بول هازار: فكر الرحالة والطريق نحو الحداثة الأوروبية

ما الذي حدث قبل انطلاقها ومواجهتها تركة الماضي؟

غلاف ازمة الوعي الاوروبي
غلاف ازمة الوعي الاوروبي
TT

بول هازار: فكر الرحالة والطريق نحو الحداثة الأوروبية

غلاف ازمة الوعي الاوروبي
غلاف ازمة الوعي الاوروبي

كانت الحداثة الغربية منعطفًا حاسمًا في تاريخ الفكر الإنساني، حيث نقلت الإنسان الأوروبي من حال إلى أحوال أخرى، لما أحدثته من خلخلة في البنية التقليدية للعقل الغربي، عندما زجت به في مدماك النقد والتحليل والشك. فزلزلت عالمه العجائبي، وفرضت عليه القيام بنقد جذري نحو الإبقاء على ما يمكن الإبقاء عليه، وترك ما يتوجب تركه من طرق في التفكير ونظرة للذات والآخر والعالم. لكن السؤال الذي يطرح هو، ما الذي كان وراء ذلك؟ ماذا حدث في هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي كي ينطلق إنسانه بكل هذه القوة؟
بصراحة، لا يمكن اختزال الحداثة في عامل واحد محدد. فضخامة الإنجاز تعني ضخامة العوامل المساعدة والميسرة لإحداثه. وكل عامل دفع بالإنسان الحديث لينحو نحو ما نحا إليه، من العلم إلى الأدب، والفن، والنقد الديني والسياسي والاقتصادي، إلى غير ذلك من العوامل التي ننظر إليها بمنظور التضافر والائتلاف.
يؤرخ الكاتب والأديب الفرنسي بول هازار (1878 - 1944)، في كتابه «أزمة الوعي الأوروبي 1680 - 1715» - الذي ترجمه إلى العربية يوسف عاصي، وأعادت المنظمة العربية للترجمة سنة 2009 إصداره لأزمة الوعي الأوروبي والتحولات العميقة التي طالت مستواه، في مرحلة قصيرة من التاريخ لا تتعدى 35 سنة. ويسلط هازار الضوء على أهم العوامل التي ساهمت في بعث العصر الحديث، ومن بينها التأثير البالغ الذي سيحدثه أدب الرحالة وفكرهم واكتشافاتهم، في تصدع بنية الوعي الأوروبي، وفي بعث الحداثة الغربية. وهو العامل الذي أحاول أن أسلط الضوء عليه في هذا المقال.
يكتب بول هازار، أن هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي، عرفت جرأة أكبر على السفر واستكشاف الآفاق. فهذا العهد هو عهد انتصار الأسفار، إذ انطلق الرحالة الأوروبيون شرقًا وغربًا، بغية الاطلاع على متحف العالم. فغربة العالم وسحره أصبحا بقوة العقل والشك، ضربًا من السخافة، مما جعل كل شيء قابلاً للبحث والتقصي، وكل أرض صار بالإمكان السفر إليها، وكل بقعة أصبح من الضروري اكتشافها والبحث في لغزها. لقد صار الإنسان الأوروبي يحتقر الاكتفاء بالموجود، وخرق الهدنة وذهب بعيدًا للبحث عن الشكوك، خارجًا من قريته جوالاً مستكشفًا، ليطلع على طريقة عيش غيره من الناس وتفكيرهم.
لم يكن هؤلاء الرحالة مجرد مشاهدين منبهرين بالعوالم التي يكتشفونها. بل كانوا فنانين وشعراء وأدباء ومفكرين. كل رحالة هو في الوقت نفسه، ناقد وكاتب ومؤرخ ومحلل للعالم الذي يراه. يكتبون ما يرونه وما يسمعونه من قصص ومغامرات. يشكلون المعطيات الجديدة ويقارنونها بأفكارهم وأحكامهم، فيجدوا أن ما يمتلكونه مناقضًا جدًا لما يجري اكتشافه، فتتكون لديهم رؤية أخرى وتصور مغاير لما ألفوه. ما أكثر الروايات التي عاد بها الرحالة من الهند، وكذا من المستعمرات الغنية والمنشآت التجارية البعيدة، هناك حيث تعيش أقوام أخرى شديدة الاختلاف، مما يبعث على الحيرة ويجعل النفسية تضطرب مما تراه من عبادات جديدة وعادات مختلفة.
سيتعرف الإنسان الأوروبي في هذه الرحلات على الخاص والفردي والمتعذر تبسيطه في حياة الشعوب الأخرى وثقافاتها، ويتعلم درس النسبية. فالعادات التي كانت غريبة ومتوحشة، أصبح بالإمكان منطقتها. وكل أحكامنا تنشأ من الطفولة والمحيط. وهي ليست مقياسًا يمكن الاعتداد به. استعمال اليد اليمنى أو اليسرى، تطويل الشعر أو تكثيفه، كلها أمور نسبية. هنا سوف يقر الإنسان الأوروبي، بأنه لا بد من مراجعة الأحكام، والتسلح بالشك. فالشك بداية العلم، ومن لا يشك بشيء لا يمتحن شيئًا. ومن لا يمتحن شيئًا لا يكتشف شيئًا. ومن لا يكتشف شيئًا يكون أعمى ويبقى كذلك.
