وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

الجامعة تواجه تدقيقاً واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار

جيسون أرداي
جيسون أرداي
TT

وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي

عُثر يوم الجمعة الماضي على جثة جيسون أرداي، أصغر أستاذ جامعي أسود في جامعة كمبريدج، التي كانت قد تجاهلت سلسلة من التحذيرات بشأنه.

وكان جيسون أرداي قد عين عام 2023 ليصبح أصغر أستاذ أسود في الجامعة. وعندما أجرت جامعة كامبريدج مقابلة مع جيسون أرداي لشغل أحد أرقى المناصب في مجال علم الاجتماع على مستوى العالم، كان أكاديمياً في بداية مسيرته المهنية ويفتقر إلى المؤهلات الكافية وفقاً لمعايير الجامعة نفسها.

كانت متطلبات الجامعة -التي اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»- تشترط وجود «سجل بحثي متميز ذي مكانة دولية» و«سجل نجاح مثبت» في الإشراف على طلاب الدكتوراه. في المقابل، كان لدى الدكتور أرداي سجل متواضع في النشر العلمي، كما تنقل بين عدة جامعات دون البقاء في أي منها لفترة كافية للإشراف على برنامج دكتوراه كامل يمتد 3 سنوات أو أكثر.

ورغم ذلك، وظّفته كامبريدج في عام 2023، ليصبح -وهو في السابعة والثلاثين من عمره- أصغر أستاذ أسود في الجامعة، وذلك في وقت كانت فيه المؤسسة تواجه ضغوطاً لتعزيز التنوع. وبذلك، وضعت كامبريدج أرداي تحت الأضواء العالمية، مانحةً إياه منبراً في واحدة من أرقى جامعات العالم، وفي الوقت نفسه جعلته هدفاً للانتقادات.

عُثر على الدكتور أرداي ميتاً، وذلك بعد أيام من استقالته من منصبه وسط اتهامات بأنه سرق أجزاء من أوراقه البحثية، وبالغ في تفاصيل مذكراته المنشورة حديثاً، واختلق جوانب من قصة حياته. وقد تفجرت هذه القضية المثيرة للجدل لتلامس قضايا حساسة تتعلق بالعرق، والتنوع، والوسط الأكاديمي.

في خطاب استقالته المؤرخ في 5 أغسطس (آب)، كتب أرداي: «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار، حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق والحكم العام». وأضاف: «هذه ليست نهاية عملي، بل هي مجرد نهاية لهذا الفصل». وذكرت عائلة الدكتور «أرداي» أنه واجه، منذ بدء عمله في جامعة كامبريدج، حملة تدقيق استهدفت النيل منه والتشكيك في أهليته، وهي ضغوط فاقت قدرته على التحمل.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنتهي التساؤلات حول مسيرة الدكتور «أرداي» المهنية بوفاته، إذ هذه التساؤلات تتعلق بجامعة كامبريدج بقدر ما تتعلق به شخصياً. فالجامعة العريقة -التي يعود تاريخها لقرون مضت وتخرج فيها عظماء مثل إسحاق نيوتن وويليام وردزورث، فضلاً عن ملوك وملكات- تواجه الآن تدقيقاً واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار فيها، حتى من جانب أعضاء هيئة التدريس العاملين بها.

ورغم أن الدكتور «أرداي» لم يكن يمتلك المؤهلات الكافية للوظيفة التي شغلها، فإن قصته كانت استثنائية؛ فقد شُخِّصت حالته مبكراً بإصابة بطيف التوحد، وعانى من تأخر نمائي حادّ لدرجة أنه قضى طفولته بأكملها في مدرسة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة. ووفقاً لروايته، فإنه لم ينطق بكلمة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ولم يتمكن من القراءة حتى سن الثامنة عشرة، ومع ذلك نجح في الحصول على درجة الدكتوراه وبدأ في إلقاء كلمات رئيسية في المحافل الأكاديمية. وعلاوة على ذلك، فقد اشترك، كما يقول في مذكراته، في 30 سباق ماراثون خلال 35 يوماً لأغراض خيرية، وهو إنجاز كان من شأنه أن يضعه في مصافّ نخبة الرياضيين في العالم.

