جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

إعادة التحقيق في بريد كلينتون الإلكتروني تثير عاصفة في وجه مدير الـ«إف بي آي»

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض
TT

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

وضع جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي» (الإف بي آي)، يوم الجمعة قبل الماضي، نفسه ومؤسسته القضائية والأمنية المؤثرة في حياة الأميركيين، في وضع غير مسبوق. وجرّ عليه تهمة التدخل المتعمد بهدف التأثير على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، وذلك عندما أعلن إعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكتروني المتعلقة بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وحقًا، منذ ذلك الحين لا يتوقف هذا الرجل الذي فتحت عليه أبواب الانتقاد من جميع الجهات، سواءً من الديمقراطيين أو المسؤولين السابقين والحاليين والمؤرّخين والمحللين السياسيين، بسبب توقيت هذا القرار الذي لا بد أن يوثر في مسار الانتخابات. وذلك لأنه سيثير موجة من الشكوك والتساؤلات والتكهنات حول ما يمكن أن تحويه «الإيميلات» المكتشفة حديثًا من دون أن تتاح الفرصة الزمنية الكافية لكلينتون لتبرئة نفسها وتوضيح الحقيقة، وكذلك عن ماهية المسار القانوني في حال ثبوت الإدانة، وكيف سيكون موقف مكتب التحقيقات الفيدرالي في حال عدم وجود إدانة.
أثار إعلان جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي» (الإف بي آي) إعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكتروني (الإيميل) المتعلقة بهيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية، عاصفة من الانتقادات، بل والتهم بتسييسه الـ«الإف بي آي» ووضعه في خضم صراع انتخابي بغيض. وطرح كثيرون علامات استفهام سياسية حول أهداف كومي من اتخاذ هذه الخطوة وفي هذا التوقيت الحرج، وعدم التزامه بالقواعد المتعارف عليها من الامتناع عن إذاعة أو تسريب أي معلومات من شأنها التأثير على مسار الانتخابات في فترة 60 يوما قبل إجراء التصويت. وفي المقابل، ثمة من طرح شكوكًا بأن الرجل يحاول حماية نفسه أكثر من اهتمامه بالتأثير على مسار الانتخابات الرئاسية، وآخرون رأوا أن فعلة كومي تؤدي إلى زعزعة ثقة الرأي العام الأميركي بالوكالات الاتحادية مثل الـ«إف بي آي» بل وفي عمل وزارة العدل الأميركية نفسها.

الآراء مع.. وضد
وعلى صعيد آخر، فتح إعلان كومي جدلاً أخلاقيًا حول مدى صوابية أو خطأ خطوته في ظل القيم الأخلاقية والمهنية التي تحكم عمل وكالات إنفاذ القانون في البلاد. وهنا أيضًا تباينت الآراء ما بين هجوم شديد وعاصف ضد كومي وتحذيرات من تأثير إعلانه فتح التحقيق على مسار الانتخابات وعلى ثقة الرأي العام الأميركي، وبين تأييد وتصفيق وثناء من الجانب الآخر على كومي - وهو من مناصري الحزب الجمهوري - الذي يرى مؤيدوه أنه رجل شجاع أدى واجبه دون الخوف من لوم اللائمين.
كان الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي عين كومي في منصبه خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2013، أول المدافعين عن مدير الـ«إف بي آي»، قبل أن ينتقده تلميحًا وليس بالاسم لاحقًا، ففي مقابلة صحافية نشرت صباح الأربعاء الماضي، قال أوباما: «لا أعتقد أن هناك قاعدة عندما يكون هناك تحقيقات. نحن لا نعمل على أساس تلميحات أو معلومات ناقصة أو تسريبات نحن نعمل على أساس قرارات ملموسة تم إجراؤها». ومن ثم سعى الرئيس إلى النأي بنفسه عن الجدل الدائر، رافضًا التعليق على سير التحقيق واكتفى بالقول: «لقد تعمدت بذل أقصى الجهد لكي أثبت امتناعي عن التدخل فيما يفترض أن تكون عملية مستقلة».

