بول هازار: فكر الرحالة والطريق نحو الحداثة الأوروبية

ما الذي حدث قبل انطلاقها ومواجهتها تركة الماضي؟

غلاف ازمة الوعي الاوروبي
غلاف ازمة الوعي الاوروبي
TT

بول هازار: فكر الرحالة والطريق نحو الحداثة الأوروبية

غلاف ازمة الوعي الاوروبي
غلاف ازمة الوعي الاوروبي

كانت الحداثة الغربية منعطفًا حاسمًا في تاريخ الفكر الإنساني، حيث نقلت الإنسان الأوروبي من حال إلى أحوال أخرى، لما أحدثته من خلخلة في البنية التقليدية للعقل الغربي، عندما زجت به في مدماك النقد والتحليل والشك. فزلزلت عالمه العجائبي، وفرضت عليه القيام بنقد جذري نحو الإبقاء على ما يمكن الإبقاء عليه، وترك ما يتوجب تركه من طرق في التفكير ونظرة للذات والآخر والعالم. لكن السؤال الذي يطرح هو، ما الذي كان وراء ذلك؟ ماذا حدث في هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي كي ينطلق إنسانه بكل هذه القوة؟
بصراحة، لا يمكن اختزال الحداثة في عامل واحد محدد. فضخامة الإنجاز تعني ضخامة العوامل المساعدة والميسرة لإحداثه. وكل عامل دفع بالإنسان الحديث لينحو نحو ما نحا إليه، من العلم إلى الأدب، والفن، والنقد الديني والسياسي والاقتصادي، إلى غير ذلك من العوامل التي ننظر إليها بمنظور التضافر والائتلاف.
يؤرخ الكاتب والأديب الفرنسي بول هازار (1878 - 1944)، في كتابه «أزمة الوعي الأوروبي 1680 - 1715» - الذي ترجمه إلى العربية يوسف عاصي، وأعادت المنظمة العربية للترجمة سنة 2009 إصداره لأزمة الوعي الأوروبي والتحولات العميقة التي طالت مستواه، في مرحلة قصيرة من التاريخ لا تتعدى 35 سنة. ويسلط هازار الضوء على أهم العوامل التي ساهمت في بعث العصر الحديث، ومن بينها التأثير البالغ الذي سيحدثه أدب الرحالة وفكرهم واكتشافاتهم، في تصدع بنية الوعي الأوروبي، وفي بعث الحداثة الغربية. وهو العامل الذي أحاول أن أسلط الضوء عليه في هذا المقال.
يكتب بول هازار، أن هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي، عرفت جرأة أكبر على السفر واستكشاف الآفاق. فهذا العهد هو عهد انتصار الأسفار، إذ انطلق الرحالة الأوروبيون شرقًا وغربًا، بغية الاطلاع على متحف العالم. فغربة العالم وسحره أصبحا بقوة العقل والشك، ضربًا من السخافة، مما جعل كل شيء قابلاً للبحث والتقصي، وكل أرض صار بالإمكان السفر إليها، وكل بقعة أصبح من الضروري اكتشافها والبحث في لغزها. لقد صار الإنسان الأوروبي يحتقر الاكتفاء بالموجود، وخرق الهدنة وذهب بعيدًا للبحث عن الشكوك، خارجًا من قريته جوالاً مستكشفًا، ليطلع على طريقة عيش غيره من الناس وتفكيرهم.
لم يكن هؤلاء الرحالة مجرد مشاهدين منبهرين بالعوالم التي يكتشفونها. بل كانوا فنانين وشعراء وأدباء ومفكرين. كل رحالة هو في الوقت نفسه، ناقد وكاتب ومؤرخ ومحلل للعالم الذي يراه. يكتبون ما يرونه وما يسمعونه من قصص ومغامرات. يشكلون المعطيات الجديدة ويقارنونها بأفكارهم وأحكامهم، فيجدوا أن ما يمتلكونه مناقضًا جدًا لما يجري اكتشافه، فتتكون لديهم رؤية أخرى وتصور مغاير لما ألفوه. ما أكثر الروايات التي عاد بها الرحالة من الهند، وكذا من المستعمرات الغنية والمنشآت التجارية البعيدة، هناك حيث تعيش أقوام أخرى شديدة الاختلاف، مما يبعث على الحيرة ويجعل النفسية تضطرب مما تراه من عبادات جديدة وعادات مختلفة.
سيتعرف الإنسان الأوروبي في هذه الرحلات على الخاص والفردي والمتعذر تبسيطه في حياة الشعوب الأخرى وثقافاتها، ويتعلم درس النسبية. فالعادات التي كانت غريبة ومتوحشة، أصبح بالإمكان منطقتها. وكل أحكامنا تنشأ من الطفولة والمحيط. وهي ليست مقياسًا يمكن الاعتداد به. استعمال اليد اليمنى أو اليسرى، تطويل الشعر أو تكثيفه، كلها أمور نسبية. هنا سوف يقر الإنسان الأوروبي، بأنه لا بد من مراجعة الأحكام، والتسلح بالشك. فالشك بداية العلم، ومن لا يشك بشيء لا يمتحن شيئًا. ومن لا يمتحن شيئًا لا يكتشف شيئًا. ومن لا يكتشف شيئًا يكون أعمى ويبقى كذلك.