وإذا كانت بعض تفاصيل قصة الدكتور «أردي» تبدو -عند النظر إليها بأثر رجعي- مثالية لدرجة يصعب تصديقها، فإن جامعة كامبريدج تجاهلت مؤشرات تحذيرية متكررة. فقد أظهرت مراجعة لوثائق داخلية للجامعة ومقابلات مع زملاء سابقين ومقربين منه أن الإداريين -إلى جانب تجاوزهم لمرشحين أكثر خبرة لشغل الوظيفة- دأبوا على الإشادة علناً بالمستوى الأكاديمي للدكتور «أرداي»، بينما تجاهلوا سراً الشكاوى المتعلقة بعمله. كما رفضوا التحقيق في مخاوف بشأن الانتحال العلمي، واتهموا منتقديه بشنّ «حملة دنيئة» للنيل من مصداقيته.

وصرّح زميل سابق ومختص في علاج النطق، عمل مع الدكتور «أرداي»، لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن ادعاءاته بشأن عدم قدرته على الكلام كانت عارية عن الصحة. ويؤكد خبراء في مجال التأخر النمائي واضطرابات النطق أن مسيرته -التي وُصفت بالاستثنائية- والمتمثلة في الانتقال من طفل لا ينطق قبل سن المراهقة إلى حاصل على الدكتوراه، ليست لها سابقة في الأدبيات الطبية. وكان ينبغي لهذا الأمر أن يثير الشكوك لدى لجنة التعيين في كامبريدج، التي ضمّت في عضويتها طبيباً نفسياً متخصصاً في طب نفس الأطفال وأجرى أبحاثاً حول التوحد، حسبما أفاد الخبراء.

وقبيل وفاة الدكتور «أرداي»، استغل معلقون محافظون تعثر مسيرته كدليل على خروج جهود «التنوع والشمول» عن مسارها الصحيح؛ إذ رأوا أن حرص جامعة كامبريدج الشديد على تعزيز التنوع قد أدى إلى تشويش حكم الإداريين على الأمور. وقال جاكوب ريس-موغ، وهو نائب سابق عن حزب المحافظين في بريطانيا، في وقت سابق من هذا الأسبوع خلال مشاركته في بودكاست «ديلي تي» (Daily T) التابع لصحيفة «التلغراف»: «يبدو أنهم قد انقادوا تماماً لأفكار التنوع والإنصاف والشمول (D.E.I)».

من جانبه، بذل الدكتور أرداي جهوداً حثيثة لإسكات أي تساؤلات حول مؤهلاته. فعندما سأل صحافي من صحيفة «تايمز للتعليم العالي»، وهي مجلة أكاديمية مرموقة، عن الانتحال العام الماضي، ساعدت شركة محاماة بريطانية بارزة متخصصة في قضايا التشهير في منع نشر المقال، وفقاً لما ذكره الصحافي. وقد أبلغ الدكتور أرداي الشرطة لاحقاً عن الصحافي.

وعندما شكك باحث من جامعة أخرى في عمله، قلب الدكتور أرداي الطاولة وقدّم شكوى عنصرية إلى الجامعة الأخرى، بحسب مصدر مطلع على الشكوى. وقد تحدث هذا المصدر، كغيره ممن تحدثوا إلى صحيفة «التايمز»، شريطة عدم الكشف عن هويته لتجنب الزجّ به علناً في هذه القضية.

لم يتطرق الدكتور أرداي بشكل مباشر إلى مسألة الانتحال والتلفيق. لكن ما يتضح من المقابلات والسجلات العامة هو أن بعض جوانب القصة كان من السهل على جامعة كامبريدج التحقق منها.

