الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

فيلمه الجديد ينطلق للعروض اليوم

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي
TT

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

«صمت» هو عنوان لثلاثة أفلام جديدة تم إنتاجها هذه السنة أهمّها هو الفيلم الذي قام مارتن سكورسيزي بإخراجه، الذي ينطلق في عروضه الأميركية العامّة اليوم. وقبل وصوله إلى صالات السينما تعددت وجهاته بين المؤسسات النقدية وخرج بستة جوائز في هذا الشهر بينها جائزة «أميركان فيلم إنستتيوت» كأحد أفضل أفلام السنة، وجائزة جمعية نقاد لوس أنجليس، وجائزة أفضل سيناريو مقتبس من «مجلس النقد الوطني».
إنه ليس فيلم العودة لسكورسيزي، فهو لم ينقطع عن العمل لكنه فيلم عودته إلى مواضيع دينية شغلته على نحو مباشر أو غير مباشر. في الفئة الأولى كان أبحر في تقديم رؤيته الدينية في «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 الذي ألّب عليه جماعات دينية مختلفة (مسيحية ويهودية)، و«كوندون» (1997) الذي ارتدى صيغة بحث في الروحانيات البوذية لجانب بعض أوضاعها السياسية. أما على نحو غير مباشر، فإن هناك الكثير: بطله الذي يحاول إصلاح العالم في «تاكسي درايفر» (1976) وشخصياته المافيوية التي تمارس طقوسها الدينية والعائلية بإيمان لجانب قيامها بأعمالها المعادية للقانون بإيمان أيضًا، وذلك كما في «صحبة طيّبة» (1990) و«كازينو» (1995).
«صمت» مشروع أثار حب سكورسيزي لتحقيقه منذ 28 سنة وذلك بعد عدة سنوات من قراءته لرواية وضعها الياباني شوساكو إندو الذي وضع روايته هذه سنة 1966 وقام مواطنه ماساهيرو شينودا بتحقيقها فيلمًا سنة 1971.

ترتيب الأولويات
إذ يمكن تأسيس العلاقة بين مارتن سكورسيزي والدين (بمدرسته الكاثوليكية التي ينتمي إليها سكورسيزي) بسهولة سواء عبر مطالعة حياته الخاصة أو قراءة أفلامه، هناك دوافع أخرى وقفت وراء الجهد الذي بذله طوال هذه السنوات لإنجاز هذا الفيلم.
في عام 1978 دخل مارتن سكورسيزي المستشفى من باب الطوارئ. كان أنجز فيلمه «نيويورك، نيويورك» وأخذ يستعد لتحقيق فيلمه المقبل «ثور هائج» (1980) لكن الفترة بينهما (التي أنجز فيها أيضًا فيلمًا تسجيليًا طويلاً هو «الرقصة الأخيرة») كانت فترة قاسية لم يكن واثقًا خلالها من أنه سيستعيد قدرته على العمل أو حتى الحفاظ على حياته. سكورسيزي كان أدمن المخدرات منذ منتصف السبعينات، وفي أحد أيام خريف سنة 1978 انهار كليًا ودخل المستشفى على الرمق الأخير.
لم تكن المخدرات وحدها سبب ملامسته الموت عندما قارب قلبه التوقف عن النبض، بل هي اشتغلت مع الأدوية الموصوفة التي كان يتناولها تبعًا لحالة «الربو» التي كان يعاني منها وهو صغير. عشرة أيام عصيبة قضاها سكورسيزي في ذلك المستشفى النيويوركي علّمته الكثير مثل أنه إذا ما كان يريد البقاء حيًا عليه أن يرتّب أولوياته على هذا الأساس.
أحد الذين زاروا المخرج في مرحلة علاجه كان رئيس أساقفة اسمه بول مور الذي قال له وهو يودعه: «هناك كتاب أريد إرساله لك». هذا الكتاب لم يكن سوى رواية إندو «صمت» الذي حط بين يدي سكورسيزي وهو يبحث عن إجابات روحانية بعدما خرج من نفق مظلم اكتشف فيها، كما قال، لا أن الحياة هي أولى للإنسان من الموت فقط، بل سذاجته وعبثية حياته إلى ذلك الحين.
عمد سكورسيزي إلى تحقيق فيلمه «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 من منطلق فهمه المتجدد للحياة بعد تلك المحنة التي دفعته للعودة، سنة 1989 إلى كتاب إندو الذي يتحدث عن راهبين كاثوليكيين قاما سنة 1639 بالسفر إلى اليابان بحثًا عن راهب كاثوليكي سابق كان حط هناك واختفى.
الرواية كانت مكتوبة على نحو جذب المخرج الأميركي إليها فقرر سكورسيزي نقلها إلى السينما ووضع المشروع في سياق جدول أفلامه خلال السنوات الخمس المقبلة. وكان أول ما فعله، في هذا الاتجاه، هو أن أقنع المنتج الإيطالي سيشي غوري بشراء الحقوق فدفع 700 ألف دولار للمؤلف الياباني إندو.
إلى جانب المبلغ المذكور تم دفع 250 ألف دولار لسكورسيزي وكاتبه المفضل جاي كوكس، الذي كان كتب له ثلاثة أعمال سابقة هي «شوارع منحطة» و«عصر البراءة» و«عصابات نيويورك»، علاوة على 150 ألف دولار إذا ما تم تحقيق الفيلم فعلاً. لكن كوكس، الذي كان من المفترض به وضع السيناريو الأول، لم يستطع إنجاز المهمة على النحو المرضي. باعترافه كان السيناريو ينقصه «قلب».
نتيجة ذلك، وطوال التسعينات وحتى نهاية العشرية الأولى من هذا القرن، أن حاول عدة كتاب وضع سيناريو يلقى رضا المخرج. وهذه المحاولات لم تكن متواصلة. هناك فترات طويلة لم يعد ذلك المشروع مطروحًا على نحو آني على قائمة سكورسيزي ولا على قائمة سواه. هذا قبل أن يجد المنتج غوري نفسه وسط مرافعات قضائية بعدما انفضت شركته الأولى ووقع الخلاف حول أي من المشاريع التي تملكها الشركة سيبقى في حوزته وأي منها سينتقل لملكية شريكه السابق.

