الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

فيلمه الجديد ينطلق للعروض اليوم

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي
TT

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

«صمت» هو عنوان لثلاثة أفلام جديدة تم إنتاجها هذه السنة أهمّها هو الفيلم الذي قام مارتن سكورسيزي بإخراجه، الذي ينطلق في عروضه الأميركية العامّة اليوم. وقبل وصوله إلى صالات السينما تعددت وجهاته بين المؤسسات النقدية وخرج بستة جوائز في هذا الشهر بينها جائزة «أميركان فيلم إنستتيوت» كأحد أفضل أفلام السنة، وجائزة جمعية نقاد لوس أنجليس، وجائزة أفضل سيناريو مقتبس من «مجلس النقد الوطني».
إنه ليس فيلم العودة لسكورسيزي، فهو لم ينقطع عن العمل لكنه فيلم عودته إلى مواضيع دينية شغلته على نحو مباشر أو غير مباشر. في الفئة الأولى كان أبحر في تقديم رؤيته الدينية في «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 الذي ألّب عليه جماعات دينية مختلفة (مسيحية ويهودية)، و«كوندون» (1997) الذي ارتدى صيغة بحث في الروحانيات البوذية لجانب بعض أوضاعها السياسية. أما على نحو غير مباشر، فإن هناك الكثير: بطله الذي يحاول إصلاح العالم في «تاكسي درايفر» (1976) وشخصياته المافيوية التي تمارس طقوسها الدينية والعائلية بإيمان لجانب قيامها بأعمالها المعادية للقانون بإيمان أيضًا، وذلك كما في «صحبة طيّبة» (1990) و«كازينو» (1995).
«صمت» مشروع أثار حب سكورسيزي لتحقيقه منذ 28 سنة وذلك بعد عدة سنوات من قراءته لرواية وضعها الياباني شوساكو إندو الذي وضع روايته هذه سنة 1966 وقام مواطنه ماساهيرو شينودا بتحقيقها فيلمًا سنة 1971.

ترتيب الأولويات
إذ يمكن تأسيس العلاقة بين مارتن سكورسيزي والدين (بمدرسته الكاثوليكية التي ينتمي إليها سكورسيزي) بسهولة سواء عبر مطالعة حياته الخاصة أو قراءة أفلامه، هناك دوافع أخرى وقفت وراء الجهد الذي بذله طوال هذه السنوات لإنجاز هذا الفيلم.
في عام 1978 دخل مارتن سكورسيزي المستشفى من باب الطوارئ. كان أنجز فيلمه «نيويورك، نيويورك» وأخذ يستعد لتحقيق فيلمه المقبل «ثور هائج» (1980) لكن الفترة بينهما (التي أنجز فيها أيضًا فيلمًا تسجيليًا طويلاً هو «الرقصة الأخيرة») كانت فترة قاسية لم يكن واثقًا خلالها من أنه سيستعيد قدرته على العمل أو حتى الحفاظ على حياته. سكورسيزي كان أدمن المخدرات منذ منتصف السبعينات، وفي أحد أيام خريف سنة 1978 انهار كليًا ودخل المستشفى على الرمق الأخير.
لم تكن المخدرات وحدها سبب ملامسته الموت عندما قارب قلبه التوقف عن النبض، بل هي اشتغلت مع الأدوية الموصوفة التي كان يتناولها تبعًا لحالة «الربو» التي كان يعاني منها وهو صغير. عشرة أيام عصيبة قضاها سكورسيزي في ذلك المستشفى النيويوركي علّمته الكثير مثل أنه إذا ما كان يريد البقاء حيًا عليه أن يرتّب أولوياته على هذا الأساس.
أحد الذين زاروا المخرج في مرحلة علاجه كان رئيس أساقفة اسمه بول مور الذي قال له وهو يودعه: «هناك كتاب أريد إرساله لك». هذا الكتاب لم يكن سوى رواية إندو «صمت» الذي حط بين يدي سكورسيزي وهو يبحث عن إجابات روحانية بعدما خرج من نفق مظلم اكتشف فيها، كما قال، لا أن الحياة هي أولى للإنسان من الموت فقط، بل سذاجته وعبثية حياته إلى ذلك الحين.
عمد سكورسيزي إلى تحقيق فيلمه «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 من منطلق فهمه المتجدد للحياة بعد تلك المحنة التي دفعته للعودة، سنة 1989 إلى كتاب إندو الذي يتحدث عن راهبين كاثوليكيين قاما سنة 1639 بالسفر إلى اليابان بحثًا عن راهب كاثوليكي سابق كان حط هناك واختفى.
الرواية كانت مكتوبة على نحو جذب المخرج الأميركي إليها فقرر سكورسيزي نقلها إلى السينما ووضع المشروع في سياق جدول أفلامه خلال السنوات الخمس المقبلة. وكان أول ما فعله، في هذا الاتجاه، هو أن أقنع المنتج الإيطالي سيشي غوري بشراء الحقوق فدفع 700 ألف دولار للمؤلف الياباني إندو.
إلى جانب المبلغ المذكور تم دفع 250 ألف دولار لسكورسيزي وكاتبه المفضل جاي كوكس، الذي كان كتب له ثلاثة أعمال سابقة هي «شوارع منحطة» و«عصر البراءة» و«عصابات نيويورك»، علاوة على 150 ألف دولار إذا ما تم تحقيق الفيلم فعلاً. لكن كوكس، الذي كان من المفترض به وضع السيناريو الأول، لم يستطع إنجاز المهمة على النحو المرضي. باعترافه كان السيناريو ينقصه «قلب».
نتيجة ذلك، وطوال التسعينات وحتى نهاية العشرية الأولى من هذا القرن، أن حاول عدة كتاب وضع سيناريو يلقى رضا المخرج. وهذه المحاولات لم تكن متواصلة. هناك فترات طويلة لم يعد ذلك المشروع مطروحًا على نحو آني على قائمة سكورسيزي ولا على قائمة سواه. هذا قبل أن يجد المنتج غوري نفسه وسط مرافعات قضائية بعدما انفضت شركته الأولى ووقع الخلاف حول أي من المشاريع التي تملكها الشركة سيبقى في حوزته وأي منها سينتقل لملكية شريكه السابق.