مذكراته ضمّت ادّعاءات كاذبة

نشأ الدكتور أرداي، وهو ابن مهاجرين غانيين، في مساكن شعبية في حيّ مختلط الأعراق من الطبقة العاملة في جنوب لندن. وقد شُخّصت لديه صعوبات في التعلم منذ صغره.

وادّعى أنه قبل بلوغه الحادية عشرة من عمره، كان يفهم اللغة، لكنه لا يستطيع الكلام. وفي عام 2022، قبل مقابلته مع جامعة كامبريدج، صرّح بأنه تلقى تعليمه حصرياً في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة «مع تلاميذ آخرين يعانون من صعوبات تعلم شديدة وإعاقات جسدية».

وفي مذكراته، التي نُشرت يوم الثلاثاء، قدّم رواية مختلفة، إذ قال إنه التحق بمدرسة عادية، لكنه كان يقضي وقتاً معزولاً بمفرده في الفصل، دون أن يتكلم أيضاً.

كلا الروايتين كاذبتان، وفقاً لأشخاص عرفوا الدكتور أرداي في طفولته وتحدثوا إلى صحيفة «التايمز» قبل وفاته. وذكر أحد إخصائيّي النطق، الذي عمل عن كثب مع الدكتور أرداي الشاب، أنه كان يعاني من تأخر في اللغة، لكنه كان يتحدث مع الأطفال والبالغين على حد سواء. وتذكر زميل دراسة له، وهو جوناثان ستيوارت، أن الدكتور أرداي كان يطلق النكات ويقلّد لهجات عديدة عندما كانوا صغاراً.

وعلى الرغم من أن الأطفال غير الناطقين قادرون على تعلم الكلام، حتى في سن متأخرة، فإن التطور السريع الذي وصفه الدكتور أرداي غير مسبوق في الأدبيات السريرية، وفقاً لـ3 خبراء في التوحد والنطق. ويقول ستيفن كاماراتا، خبير علوم النطق في مختبر الإعاقات النمائية التابع لجامعة فاندربيلت: «خلال أكثر من 40 عاماً من الممارسة، ومع إلمامي الواسع بالأدبيات، لم أسمع بمثل هذا الأمر قط. إنه أمر يصعب تصديقه».

أصغر أستاذ أسود في الجامعة

يُعدّ منصب الأستاذية المرموق في جامعة كامبريدج، وهو منصب دائم التمويل يتمتع بمكانة مرموقة ودعم بحثي، من بين أكثر الوظائف الأكاديمية طلباً.

وتقدم الدكتور أرداي لشغل منصب الأستاذية، عندما أعلنت الجامعة عن الوظيفة دولياً، وشكّلت لجنة من 9 خبراء لمراجعة المرشحين.

اختارت اللجنة 4 مرشحين نهائيين، ودعتهم إلى كامبريدج لإجراء مقابلات لمدة يومين. وتنافس الدكتور أرداي مع 3 باحثين كبار آخرين، من بينهم سيدتان من ذوات البشرة الملونة، وفقاً لشخص مطلع على عملية التوظيف.

واحتوت أوراق الدكتور أرداي المنشورة وأطروحته على عشرات الأخطاء النحوية، بالإضافة إلى اقتباسات متطابقة منسوبة إلى أشخاص مختلفين.

وليس من الواضح ما إذا كان أعضاء لجنة التوظيف قد راجعوا خطابات الدكتور أرداي ومقابلاته. ولو فعلوا، لوجدوا في قصته عناصر يصعب تصديقها، مثل ادعائه المشاركة في الماراثون، أو عناصر زائفة بشكل واضح، مثل زعمه العلني مشاركته في المسلسل التلفزيوني البريطاني «سفن أب» (صرح المتحدث باسم الدكتور أرداي مؤخراً بأنه لا ينبغي أخذ هذا الزعم حرفياً).

وكان بإمكان بول رامشانداني، وهو طبيب نفسي للأطفال وعضو بارز في لجنة التوظيف، التشكيك في ادعاء الدكتور أرداي بأنه تعلم الكلام في سن الحادية عشرة والقراءة في سن الثامنة عشرة.