تحت المظلة
هذا الوضع، وما تلاه من سجالات قانونية وجد سكورسيزي نفسه طرفًا فيها، استمر طويلاً إلى أن التقى سكورسيزي بغوري واتفقا على أن يؤول المشروع لسكورسيزي بعدما كان غوري ربح دعواه ضد شريكه. هذا اللقاء تم سنة 2014 بإصرار من سكورسيزي الذي ذكّر غوشي بكل تلك السنوات التي أمضاها وهو يحاول دفع الفيلم إلى حيّز التنفيذ. قبل ذلك بعام واحد كان سكورسيزي التقى بالمنتج الأميركي راندال إيميت في مهرجان «كان» وبحثا، مع آخرين، سبل دفع المشروع إلى الأمام.
باقي المشكلات كانت في الكتابة من جديد. كل تلك الكتابات التي تمّت سابقًا لم يعد من الضروري العودة إليها لإصلاحها. وفي التاسع عشر من أبريل (نيسان) سنة 2013 استطاع جاي كوكس تسليم سيناريو ابتسم له سكورسيزي أخيرًا. في مطلع العام الماضي، جمع سكورسيزي فريق عمله وممثليه الرئيسيين، ليام نيسون وأندرو غارفيلد وأدام درايفر وتوجه بهم إلى الأماكن المختارة حيث تم التصوير في منتصف العام الماضي ليدخل مرحلة ما بعد التصوير ويصبح جاهزًا منذ ثلاثة أشهر.
إنها رحلة طويلة لمخرج عنيد لم يستسلم للعراقيل ودأب على إحياء هذا الحلم حتى استطاع تنفيذه. لكن هذه الرحلة لم تنته بمجرد القرار بأن الوقت صار مناسبًا لبدء عجلة هذا المشروع. في الأساس، وجد فريق عمل سكورسيزي أن التصوير في اليابان سيكلف الفيلم 100 مليون دولار لا يملكها سكورسيزي ولا يوجد استوديو كبير مستعد لها لأن الموضوع ليس جاذبًا للجمهور بالدرجة الكافية حتى تحت مظلة اسم كبير كاسم مارتن سكورسيزي ومع ممثلين لديهما جمهورهما الواسع مثل غارفيلد ونيسون.
الحل هو في التحول إلى تايوان حيث هناك قانون يعفي صانعي السينما الواردين من الخارج من الضرائب بنسبة كبيرة. هذا القرار وحده قلّص الميزانية إلى خمسين مليون دولار فقط. هذه الفاتورة تكفلت بها شركات أميركية ومكسيكية وتايوانية.
سكورسيزي نفسه لا يستطيع أن يتنفس الصعداء اليوم إلا بمقدار. فالفيلم ينتظر قرارات الجمهور وقرارات المؤسسات السينمائية لعله يخرج ببعض الجوائز الأساسية في هذا الموسم. في هذه الغضون، فإن مخرج «عصابات نيويورك» و«جزيرة مغلقة» و«الملاح» ونحو 55 فيلمًا آخر، مشغول بوظيفة المنتج المنفّذ لزمرة كبيرة من الأفلام من الآن وحتى نهاية السنة الجديدة. خلال ذلك ليس لديه النية للوقوف وراء الكاميرا مخرجًا حتى وقت لاحق، ربما مع مطلع عام 2018.



«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.