسياسيين آخرين إلى إقالتها.
وفي المقابل، وجه نوري اللجمي رئيس الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري وناجي البغوري رئيس نقابة الصحافيين اتهامات خطيرة للسلطات، التي سبق أن حذراها من اختراق «الموساد» ومخابرات أجنبية لتونس تحت يافطات «إعلاميين» يحملون أكثر من جواز سفر.

حرب خلافة
أخيرًا، بينما تتراوح الأوضاع السياسية والأمنية في تونس مجددًا بين التحكم والانفلات الاجتماعي والإعلامي والسياسي، يفتح بعض المراقبين مجددًا ملف «حرب الخلافة»، أي مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويذكر أن تونس شهدت خلال العقود الماضية حوادث متعاقبة ضربت إسرائيل فيها أهدافا فلسطينية، بينها قصف مقاتلات حربية إسرائيلية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط خلال أكتوبر 1985، ثم اغتيال زمرة «كوماندوس إسرائيلية» زعيم «الانتفاضة الأولى» خليل الوزير (أبو جهاد) في أبريل (نيسان) 1988، ثم زعماء حركة «فتح» وجناحها الأمني فتح أبو إياد وأبو محمد وهايل عبد الحميد في يناير 1991.
لكن الجديد في التطورات الحالية تزايد دور قوى المجتمع المدني ونشطاء مواقع الإعلام الاجتماعي في تونس، وعلى رأسهم قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابات المهندسين والفلاحين والصحافيين التونسيين، إذ انخرطت هذه الأطراف في مسلسل من التحركات الرامية لإضعاف الدولة، وفتحت بالمناسبة ملفات سياسية أمنية تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الاعتبارات الدولية، من بينها ملف «السيادة الوطنية»، بينما يقرّ رسميون سابقون في الحكومة، مثل وزير الأمن الوطني سابقًا الأزهر العكرمي بأن «تونس مخترَقة بمئات من ممثلي المخابرات الأجنبية والإسرائيلية» وأصبحت مهددة بسيناريوهات كثيرة من التدخلات الأجنبية.
فهل تكون «الأزمة الجديدة» القَطرة التي تفيض الكأس، وسط توالي انكشاف «الثغرات» وتزايد الأوضاع الأمنية والسياسية تعقيدًا وغموضًا في محيط تونس الجيواستراتيجي ودول جوارها، خصوصًا في ليبيا والجزائر ومالي؟



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.