ولم يستجب الدكتور رامشانداني ولا غيره من أعضاء اللجنة لطلبات التعليق.

لقد قامت اللجنة بتعيين الدكتور أرداي، في قرار وصفه رئيس قسم التعليم آنذاك بأنه بالإجماع. وسلّط توظيفه في جامعة كامبريدج، ثم موته، الضوء على قصته الشخصية المؤثرة، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة على جانبي المحيط الأطلسي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

في خطاب استقالته كتب أرداي «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق»



إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا
TT

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا

في كتابها الباذخ «الفرنسيون: أو حياتي في ظل النظرية» تقدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي والتأريخ الفكري الدقيق لحركة الفكر البنيوي والتفكيكي التي اجتاحت الكليات والمعاهد الأميركية في ثمانينات القرن الماضي، فتستعيد تجربتها الفتية عندما وصلت إلى جامعة هارفارد طالبةً يافعةً قادمةً من أوساط الغرب الأوسط الأميركي المحافظ، لتجد نفسها مأخوذةً بسحر الأفكار الآتية من باريس، والتي شكلت الشيفرة السرية والرمز الثقافي المميز للنخب الفكرية المتمردة في الثلث الأخير من القرن الماضي.

جيل دولوز

ترسم إيكين عبر كتابها الممتد على أربعمائة وتسعين صفحة صورة مجموعة من الفلاسفة ومحللي النفس واللغويين الفرنسيين الذين أحدثوا زلزالاً معرفيّاً في الغرب زحزح المسلمات التقليدية حول المعنى والذات، متتبعةً تفاصيل الرحلة المعقدة التي قطعتها هذه الأفكار من مقاهي حي السوربون وأروقة المدرسة العليا للأساتذة بباريس إلى قاعات المحاضرات في ييل وهارفارد وكولومبيا.

وتصف الكاتبة حالة الانجذاب العاطفي والفكري الشديد نحو «النظرية الفرنسية»؛ إذ كانت تمثل لطالبة قادمة من بيئة بروتستانتية محافظة العالم المغاير والأنماط شديدة الخطورة والمفعمة بالشحنات المعرفية والحسية في آن واحد، حيث كان تعلّم المفردات التي تتضمنها هذه النظرية أشبه باستبدال للهوية والموطن الأصلي بمنظومة معجمية شاسعة تمنح صاحبها بطاقة عبور فورية إلى عوالم الوجاهة الذهنية.

وتعبّر عن تلك اللحظة الاستثنائية بتوصيف الشغف الذي ينتاب المرء عند رؤية الواقع واللغة والنفس البشرية وهي موضع التفكيك والتشريح جهاراً، حيث كانت مفردات مثل «المفارقة» - أي التناقض الظاهري -، و«الدال العائم» - أي المفهوم أو الرمز المنفصل عن مدلول محدد، مما يجعله قابلاً للامتلاء بأي معنى يُسقط عليه مثل مصطلحات (الحرية) أو (الشعب)، و«الحاضر - أبداً» - أي البنى المسبقة التي تشكل وعينا قبل أن ندركها - تشكل ترسانة الأسلحة الفكرية الأبرز لطلاب الدراسات العليا الراغبين في الانفصال عن النمطية الثقافية السائدة والتحرر من الدوغمائيات التقليدية.

لوي ألتوسير

يتناول الكتاب ثمانية أعلام محوريين شكلوا القوام الصلب لهذه الحركة الفكرية، وهم ميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان ولوي ألتوسير وجيل دولوز وفيلكس غوتاري وبول دي مان، مع استحضار كاشف لرموز مبكرة من قماش جان بول سارتر وكلود ليفي ستروس. وتتجلى المفارقة المركزية التي يقيم عليها النص بنيانه السردي في كون هؤلاء المفكرين الذين أعلنوا قاطبةً «موت المؤلف» واعتبروا السيرة الشخصية مجرد وهم آيديولوجي، قد عاشوا بالذات حياةً طافحةً بالدراما والفضائح المدوية والمآسي الإنسانية المفجعة. ترسم إيكين بأسلوب مفعم بالحيوية صوراً تفصيلية لهؤلاء الأعلام، كاشفةً عن جوانب شديدة التناقض في سلوكياتهم اليومية التي تجاور في غرابتها نصوصهم الأشد تعقيداً واستغلاقاً.