تحت المظلة
هذا الوضع، وما تلاه من سجالات قانونية وجد سكورسيزي نفسه طرفًا فيها، استمر طويلاً إلى أن التقى سكورسيزي بغوري واتفقا على أن يؤول المشروع لسكورسيزي بعدما كان غوري ربح دعواه ضد شريكه. هذا اللقاء تم سنة 2014 بإصرار من سكورسيزي الذي ذكّر غوشي بكل تلك السنوات التي أمضاها وهو يحاول دفع الفيلم إلى حيّز التنفيذ. قبل ذلك بعام واحد كان سكورسيزي التقى بالمنتج الأميركي راندال إيميت في مهرجان «كان» وبحثا، مع آخرين، سبل دفع المشروع إلى الأمام.
باقي المشكلات كانت في الكتابة من جديد. كل تلك الكتابات التي تمّت سابقًا لم يعد من الضروري العودة إليها لإصلاحها. وفي التاسع عشر من أبريل (نيسان) سنة 2013 استطاع جاي كوكس تسليم سيناريو ابتسم له سكورسيزي أخيرًا. في مطلع العام الماضي، جمع سكورسيزي فريق عمله وممثليه الرئيسيين، ليام نيسون وأندرو غارفيلد وأدام درايفر وتوجه بهم إلى الأماكن المختارة حيث تم التصوير في منتصف العام الماضي ليدخل مرحلة ما بعد التصوير ويصبح جاهزًا منذ ثلاثة أشهر.
إنها رحلة طويلة لمخرج عنيد لم يستسلم للعراقيل ودأب على إحياء هذا الحلم حتى استطاع تنفيذه. لكن هذه الرحلة لم تنته بمجرد القرار بأن الوقت صار مناسبًا لبدء عجلة هذا المشروع. في الأساس، وجد فريق عمل سكورسيزي أن التصوير في اليابان سيكلف الفيلم 100 مليون دولار لا يملكها سكورسيزي ولا يوجد استوديو كبير مستعد لها لأن الموضوع ليس جاذبًا للجمهور بالدرجة الكافية حتى تحت مظلة اسم كبير كاسم مارتن سكورسيزي ومع ممثلين لديهما جمهورهما الواسع مثل غارفيلد ونيسون.
الحل هو في التحول إلى تايوان حيث هناك قانون يعفي صانعي السينما الواردين من الخارج من الضرائب بنسبة كبيرة. هذا القرار وحده قلّص الميزانية إلى خمسين مليون دولار فقط. هذه الفاتورة تكفلت بها شركات أميركية ومكسيكية وتايوانية.
سكورسيزي نفسه لا يستطيع أن يتنفس الصعداء اليوم إلا بمقدار. فالفيلم ينتظر قرارات الجمهور وقرارات المؤسسات السينمائية لعله يخرج ببعض الجوائز الأساسية في هذا الموسم. في هذه الغضون، فإن مخرج «عصابات نيويورك» و«جزيرة مغلقة» و«الملاح» ونحو 55 فيلمًا آخر، مشغول بوظيفة المنتج المنفّذ لزمرة كبيرة من الأفلام من الآن وحتى نهاية السنة الجديدة. خلال ذلك ليس لديه النية للوقوف وراء الكاميرا مخرجًا حتى وقت لاحق، ربما مع مطلع عام 2018.



أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)

بات مألوفاً أن نجد في برامج المهرجانات العالمية أفلاماً عربية، سواء أكانت عربية الإنتاج، أم ممولة أجنبياً، أم ثمرة مساهمات إنتاجية مشتركة.

من «فينيسيا» إلى «تورنتو»، ومن «كان» و«لندن» و«كارلوفي فاري» و«لوكارنو» و«روتردام» في أوروبا، إلى «صندانس» و«نيويورك» و«شيكاغو و«بالم سبرينغز» في الولايات المتحدة، ثمة زخم سنوي من الأفلام الموقّعة بأسماء مخرجين ومخرجات عرب.

هنا، في الدورة الـ83 من هذا الحدث الكبير، نجد أفلاماً من لبنان ومصر والأردن وفلسطين والعراق، إلى جانب أفلام لمخرجين عرب اعتمدوا على تمويل خارجي، أو على تمويل مختلط بين جهات أجنبية وصناديق دعم عربية.

إنه احتفاء يأتي في وقته بسينما عربية زاد عمرها على 100 عام؛ نشأت في مصر وانتشرت في دول عربية أخرى، من تونس إلى سوريا، ومن لبنان إلى العراق والأردن والمغرب والجزائر، ثم شملت السعودية والكويت والبحرين، من دون أن ننسى السينما الفلسطينية.

لا يمكن اعتبار اعتماد فيلم ما في إنتاجه على تمويل أجنبي ضرباً من اللجوء إلى الغرب، أو استحضاراً لسلبيات علاقته بالشرق العربي أو دوره في شأن أو آخر. فالفيلم لغة عالمية، ولا ضير في أن يبحث صنّاعه عن منفذ تمويلي من أي مكان، خصوصاً أن التمويل العربي الخالص ليس متوفراً في غالبية البلدان العربية، إلا ضمن نطاق إنتاجات تجارية لا تهدف أساساً إلى تحقيق نجاح مهرجاني.

ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن الدول العربية ليست متساوية على صعيد الإنتاج السينمائي؛ فهو مرتفع في بعضها ضمن الحدود الممكنة، ومنخفض أو قليل في بعضها الآخر، بينما قلّما ينتج بعضها الثالث فيلماً واحداً خلال 5 سنوات، إما بسبب حرب أهلية وإما نتيجة تجاهل حكوماتها دعم السينما وفنانيها.

الفيلم اللبناني «غضب» (ملف مهرجان فينيسيا)

لم تعد هامشية

يعود إلى زمن بعيد تاريخ توجّه السينما العربية إلى المهرجانات العالمية. وقد تمّت الخطوات الأولى عبر أفلام من مصر ولبنان. فقد قدّم المخرج اللبناني جورج نصر فيلمين في مهرجان «كان»، أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، وسبقه إلى الحضور في ذلك المهرجان صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ، من بين آخرين في تلك الفترة.

وساد غياب شبه كامل في النصف الثاني من الستينات وصولاً إلى الثمانينات قبل أن تعاود السينما العربية فتح نوافذها المطلّة على المهرجانات الكبرى الثلاثة «برلين» و«كان» و«فينيسيا». في التسعينات اتسعت الدائرة لتشمل مهرجانات أخرى، ثم ازدادت اتساعاً مع مطلع القرن الحالي، قبل أن يتحوَّل حضورها اليوم إلى ظاهرة متجددة في العديد من المهرجانات حول العالم.

