بول هازار: فكر الرحالة والطريق نحو الحداثة الأوروبية

ما الذي حدث قبل انطلاقها ومواجهتها تركة الماضي؟

غلاف ازمة الوعي الاوروبي
غلاف ازمة الوعي الاوروبي
TT

بول هازار: فكر الرحالة والطريق نحو الحداثة الأوروبية

غلاف ازمة الوعي الاوروبي
غلاف ازمة الوعي الاوروبي

كانت الحداثة الغربية منعطفًا حاسمًا في تاريخ الفكر الإنساني، حيث نقلت الإنسان الأوروبي من حال إلى أحوال أخرى، لما أحدثته من خلخلة في البنية التقليدية للعقل الغربي، عندما زجت به في مدماك النقد والتحليل والشك. فزلزلت عالمه العجائبي، وفرضت عليه القيام بنقد جذري نحو الإبقاء على ما يمكن الإبقاء عليه، وترك ما يتوجب تركه من طرق في التفكير ونظرة للذات والآخر والعالم. لكن السؤال الذي يطرح هو، ما الذي كان وراء ذلك؟ ماذا حدث في هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي كي ينطلق إنسانه بكل هذه القوة؟
بصراحة، لا يمكن اختزال الحداثة في عامل واحد محدد. فضخامة الإنجاز تعني ضخامة العوامل المساعدة والميسرة لإحداثه. وكل عامل دفع بالإنسان الحديث لينحو نحو ما نحا إليه، من العلم إلى الأدب، والفن، والنقد الديني والسياسي والاقتصادي، إلى غير ذلك من العوامل التي ننظر إليها بمنظور التضافر والائتلاف.
يؤرخ الكاتب والأديب الفرنسي بول هازار (1878 - 1944)، في كتابه «أزمة الوعي الأوروبي 1680 - 1715» - الذي ترجمه إلى العربية يوسف عاصي، وأعادت المنظمة العربية للترجمة سنة 2009 إصداره لأزمة الوعي الأوروبي والتحولات العميقة التي طالت مستواه، في مرحلة قصيرة من التاريخ لا تتعدى 35 سنة. ويسلط هازار الضوء على أهم العوامل التي ساهمت في بعث العصر الحديث، ومن بينها التأثير البالغ الذي سيحدثه أدب الرحالة وفكرهم واكتشافاتهم، في تصدع بنية الوعي الأوروبي، وفي بعث الحداثة الغربية. وهو العامل الذي أحاول أن أسلط الضوء عليه في هذا المقال.
يكتب بول هازار، أن هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي، عرفت جرأة أكبر على السفر واستكشاف الآفاق. فهذا العهد هو عهد انتصار الأسفار، إذ انطلق الرحالة الأوروبيون شرقًا وغربًا، بغية الاطلاع على متحف العالم. فغربة العالم وسحره أصبحا بقوة العقل والشك، ضربًا من السخافة، مما جعل كل شيء قابلاً للبحث والتقصي، وكل أرض صار بالإمكان السفر إليها، وكل بقعة أصبح من الضروري اكتشافها والبحث في لغزها. لقد صار الإنسان الأوروبي يحتقر الاكتفاء بالموجود، وخرق الهدنة وذهب بعيدًا للبحث عن الشكوك، خارجًا من قريته جوالاً مستكشفًا، ليطلع على طريقة عيش غيره من الناس وتفكيرهم.
لم يكن هؤلاء الرحالة مجرد مشاهدين منبهرين بالعوالم التي يكتشفونها. بل كانوا فنانين وشعراء وأدباء ومفكرين. كل رحالة هو في الوقت نفسه، ناقد وكاتب ومؤرخ ومحلل للعالم الذي يراه. يكتبون ما يرونه وما يسمعونه من قصص ومغامرات. يشكلون المعطيات الجديدة ويقارنونها بأفكارهم وأحكامهم، فيجدوا أن ما يمتلكونه مناقضًا جدًا لما يجري اكتشافه، فتتكون لديهم رؤية أخرى وتصور مغاير لما ألفوه. ما أكثر الروايات التي عاد بها الرحالة من الهند، وكذا من المستعمرات الغنية والمنشآت التجارية البعيدة، هناك حيث تعيش أقوام أخرى شديدة الاختلاف، مما يبعث على الحيرة ويجعل النفسية تضطرب مما تراه من عبادات جديدة وعادات مختلفة.
سيتعرف الإنسان الأوروبي في هذه الرحلات على الخاص والفردي والمتعذر تبسيطه في حياة الشعوب الأخرى وثقافاتها، ويتعلم درس النسبية. فالعادات التي كانت غريبة ومتوحشة، أصبح بالإمكان منطقتها. وكل أحكامنا تنشأ من الطفولة والمحيط. وهي ليست مقياسًا يمكن الاعتداد به. استعمال اليد اليمنى أو اليسرى، تطويل الشعر أو تكثيفه، كلها أمور نسبية. هنا سوف يقر الإنسان الأوروبي، بأنه لا بد من مراجعة الأحكام، والتسلح بالشك. فالشك بداية العلم، ومن لا يشك بشيء لا يمتحن شيئًا. ومن لا يمتحن شيئًا لا يكتشف شيئًا. ومن لا يكتشف شيئًا يكون أعمى ويبقى كذلك.