ثمّة تفاصيل مفجعة عن حياة ألتوسير الذي أقدم في لحظة جنون عاصفة على خنق زوجته في سكنه بالجامعة وتجنب المحاكمة بسبب اضطرابه العقلي، في حين تشير السيرة إلى ارتباكه العاطفي العميق في شبابه الأولي واحتفاظه بعزلة نفسية حادة. هناك كذلك تفاصيل الرحلات الأكاديمية لميشيل فوكو في كاليفورنيا حيث مارس طقوس التجريب الذهني والجسدي واختبر المشروبات الأميركية، وانهمك في تقطيع حطب التدفئة مع الطلاب في الجبال، بالتوازي مع تطويره لنظريات الشمولية السلطوية والهيمنة المؤسسية. وينقلنا النص إلى العالم المسرحي للمحلل النفسي جاك لاكان الذي ابتدع أسلوب جلسات علاجية خاطفة ينهيها في غضون دقائق معدودة ليحصد من ورائها ثروات هائلة، واضعاً مريديه في حالة ذهول دائم عبر رسم عقد ورموز مبهمة على السبورة ثم المغادرة الفورية القاطعة للقاعة.

ميشيل فوكو

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي حمل جراح التهميش والتمييز الإثني في صغره، ليشيد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية، متعرجاً نحو واقعة اعتقاله المأساوية في براغ بتهم مخدرات كاذبة حُبكت ضد هويته الفكرية. كما يفرد النص مساحةً واسعة للسقوط المدوّي لبول دي مان، الأب الروحي للتفكيك في جامعة ييل، حيث كشفت الوثائق المتأخرة بعد وفاته عن كتاباته الصحافية المؤيدة للاحتلال النازي في بلجيكا في أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الفضيحة التي وجهت ضربةً قاضية لسمعة المدرسة التفكيكية في أميركا، وأعطت الخصوم السياسيين والفكريين أسلحةً فتاكة لتقويض الهالة الحصينة التي أحاطت بالنظريات الفرنسية لسنوات طويلة.

وتعتمد إيكين منهجاً أنثروبولوجياً فريداً في تفكيك هذه الشخصيات عبر تقسيم الفصول وفق موضوعات كبرى تشمل القتل والجنون والكلمات والمناورات، مفضلةً استكشاف الأفكار عبر الوقائع الملموسة والسلوكيات الشخصية لمبدعيها ومجاوزة التحليل الأكاديمي الصرف، مظهرة قدرةً فائقة على إيضاح المفاهيم المعقدة الشديدة الاستغلاق مثل «السلطة الحيوية» و«البانوبتيكون» و«الاستجواب الآيديولوجي»، فتفسر كيف أضحت هذه الطروحات مفاتيح أساسية لفهم التحولات الثقافية والتكنولوجية الكبرى في العصر الحالي، كما في مفهوم فوكو حول البانوبتيكون أو «المراقبة الشاملة» كتشخيص فصيح ومبكر لشبكات المراقبة الرقمية التي تحيط بالإنسان المعاصر عبر المؤسسات والشركات التكنولوجية العملاقة، وتدفعه لممارسة الرقابة الذاتية الصارمة على سلوكياته وأفكاره.