من بين العوامل التي أخّرت دوران عجلة الأفلام العربية في المهرجانات العالمية أن كثيراً من تلك المهرجانات لم يرغب في زجّ نفسه في القضايا التي عادةً ما تطرحها هذه الأفلام. ولم يكن القائمون عليها يدركون أن هذه القضايا، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، ستستقطب الاهتمام والحضور.

يضاف إلى ذلك أن شركات الإنتاج والتوزيع الغربية نظرت، حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، إلى الأفلام العربية بعين متشككة. فقد رأت أنها غير مؤهلة لتحقيق نجاح تسويقي، وتساءلت عن جدوى الاهتمام بها، ما لم تكن ممهورة بتوقيع واحد من عدد محدود من المخرجين العرب، أمثال يوسف شاهين ومحمد لخضر حمينة ورضا الباهي.

أما بالنسبة إلى الأفلام التي تتناول فلسطين، فلم يكن الاهتمام الغربي منصبّاً على «القضية الفلسطينية»، بل على ما يمكن وصفه بـ«القضية الإسرائيلية». لكن سياسات بنيامين نتنياهو أسهمت، من حيث لم يرد، في تحويل الدفة لمصلحة القضية الفلسطينية.

ويعود التحوّل التدريجي أيضاً إلى أن الأحداث التي يمر بها العالم العربي، والوضع الفلسطيني على وجه الخصوص، لم تعد شؤوناً محلية. فالعالم يريد الاطلاع على إنتاجات روائية أو وثائقية تساعده على الاقتراب أكثر مما يجري. والأخبار الصحافية، مقروءة كانت أم مصوّرة، تنقل الحدث غالباً، لكن أسبابه وخلفياته تبقى مغلّفة بالمشهد الآني، مما يدفع الجمهور إلى البحث عن عمق في المضامين وصدق في الحكايات.

والسينما العربية الجديدة تؤمّن ذلك غالباً؛ فقد أسهمت أفلام ميشيل خليفي ومي مصري وكوثر بن هنية ورشيد مشهراوي في توسيع دائرة المعرفة، ومنحت مشاهديها رؤى جديدة.

امتلاء القاعات في عروض 7 أفلام عربية يؤكد تنامي اهتمام الجمهور

أصوات جديدة

لا يخفى تأثير الأحداث السياسية في توجّه المهرجانات نحو السينما الناطقة بالعربية. ولم يعد ممكناً تجاهل هذه السينما، نظراً إلى الإقبال الجماهيري على أفلامها. وقد امتلأت القاعات خلال عروض الأفلام العربية السبعة هنا.

وفي أحد تلك العروض، وهو فيلم «المواطن أسامة»، وقف الجمهور مصفقاً بحرارة لفيلم لم يتمكن مخرجه أحمد حسّونة من الحضور، بسبب الكم الكبير من العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام الفلسطينيين؛ فهي تطالبهم بالرحيل، وإذا رفضوا كان الحصار، فضلاً عن القصف، هو الرد الظالم عليهم.

الفيلم من إنتاج رشيد مشهراوي، صاحب الباع الطويل في ترسيخ حضور السينما الفلسطينية مخرجاً ومنتجاً على مدى عقود.

يتابع «المواطن أسامة» (رسمياً خارج المسابقة) حياة المصوِّر الصحافي أسامة العشّي، الذي يتحرك يومياً لتوثيق الأحداث على الأرض تحت لهيب القذائف، وما تخلّفه من دمار يطول الإنسان ووطنه، بالتوازي مع سعيه إلى رعاية عائلته. لا يسعى الفيلم إلى رفع شعارات مباشرة، بل إلى نقل صورة واقعية، كتلك التي قدمتها كوثر بن هنية في فيلمها المدوي «صوت هند رجب».

وعُرض فيلم فلسطيني ثانٍ لصوت سينمائي جديد ضمن قسم «سبوتلايت»، هو «حوار مع البحر» لمؤيد عليان. لا يتناول الفيلم الحرب نفسها، بل تكمن أهمية الفيلم في تناوله حالةً ممتدة عبر أجيال من الفلسطينيين، يختصرها رجل يبحث عن الحقيقة.