سيجوب الرحالة الآفاق بحثًا عن الغريب والسحري وغير المألوف. فيروي المبشرون المسيحيون في تونس والمغرب والجزائر، كيف اضطهدوا بسبب إيمانهم. ويروي البحارة عن جولاتهم الصينية بفخر وهم يخوضون طريق الهند؛ البلدان البربرية ودساتيرها وعاداتها وإمبراطورياتها، وسياسة الصين وأخلاقها، وبلاد التتار والعرب. من أكثر النماذج المؤثرة في ذلك التاريخ، كان الإنسان الأميركي. لقد كان مربكًا ضائعًا وحيدًا بين أقرانه، لا هو ابن سام ولا حام ولا يافت، أبناء من يكون الأميركيون إذن؟ من هم؟ ما سر إفلاتهم من الطوفان العام؟ إنهم عراة ومتوحشون، لكنهم مع ذلك صالحون طيبون وكرماء أكثر من الأوروبيين. جهلهم في حد ذاته امتياز. فالعلوم والفنون هي جوهر الفساد. وبما أنه يطيع الطبيعة، أمه الطيبة، فهو سعيد. إذن المتمدنون هم البرابرة الحقيقيون، الذين يجب أن يعلمهم المتوحشون كيف يستردون الكرامة والحرية الإنسانيتين، وهو المحروم من أخلاق الطبيعة. فالسعيد الحقيقي، هو الفظ المتوحش العادل. أما التعيس، فهو المتمدن المسكين، المنحط والمخبول أخلاقيًا، اللابس لقناع التحضر المزيف.
زار الرحالة الأوروبيون مصر، وأعجبوا بالمصري الحكيم الهادئ الذي أنجب الموسيقى وعلم الهندسة والعمارة. مصر التي في سمائها يقول بول هازار: «حددت، لأول مرة، أمكنة المجرات». لقد كانت مصر في نظرهم، أمة وقورة ورصينة، يأنف ذهنها الصلب والمثابر من الحداثة. هي لم تسنّ القوانين وحسب، بل كانت تراعيها أيضًا. لقد شيدت مصر الأهرام، وكونت فلسفة لا تمت بصلة إلى الفلسفة المسيحية. أما العربي المحمدي، فبعيد عن النعوت القدحية التي كانت سائدة عنه. فالنبي محمد وتابعوه لم يكونوا أدنى مرتبة من الأبطال ذائعي الصيت عند الشعوب الأخرى. ديانتهم جميلة جدًا ومتماسكة ونبيلة. فمن حافظ على حقوق الفكر والثقافة، بعد أن طغت البربرية على العالم؟ إنهم العرب.
أما فكرة أن الغرب يتغلب على الشرق، فسيعرفون أنها مجرد وهم، لأن الحياة في الشرق هي الأكثر سعادة. فالصينيون، على الرغم من عبادتهم الأصنام والأجداد، لا يعترفون بوجود نبلاء إلا بين الأدباء. ولا يحفظون ذكرى إلا لحكامهم العادلين والمسالمين. وهم قادرون على انتقاد حكامهم بكل حرية. إن الصينيين ملحدون، ليس إلحادًا سلبيًا مثل إلحاد متوحشي أميركا، إلا أنهم مع ذلك، ليسوا أقل حكمة. بل هم أتقياء واسبينوزيون. أما مستشارو البلاط وندماؤه، فكلهم من الفلاسفة، ينتقدون سيدهم بقدر كبير من الحرية، وإذا لم يفعلوا فإنهم يتعرضون لملامة الشعب وسخطه. أما بالنسبة للفلسفة، فقد مثلها كونفوشيوس قبل الغرب بقرون كثيرة، وصاغ مذهبًا يعبّر عن روح بلاده ويحمل أنفاسًا إلهية.
اللافت في هذه القصص، ليست الإثارة التي تحدثها أو سحرية العوالم التي تقاربها وعجائبيتها، بل تلك الإرادة المستمرة للهدم. فكل تقليد ومألوف، أو سلطة، إلا وجرى هدمه. لقد هدمت المؤسسات كلها، وانتقدت الأقوال بشكل كبير. وظهر مسنون حكماء يلقون المواعظ العلمانية، أشادوا بحكم القلة المتسامحة، وبالسلام الذي يجري الحصول عليه بالإقناع، والسعادة التي يعيشها الناس في هذه البلدان. لقد كانت حكايات الرحالة، هروبًا، وانتقالاً من ثبات العقل إلى الحركة، ليتعلم المرء عدم الإيمان، على حد تعبير بول هازار. وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى اضطراب وعي أوروبا القديمة.
أكاد أشبه التأثير الذي أحدثه هؤلاء الرحالة في ذلك العصر، بما أحدثه التطور التكنولوجي نفسه، وبثورة المعلومات في وعينا. فقد صرنا نعرف بقوة، الصورة جيدًا: الشرق، والغرب، والمجتمعات التي لا تماثل طريقتنا في الحياة والتفكير. ونعرف أعمق غابات الأمازون، وأقدم سكان أستراليا الأصليين. وتمتد معرفتنا من البوذية إلى عادات الصين والهند. مما يعني أنه لا بد من أن يحدث ذلك في أذهاننا رجة. وإذا كان العقل الأوروبي مستعدًا، مند قرون كثيرة، لتقبل ذلك، بسبب صدمة القرن السادس عشر، فإن ذهنيات باقي المجتمعات، لا بد أن تتأثر وتهتز لتسائل الذات، وتتمسك بسلاح الشك، والنقد طوعًا أو كرهًا، على الرغم من أن الشك يحتاج إلى عقل جريء مستعد لمواجهة العالم كما هو. وهذا ما قد يغيب، في بعض الأحيان، خصوصًا عند المجتمعات التي بنت لنفسها كهوفًا، كلما خرجت منها أعماها ضوء الشمس، فعادت لتختبئ من جديد، وترفض كل شيء. بل أكثر من ذلك، تواجه بالعنف كل من لا يسايرها الوهم نفسه.

* أستاذ فلسفة



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».