يمتد التحليل إلى تنبؤات رولان بارت في مقالته الشهيرة «موت المؤلف»؛ إذ يجد القارئ المعاصر أن فكرة إنتاج النصوص المستقلة عن وجود الذات الإنسانية قد تجسدت واقعياً عبر نماذج اللغويات الكبيرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تفرغ الكلمات والخطابات في هيئة نصوص متدفقة تعمل فيها اللغة لذاتها وبذاتها. تشير الكاتبة إلى أن الأفكار التفكيكية التي بدأت كنزعة تمردية في المحترفات الجامعية المغلقة قد انحلت تدريجياً في النسيج الثقافي العام، فأصبحت الفرضيات القائلة إن الحقيقة مجرد سردية تصنعها موازين القوى، وإن اللغة تملك طاقة إعادة تشكيل الواقع من القناعات المستقرة لدى الحركات الاجتماعية ورجال التسويق وأقسام العلاقات العامة وحتى الخصوم الآيديولوجيين في الحروب الثقافية المحتدمة.

وينطوي عمل إيكين على ثغرات منهجية تستدعي التوقف النقدي عندها، وفي مقدمتها اقتصار دراستها المكثفة على ثمانية أعلام من الرجال حصراً، وتهميش الدور التأسيسي الذي لعبته الفيلسوفات والمفكرات الفرنسيات البارزات في تلك الحقبة مثل هيلين سيكسوس وجوليا كريستيفا ولوس إريغاراي وسارة كوفمان ومونيك فيتيغ، وهن اللاتي قدمن إسهامات مفصلية في نقد المركزية الذكورية وإعادة صياغة مفاهيم الجسد والكتابة المتمردة.

ويلاحظ القارئ الفاحص أيضاً غياباً تاماً لرمز فكري محوري بحجم رينيه جيرار الذي أطر في مؤتمر جونز هوبكنز التاريخي عام 1966 بداية دخول النظرية إلى أميركا، والذي تتيح نظريته حول «الرغبة المحاكاتية» تفسيراً عميقاً للخصومات الشرسة وحالة التنافس الرهيب التي سادت بين أعلام البنيوية والتفكيك وهم يسعون لتحقيق التمرد والفرادة الذاتية عبر تقليد الأنماط المتصارعة.

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي عاني من التمييز الإثني في صغره، ليشيّد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية

ويتعلق مأخذ آخر بطبيعة المنهج الذي اعتمدته الكاتبة؛ إذ غلب اهتمامها بالطرائف البايوغرافية والتفاصيل الشخصية على حساب الفحص الفلسفي الغائر للمتون والاحتجاجات النظرية، الأمر الذي قد يمنح انطباعاً مضللاً بأن الفلسفة مجرد صرعة ثقافية عابرة أو موضة فكرية ترتبط بزمن محدد. ويبدو أنها في محاولتها للتوفيق بين موقعها السابق كطالبة مأخوذة بالنظريات وموقعها الحالي بوصفها محررة صحافية مرموقة في جريدة «نيويورك تايمز»، قد فضلت تبسيط الأفكار لصالح الحبكة السردية المشوقة، متخليةً عن التعمق العلمي الذي تتطلبه مساجلات عاتية من وزن المناظرة التاريخية بين فوكو ودريدا حول فلسفة ديكارت وسؤال العقلانية.

ومع ذلك، فإن للفرنسيين قيمة استثنائية تستمدها من قدرة إيكين الباهرة على صياغة مراجعة فكرية ممتعة تجمع الرشاقة الصحافية إلى العمق الثقافي، متجنبةً السقوط في فخ الإدانة السطحية أو التبجيل الأعمى لهذه الحقبة المفصلية من تاريخ الفكر البشري.

في نهاية هذه الرحلة الممتدة عبر الأفكار والسير نخلص إلى أن القيمة الباقية للنظرية الفرنسية تكمن في منحنا أدوات النقد اليقظ والتفحص الصارم للغة، وإيقاظ التشكك الدائم أمام الشعارات السياسية التي تتزين بزي الحقائق السرمدية. وسيظل عمل إيكين دعوةً مفتوحةً لإعادة اكتشاف هؤلاء المفكرين المعقدين واستعادة روح المساءلة الفكرية الحرة في زمن تزداد فيه الحاجة إلى بناء وعي نقدي متماسك ومحصن ضد التبسيط والتضليل والسطحية المعرفية.


تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة
TT

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تتبع رواية «دارة بلقيس» للكاتب الأردني عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلي بين سحر الذاكرة الحميمة وأطماع الاستثمار العقاري الجاف. ويأخذنا الكاتب في رحلة لاستكشاف تفاصيل الحياة اليومية في جبل اللويبدة العريق، وتحديداً عمارة «جيهان 4» في شارع كلية الشريعة، رابطاً بين مصائر أبطاله وحركة النجوم والأبراج الفلكية في القبة التنجيمية بأوتادها الأربعة، ليعكس من خلالها تقلبات النفس البشرية ومشاعر العجز البشري أمام ويلات الواقع وقسوة التغيير.

ويمكن إدراج هذه الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في 135 صفحة من القطع المتوسط، في إطار الرواية الاجتماعية الفلسفية التي تتوسل بالفلك الأسطوري لتفكيك الواقع؛ حيث تُسلط الضوء على قصص إنسانية متشابكة لجيران يتقاسمون المكان والذكريات، كالسيدة أليس بركات الشغوفة بعالم الفلك، وصديقة طفولتها الدكتورة سعاد الصبّان التي تقع ضحية لشَرَك عقاري يقوده أحد السماسرة المغامرين بهدف هدم دارتها التراثية، ليمثّل الكتاب صرخة أدبية تدافع عن أصالة الأحياء العريقة في مواجهة زحف الأسمنت الحداثي.

بدأت الرواية التي صمم غلافها «عيد بنات»، باستهلال أسطوري لافت مستوحى من الموروث الفلكي العربي حول قصة مقتل رجل غدراً في الأسواق البعيدة، فيأخذك في رحلة بحث وثأر أبدية من القاتل «سهيل» الذي فرّ نحو السماء الجنوبية. ومن هذا الفضاء السديمي الفسيح، يهبط المدادحة بسرديته بسلاسة نحو جغرافية عمّانية شديدة الواقعية والدقة، ليتجول بالقارئ بين شارع كلية الشريعة، وكلية تيراسانتا، وساحة باريس، ومستشفى لوزميلا، عارضاً تفاصيل دراسة بطلته للطب في القاهرة، ومسترجعاً أحداثاً تاريخية وإقليمية مأساوية تركت ندوباً في وعي الشخصيات ونفسياتها.

من أجواء الرواية

«تتعدد رغباتنا وتتنوع وربما تتناقض، فليست كل رغبة ثبت وجودها، يثبت عدم وجود رغبات أخرى معاكسة لها في الاتجاه، فالحياة كأنها ميدان حرب وساحة صراع بين رغباتنا من جهة وما ينازعها ويعارضها من جهة أخرى، ففي الحياة ثمة متسع لكل هذا.

ثم تضيف: كثيرة هي الأشياء التي تجري في حياتنا بلا حساب أو مراجعة، تصبح شيئاً يشبه العادة، نؤمن بها ونعمل بمقتضاها ولا نبحث لها عن دليل عقلي يثبت الفائدة منها أو الضرر. أحياناً تصبح الفكرة مثل العادة أيضاً، تؤتى بلا دليل عقلي قاطع على صحتها.

نفرح ونشعر بوجودنا عند زيادة قدرتنا على التأثير في العالم من حولنا، ونحزن عندما تنقص القدرة على الفعل والتأثير. نلجأ إلى التنجيم سعياً وراء الفرح أو هرباً من حزننا الذي يشعرنا بالعجز».

وكان قد صدر للمدادحة: «قالت لي العرافة»، قصص (2015)، «على جمر الغضا.. قراءة في تاريخ الحكومات الأردنية»، دراسة سياسية، (2016)، «هوامش البساط الأحمر»، رواية، (2018)، «كرك موبا... رسائل المدينة»، رواية، (2021)، و«حارسة»، رواية، (2022)، و«رعاش المدينة»، رواية، (2026).


«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.