وسبق للمخرج اللبناني رامي قديح أن خاض تجارب سينمائية متعددة، قبل أن يقدّم، بنجاح لافت في القسم نفسه، فيلمه «غضب»؛ عن شقيقتين تثوران على امتناع المصارف عن رد أموال المودعين، ما يدفعهما لسرقة المصرف في سلسلة من الأحداث التشويقية المتلاحقة.

أما الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية، فيتناوله فيلم «لحظات قليلة من السعادة»، من خلال امرأة تعيش في باريس وتتابع أخبار الحرب الدائرة بكثير من الشجن والقلق. والفيلم قصير، من إخراج شادن صفي الدين، وهو إنتاج بريطاني - فرنسي مشترك.

من «لا جنة لمن تقتله امرأة» (ملف مهرجان فينيسيا)

وعلى صعيد الإنتاجات المشتركة أيضاً، عُرض فيلم «لا جنة لمن تقتله امرأة» للمخرج هلكوت مصطفى، وهو كردي عراقي، يتناول قصة قنّاصة كردية تبحث عن شقيقتها التي اختفت خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» في العراق، في منتصف العقد الماضي.


شاشة الناقد: فيلم فلسطيني يُثير التعاطف رغم هنّاته

كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

شاشة الناقد: فيلم فلسطيني يُثير التعاطف رغم هنّاته

كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)

حوار مع البحر★★★

إخراج: مؤيد عليان

السعودية، قطر، فلسطين (2025)

تبدأ أحداث فيلم «حوار مع البحر» بمشاهد لمظاهرة فلسطينية سلمية تواجهها قوات الأمن الإسرائيلية بالعنف: اعتقال المتظاهرين، وضربهم بالعصي وأعقاب البنادق، وإلقاء قنابل الغاز عليهم، والانقضاض عليهم وزجّهم في سيارات الاعتقال. ومع نهاية هذا الفصل، الذي يستغرق نحو 3 دقائق، ينطلق التصفيق في القاعة تضامناً مع المضطهدين.

إنه رد فعل مفهوم ويحظى اليوم بتأييد واسع في الغرب. ويبدو أن المخرج وكاتب السيناريو مؤيد عليان اختار هذه البداية لكسب جولة أولى لمصلحة الفيلم، قبل الشروع في سرد أحداثه.

لكن ما إن يبدأ الفيلم حكايته حتى نكتشف أن العلاقة بين ذلك التمهيد والأحداث ضعيفة. تبدأ القصة فعلياً بتسلُّم كمال (كمال الباشا) قراراً من المحكمة يلزمه بدفع ديون ابنه وائل، المتأخرة منذ نحو 20 عاماً، وإلا فسيُستولى على منزله. المشكلة أن الربط بين وضع عام نراه في صورة قمع مظاهرة وبين القصة نفسها ليس مبرراً تماماً. فالمظاهرة ناجمة عن وضع شعبي عام، في حين أن الأحداث التي يواجهها كمال ليست وثيقة الصلة به، بل هي نتيجة قرار قد يؤدي إلى الاستيلاء على المنازل، لكن مبرراته مختلفة. صحيح أنها تقع على خلفية لا تخلو من الاضطهاد، لكنها شخصية إلى حد بعيد.

ابن كمال، الذي لن نراه، مات غرقاً قبل 20 عاماً، لكن السلطات القضائية لا تملك شهادة تثبت وفاته، مما يدفع الأب إلى البحث عن الحقيقة: هل الجثة المشوّهة التي انتُشلت من الماء هي بالفعل جثة ابنه؟

يُؤخذ على السيناريو وجود ثغرات تُضعف قدرته على الإقناع. وكان الأجدى أن يكون الأب واثقاً من وفاة ابنه، وأن ينحصر همّه في إثبات ذلك في السجلات الإسرائيلية، لإنقاذ نفسه من خسارة منزله ومحتوياته. وكان يمكن الربط بين بحثه في هذا الاتجاه وبين الشخصيات التي يلتقي بها، من دون تغيير طبيعة تلك اللقاءات والمواقف المتضامنة معه أو المعادية له.

كذلك، فإن التبرير المقدَّم لرفض ابنته التحدث إليه، والمتمثل في تهوّره في قراراته المالية، مما جعل حياتها وحياة والدتها جحيماً، لا يبدو كافياً، خصوصاً أن المشاهد يدرك أن الابنة ستعود إلى حنان أبيها.

يثير الفيلم شعوراً بأنه يدخل من الباب نفسه الذي يخرج منه، رغم تعدد أحداثه.