سيجوب الرحالة الآفاق بحثًا عن الغريب والسحري وغير المألوف. فيروي المبشرون المسيحيون في تونس والمغرب والجزائر، كيف اضطهدوا بسبب إيمانهم. ويروي البحارة عن جولاتهم الصينية بفخر وهم يخوضون طريق الهند؛ البلدان البربرية ودساتيرها وعاداتها وإمبراطورياتها، وسياسة الصين وأخلاقها، وبلاد التتار والعرب. من أكثر النماذج المؤثرة في ذلك التاريخ، كان الإنسان الأميركي. لقد كان مربكًا ضائعًا وحيدًا بين أقرانه، لا هو ابن سام ولا حام ولا يافت، أبناء من يكون الأميركيون إذن؟ من هم؟ ما سر إفلاتهم من الطوفان العام؟ إنهم عراة ومتوحشون، لكنهم مع ذلك صالحون طيبون وكرماء أكثر من الأوروبيين. جهلهم في حد ذاته امتياز. فالعلوم والفنون هي جوهر الفساد. وبما أنه يطيع الطبيعة، أمه الطيبة، فهو سعيد. إذن المتمدنون هم البرابرة الحقيقيون، الذين يجب أن يعلمهم المتوحشون كيف يستردون الكرامة والحرية الإنسانيتين، وهو المحروم من أخلاق الطبيعة. فالسعيد الحقيقي، هو الفظ المتوحش العادل. أما التعيس، فهو المتمدن المسكين، المنحط والمخبول أخلاقيًا، اللابس لقناع التحضر المزيف.
زار الرحالة الأوروبيون مصر، وأعجبوا بالمصري الحكيم الهادئ الذي أنجب الموسيقى وعلم الهندسة والعمارة. مصر التي في سمائها يقول بول هازار: «حددت، لأول مرة، أمكنة المجرات». لقد كانت مصر في نظرهم، أمة وقورة ورصينة، يأنف ذهنها الصلب والمثابر من الحداثة. هي لم تسنّ القوانين وحسب، بل كانت تراعيها أيضًا. لقد شيدت مصر الأهرام، وكونت فلسفة لا تمت بصلة إلى الفلسفة المسيحية. أما العربي المحمدي، فبعيد عن النعوت القدحية التي كانت سائدة عنه. فالنبي محمد وتابعوه لم يكونوا أدنى مرتبة من الأبطال ذائعي الصيت عند الشعوب الأخرى. ديانتهم جميلة جدًا ومتماسكة ونبيلة. فمن حافظ على حقوق الفكر والثقافة، بعد أن طغت البربرية على العالم؟ إنهم العرب.
أما فكرة أن الغرب يتغلب على الشرق، فسيعرفون أنها مجرد وهم، لأن الحياة في الشرق هي الأكثر سعادة. فالصينيون، على الرغم من عبادتهم الأصنام والأجداد، لا يعترفون بوجود نبلاء إلا بين الأدباء. ولا يحفظون ذكرى إلا لحكامهم العادلين والمسالمين. وهم قادرون على انتقاد حكامهم بكل حرية. إن الصينيين ملحدون، ليس إلحادًا سلبيًا مثل إلحاد متوحشي أميركا، إلا أنهم مع ذلك، ليسوا أقل حكمة. بل هم أتقياء واسبينوزيون. أما مستشارو البلاط وندماؤه، فكلهم من الفلاسفة، ينتقدون سيدهم بقدر كبير من الحرية، وإذا لم يفعلوا فإنهم يتعرضون لملامة الشعب وسخطه. أما بالنسبة للفلسفة، فقد مثلها كونفوشيوس قبل الغرب بقرون كثيرة، وصاغ مذهبًا يعبّر عن روح بلاده ويحمل أنفاسًا إلهية.
اللافت في هذه القصص، ليست الإثارة التي تحدثها أو سحرية العوالم التي تقاربها وعجائبيتها، بل تلك الإرادة المستمرة للهدم. فكل تقليد ومألوف، أو سلطة، إلا وجرى هدمه. لقد هدمت المؤسسات كلها، وانتقدت الأقوال بشكل كبير. وظهر مسنون حكماء يلقون المواعظ العلمانية، أشادوا بحكم القلة المتسامحة، وبالسلام الذي يجري الحصول عليه بالإقناع، والسعادة التي يعيشها الناس في هذه البلدان. لقد كانت حكايات الرحالة، هروبًا، وانتقالاً من ثبات العقل إلى الحركة، ليتعلم المرء عدم الإيمان، على حد تعبير بول هازار. وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى اضطراب وعي أوروبا القديمة.
أكاد أشبه التأثير الذي أحدثه هؤلاء الرحالة في ذلك العصر، بما أحدثه التطور التكنولوجي نفسه، وبثورة المعلومات في وعينا. فقد صرنا نعرف بقوة، الصورة جيدًا: الشرق، والغرب، والمجتمعات التي لا تماثل طريقتنا في الحياة والتفكير. ونعرف أعمق غابات الأمازون، وأقدم سكان أستراليا الأصليين. وتمتد معرفتنا من البوذية إلى عادات الصين والهند. مما يعني أنه لا بد من أن يحدث ذلك في أذهاننا رجة. وإذا كان العقل الأوروبي مستعدًا، مند قرون كثيرة، لتقبل ذلك، بسبب صدمة القرن السادس عشر، فإن ذهنيات باقي المجتمعات، لا بد أن تتأثر وتهتز لتسائل الذات، وتتمسك بسلاح الشك، والنقد طوعًا أو كرهًا، على الرغم من أن الشك يحتاج إلى عقل جريء مستعد لمواجهة العالم كما هو. وهذا ما قد يغيب، في بعض الأحيان، خصوصًا عند المجتمعات التي بنت لنفسها كهوفًا، كلما خرجت منها أعماها ضوء الشمس، فعادت لتختبئ من جديد، وترفض كل شيء. بل أكثر من ذلك، تواجه بالعنف كل من لا يسايرها الوهم نفسه.

* أستاذ فلسفة



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.