سيجوب الرحالة الآفاق بحثًا عن الغريب والسحري وغير المألوف. فيروي المبشرون المسيحيون في تونس والمغرب والجزائر، كيف اضطهدوا بسبب إيمانهم. ويروي البحارة عن جولاتهم الصينية بفخر وهم يخوضون طريق الهند؛ البلدان البربرية ودساتيرها وعاداتها وإمبراطورياتها، وسياسة الصين وأخلاقها، وبلاد التتار والعرب. من أكثر النماذج المؤثرة في ذلك التاريخ، كان الإنسان الأميركي. لقد كان مربكًا ضائعًا وحيدًا بين أقرانه، لا هو ابن سام ولا حام ولا يافت، أبناء من يكون الأميركيون إذن؟ من هم؟ ما سر إفلاتهم من الطوفان العام؟ إنهم عراة ومتوحشون، لكنهم مع ذلك صالحون طيبون وكرماء أكثر من الأوروبيين. جهلهم في حد ذاته امتياز. فالعلوم والفنون هي جوهر الفساد. وبما أنه يطيع الطبيعة، أمه الطيبة، فهو سعيد. إذن المتمدنون هم البرابرة الحقيقيون، الذين يجب أن يعلمهم المتوحشون كيف يستردون الكرامة والحرية الإنسانيتين، وهو المحروم من أخلاق الطبيعة. فالسعيد الحقيقي، هو الفظ المتوحش العادل. أما التعيس، فهو المتمدن المسكين، المنحط والمخبول أخلاقيًا، اللابس لقناع التحضر المزيف.
زار الرحالة الأوروبيون مصر، وأعجبوا بالمصري الحكيم الهادئ الذي أنجب الموسيقى وعلم الهندسة والعمارة. مصر التي في سمائها يقول بول هازار: «حددت، لأول مرة، أمكنة المجرات». لقد كانت مصر في نظرهم، أمة وقورة ورصينة، يأنف ذهنها الصلب والمثابر من الحداثة. هي لم تسنّ القوانين وحسب، بل كانت تراعيها أيضًا. لقد شيدت مصر الأهرام، وكونت فلسفة لا تمت بصلة إلى الفلسفة المسيحية. أما العربي المحمدي، فبعيد عن النعوت القدحية التي كانت سائدة عنه. فالنبي محمد وتابعوه لم يكونوا أدنى مرتبة من الأبطال ذائعي الصيت عند الشعوب الأخرى. ديانتهم جميلة جدًا ومتماسكة ونبيلة. فمن حافظ على حقوق الفكر والثقافة، بعد أن طغت البربرية على العالم؟ إنهم العرب.
أما فكرة أن الغرب يتغلب على الشرق، فسيعرفون أنها مجرد وهم، لأن الحياة في الشرق هي الأكثر سعادة. فالصينيون، على الرغم من عبادتهم الأصنام والأجداد، لا يعترفون بوجود نبلاء إلا بين الأدباء. ولا يحفظون ذكرى إلا لحكامهم العادلين والمسالمين. وهم قادرون على انتقاد حكامهم بكل حرية. إن الصينيين ملحدون، ليس إلحادًا سلبيًا مثل إلحاد متوحشي أميركا، إلا أنهم مع ذلك، ليسوا أقل حكمة. بل هم أتقياء واسبينوزيون. أما مستشارو البلاط وندماؤه، فكلهم من الفلاسفة، ينتقدون سيدهم بقدر كبير من الحرية، وإذا لم يفعلوا فإنهم يتعرضون لملامة الشعب وسخطه. أما بالنسبة للفلسفة، فقد مثلها كونفوشيوس قبل الغرب بقرون كثيرة، وصاغ مذهبًا يعبّر عن روح بلاده ويحمل أنفاسًا إلهية.
اللافت في هذه القصص، ليست الإثارة التي تحدثها أو سحرية العوالم التي تقاربها وعجائبيتها، بل تلك الإرادة المستمرة للهدم. فكل تقليد ومألوف، أو سلطة، إلا وجرى هدمه. لقد هدمت المؤسسات كلها، وانتقدت الأقوال بشكل كبير. وظهر مسنون حكماء يلقون المواعظ العلمانية، أشادوا بحكم القلة المتسامحة، وبالسلام الذي يجري الحصول عليه بالإقناع، والسعادة التي يعيشها الناس في هذه البلدان. لقد كانت حكايات الرحالة، هروبًا، وانتقالاً من ثبات العقل إلى الحركة، ليتعلم المرء عدم الإيمان، على حد تعبير بول هازار. وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى اضطراب وعي أوروبا القديمة.
أكاد أشبه التأثير الذي أحدثه هؤلاء الرحالة في ذلك العصر، بما أحدثه التطور التكنولوجي نفسه، وبثورة المعلومات في وعينا. فقد صرنا نعرف بقوة، الصورة جيدًا: الشرق، والغرب، والمجتمعات التي لا تماثل طريقتنا في الحياة والتفكير. ونعرف أعمق غابات الأمازون، وأقدم سكان أستراليا الأصليين. وتمتد معرفتنا من البوذية إلى عادات الصين والهند. مما يعني أنه لا بد من أن يحدث ذلك في أذهاننا رجة. وإذا كان العقل الأوروبي مستعدًا، مند قرون كثيرة، لتقبل ذلك، بسبب صدمة القرن السادس عشر، فإن ذهنيات باقي المجتمعات، لا بد أن تتأثر وتهتز لتسائل الذات، وتتمسك بسلاح الشك، والنقد طوعًا أو كرهًا، على الرغم من أن الشك يحتاج إلى عقل جريء مستعد لمواجهة العالم كما هو. وهذا ما قد يغيب، في بعض الأحيان، خصوصًا عند المجتمعات التي بنت لنفسها كهوفًا، كلما خرجت منها أعماها ضوء الشمس، فعادت لتختبئ من جديد، وترفض كل شيء. بل أكثر من ذلك، تواجه بالعنف كل من لا يسايرها الوهم نفسه.

* أستاذ فلسفة



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».