أفضل ما فيه فكرة البحث عن الحقيقة من خلال الرغبة في مقابلة الفتاة الإسرائيلية التي قيل إنها كانت برفقة الابن. لكن حقيقة أنها لم تكن آخر من رآه تفضي إلى معلومات لاحقة تكشف عن علاقة حب جمعت بين الابن وفتاة فلسطينية. ومن المؤكد أن هذا التتابع كان يمكن أن يأتي أكثر سلاسة، لو لم ينشغل الفيلم باستعراض مواقف شخصيات يهودية، بعضها متعاطف وبعضها الآخر عدائي.

ثمة صلات بين هذه الأحداث والوضع الفلسطيني القائم، لكنها تظل استنتاجية. وما كان ينقص الفيلم هو حبكة مختلفة ومبررات أكثر تماسكاً. ومع ذلك، فإن تنفيذ المخرج عليان على المستويين الفني والتقني، تصويراً ومونتاجاً، جيد بلا ريب، كما أن إدارته ممثليه جيدة، رغم وجود نزعة عاطفية واضحة في بعض المواضع.

ويُذكر أن كمال الباشا نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا عام 2017.

إلى ذلك، ينجح الفيلم بوصفه قصة عن البحث عن شخص مفقود وإجابات عن أسئلة معلّقة، أكثر مما ينجح في محاولته تسييس الحكاية وربطها بوضع عام وقضية كبرى.

وينجح «حوار مع البحر» كذلك في بناء حالة من التعاطف مع القضية المطروحة، بصرف النظر عن هنّاته. ويعود جزء كبير من ذلك التعاطف إلى أداء كمال الباشا، الذي يجسّد شخصية رجل مثقل بإحباط عميق حيال واقعه والوضع العام في وطنه، من دون أن يتحدث عنهما مباشرة. ويكسبه ذلك تعاطف المشاهد، رغم أن المخرج لا يقدّمه بوصفه شخصاً منزّهاً عن الأخطاء.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
TT

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)

اكتظت قاعة المؤتمرات الكبيرة في مقر مهرجان «فينيسيا» السينمائي بعدد من الحضور فاق المعتاد. واضطر كثير من الصحافيين والنقاد إلى الوقوف على جانبي القاعة للاستماع إلى رئيسة لجنة التحكيم، الممثلة والمخرجة ماغي جيلنهال، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مع باقي أعضاء اللجنة.

كانت المناسبة تقليداً راسخاً في كل دورة وفي كل مهرجان: على رئيس لجنة التحكيم تقديم رؤيته المسبقة للمهمة التي هو (أو هي) بصددها مع أفراد لجنته. لكن هذا التقليد تعرّض في السنوات القليلة الماضية لمحاولات من الإعلام لطرح أسئلة عن رأي اللجنة في القضايا السياسية الساخنة. حدث هذا في «برلين»، «لوكارنو» وكذلك في «فينيسيا».

ألبرتو باربيرا وماغي جيلنهال في مهرجان «فينيسيا» (رويترز)

لم تُضيِّع جيلنهال وقتاً في التصدِّي لهذا الموضوع، فقالت مباشرة: «الأفلام، على نحو لا يمكن تجنّبه، سياسية أساساً. نستطيع أن نتساءل: كيف نحتفي بالسينما هنا في حين أن العالم في حالة طوارئ؟ بالنسبة إليَّ، يتطلب الجواب موقفاً تعاطفياً. أعتقد أن الفيلم (أي فيلم) يتيح لنا فرصة لإيقاظ التعاطف في ذواتنا». وأضافت: «علينا أن نتحدَّى أنفسنا بالسماح لصانع الفيلم بأن يقول ما يرغب في قوله».

السؤال الآخر الذي بات يتردد، مثل أسطوانة مشروخة، في كل مناسبة، هو عن «قلة عدد الأفلام النسائية الإخراج في المسابقة الرسمية».

ما لم يكن متوقعاً هو رد جيلنهال على هذا السؤال. وعوض أن تقول شيئاً مثل إن المهرجان يختار أفلامه تبعاً لقيمتها، وليس لجنس صانعيها، أو إنها كانت تأمل أن تكون هناك أفلام نسائية الإخراج أكثر، قالت بجدية: «أعتقد أن الأمر بات أخيراً واضحاً: الرجال يصنعون أفلاماً أفضل من النساء». وشرحت ما تعنيه متحدثة عن «منظومة» على المرأة أن تمر عبرها. وحمل بعض تعليقها تلميحاً ساخراً إلى عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في المسابقة الرئيسية، باستثناء فيلم واحد.

من «امرأة مجهولة» (نورديسك فيلم برودكشن)

امرأة وحيدة

وضع جواب رئيسة لجنة التحكيم بعض النقاط على الحروف. فالمشكلات التي تواجه المرأة، وقناعاتها والمسائل التي تحيط بها، ليست المادة التي يتوجَّه إليها الجمهور الكبير؛ ذاك الذي يفضِّل، تلقائياً، مخرجين لديهم أسماء رنَّانة، أو يجري وراء أفلام دارجة تحتوي على ذلك الخليط من المغامرة والمطاردات والعنف. وليس معنى ذلك أن بعض المخرجات لا يتمتعن بالقدرة على توظيف هذه العناصر على النحو الذي يتطلبه الإنتاج، بل إن غالبيتهن لديهن موضوعات أكثر أهمية بالنسبة إليهن.

تقوم شركات الإنتاج، الأميركية خصوصاً، غالباً على مبدأ واحد هو الإيراد. ويختلف الوضع في أوروبا، حيث هناك مُتَّسع أكبر لمشاركة المرأة في إخراج أفلام تعكس اهتماماتها. على الرغم من ذلك، تصل نسبة المخرجين الرجال إلى الثلثين، وأحياناً أكثر.

وعندما يواجه مهرجان «فينيسيا» حالة كهذه، فإنه يفضِّل الحُكم على النتائج المرئية، لا على جنس المخرج أو أي عامل آخر.

ومن المثير حقاً أن الفيلم النسائي الوحيد في المسابقة هذا العام هو «امرأة مجهولة» لمي الطوخي، وهي مخرجة دنماركية من أصول مصرية تعيش في الدنمارك منذ سنوات. والفيلم إنتاج دنماركي، مع مساهمة إيطالية.

تكريم جورج كلوني في ليلة الافتتاح

فيلمان عن الإعلام

كان حفل الافتتاح نفسه حافلاً بالنجوم وكبار السينمائيين الذين حضروا المناسبة. ووقف رئيس المهرجان، ألبرتو باربيرا، مستقبلاً ضيوفه كالعادة، ومن بين من استقبلهم رئيس مهرجان «كان» تييري فريمو. وتعانق الاثنان، متناسيين، ربما للحظات، المنافسة الحامية بين المهرجانين.

كان جورج كلوني المُحتفى به في ليلة الافتتاح. وصل برفقة زوجته اللبنانية، وحظي بالترحيب الكبير الذي يستحقه.

فيلم الافتتاح هذا العام، «حبر» (Ink) لداني بويل، يتناول موضوعاً لا يبتعد عن تاريخ صناعة الإعلام وواقعها الراهن. وهو عمل بيوغرافي جزئي عن لاري لامب، الذي ترأس تحرير صحيفة «ذَ صن» حين اشتراها المليونير روبرت مردوخ (الفيلم في «شاشة الناقد» اليوم). ولا يتحدث عن وضع سياسي، لكنه يعرض لمحات خاطفة وذكية عن الفترة التي تدور فيها الأحداث، وينتهي بربط الماضي بالحاضر على صعيد الإعلام.

لاحقاً، وفي عداد ما سيُعرض في المسابقة هنا، سنشاهد فيلماً آخر عن الإعلام والإعلاميين، هو «برايمتايم» للمخرج لانس أوبنهايم، ومن بطولة روبرت باتنسون، الذي يؤدي دور مراسل شبكة «NBC» الأميركية كريس هنسن.

كان فيلم الافتتاح، من حيث نوعيته وجدواه، أفضل من فيلمي افتتاح المهرجانين الكبيرين المنافسين، «برلين»، و«كان».

افتُتح مهرجان «برلين» العام الحالي بفيلم «لا رجال صالحون» (No Good Men) لشهربانو سادات، وهي إحدى عضوات لجنة التحكيم هنا، فيما أُسندت المهمة في مهرجان «كان» إلى الفيلم الفرنسي «قبلة كهربائية». وقد أخفق كلاهما في تقديم تبرير حقيقي لاختيارهما في هذا النطاق.