مهاجمون و«نيران صديقة»
أما عن المهاجمين بلا تحفظ فحدث ولا حرج، إذ جاءت سهام الانتقادات والاتهامات من كل حدب وصوب. والملاحظ أنها لم تأت فقط من جانب الساسة والمؤيدين الديمقراطيين الذين صدموا من توقيت إعلان كومي، وشعروا بقلق جدي على وضع مرشحتهم هيلاري كلينتون وحظوظها في السباق الرئاسي، بل جاءت أيضًا من «نيران صديقة» عبر بعض كبار قادة الحزب الجمهوري. إذ قال رئيس السيناتور تشاك غراسلي، لجنة الشؤون القضائية بمجلس الشيوخ، إن «رسالة كومي كانت غامضة، فهو لم يوضح الخطوات التي سيأخذها المكتب والضرورة الملحة في إعادة النظر في الرسائل في هذا التوقيت». وتابع غراسلي: «بينما لا أتفق مع أولئك الذين اقترحوا أن تكون التحقيقات سرّية، وتُجرى بعد الانتخابات، فإنني أوافق على أن إعلان كومي لم يقدم تفاصيل كافية. ولسوء الحظ، هذا ليس عدلاً لا للكونغرس ولا الشعب الأميركي لأنه لم يعط تقييما كاملا عن الكشف».
في هذه الأثناء، تشير مصادر داخل الـ«إف بي آي» إلى أن المناخ العام داخل «المكتب» هو الظلام والغموض حيث لا أحد يريد أن يتكلم أو يرغب في التنبؤ بما ستحمله الأيام المقبلة. ومع تكتم الـ«إف بي آي» إزاء سير التحقيقات المبدئية في الوقت الراهن تتزايد في بعض الأوساط تكهنات بأن رسائل البريد الإلكتروني قد تحمل مفاجآت كبيرة. ولكن، مع هذا، وقع أكثر من مائة من المدعين الاتحاديين السابقين ومسؤولي وزارة العدل بيانًا انتقدوا فيه كومي. كذلك نشر كثير من المسؤولين السابقين مقالات في الصحف الأميركية انتقدت مدير الـ«إف بي آي» واتهمته بانتهاك كل المبادئ والقواعد المتعارف عليها بتحاشي التدخل في السياسة.
وشنت صحيفة الـ«نيويورك تايمز» العريقة، التي تساند - مثل معظم الصحف الوطنية الجادة - المرشحة الديمقراطية، حملة شعواء ضد كومي. وقالت إن «رسالته القصيرة والغامضة إلى رؤساء لجان الكونغرس يوم الجمعة الماضي أدت إلى إحداث هزة كبيرة في معركة الانتخابات حول رسائل بريد إلكتروني قد تكون، أو لا تكون، ذات صلة بالتحقيقات السابقة التي سبق أن أجراها (المكتب) حول خادم البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون». وتابعت الصحيفة أنه تبين أن كومي لا يعرف شيئا عن فحوى رسائل البريد التي تم العثور عليها أثناء تحقيق منفصل في رسائل أنتوني واينر زوج هوما عابدين، إحدى مستشارات هيلاري كلينتون والمقربات منها. أيضًا رأت الصحيفة أن كومي «لم ينظر إلى الآثار المترتبة على إعلانه قبل أيام معدودات من الانتخابات»، ومن ثم، اتهمته بأنه كان أكثر حرصًا على حماية نفسه من اتهامات يوجهها إليه الكونغرس حول إخفاء معلومات، وشككت الصحيفة في حصول المحققين الاتحاديين على أمر قضائي لفحص رسائل البريد الإلكتروني.
وبالتالي، اعتبرت الـ«نيويورك تايمز» أن قرار كومي كان متهورًا وعديم المسؤولية «بشكل مذهل»، خصوصا أنه سيتوجب على وزارة العدل وعلى الـ«إف بي آي» فحص مئات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني لتحديد ما إذا كان هناك حقًا أي شيء له صلة بكلينتون قبل 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أي يوم الاقتراع في انتخابات الرئاسة. ورأت أن ذلك بمثابة خلق «سخونة وتشويق للانتخابات السياسية مشابه لسخونة وتشويق مباريات كرة القدم»، قبل أن تشير إلى غضب حقيقي في أوساط موظفي إنفاذ القانون - أي الأجهزة الأمنية - من الإدارتين الديمقراطية والجمهورية، وداخل الكونغرس، الذين يتمسكون بقاعدة معروفة هي تحاشي نشر معلومات عن تحقيقات خلال الفترة التي تسبق الانتخابات بمدة 60 يومًا، كي لا يكون لتلك المعلومات أي تأثير على التصويت والناخبين. الـ«نيويورك تايمز»، من جهة ثانية، وفي تقارير أخرى شبّهت كومي بمؤسس الـ«إف بي آي» الشهير إدغار هوفر (ومديره بين عامي 1924 و1972، وهو الرجل الذي يحمل «المكتب» في العاصمة واشنطن اسمه)، معيدة إلى الأذهان دسّ هوفر أجهزة تصنت في مكتب زعيم حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ ومنزله. وذكر كاتب المقال سكوت شين أن وجهة نظر جيمس كومي هي بأن على وكالات إنفاذ القانون المحافظة على الأمن بعيدًا عن أي توجهات سياسية أو تأثيرات خارج القانون. وأشار الكاتب إلى محاضرة سبق أن ألقاها كومي في جامعة جورجتاون العام الماضي أشار فيها إلى «التعلم من أخطاء الماضي».
أما سانفورد أونغار، الأكاديمي والباحث المتخصص في تاريخ الـ«إف بي آي» بجامعة جورجتاون، فقال معلقًا على تصرّف كومي: «أنا لا أقصد الإساءة إلى كومي لكن المقارنة ظالمة ما بين كومي وإدغار هوفر، فالذين يعرفون جيمس كومي جيدا يدركون أنه لم يتصرف لترجيح كفة الانتخابات إما لصالح كلينتون أو ترامب، وهو إذا كان مذنبًا في شيء، كما يقولون، فذنبه نوعٌ من الغطرسة الأخلاقية والرغبة في الظهور بوضع الرجل المستقيم الطاهر اليد على الملأ».
وفي العاصمة واشنطن، أيضًا، تلقى كومي انتقادات قاسية من إريك هولدر، النائب العام (وزير العدل) السابق، الذي كتب مقالا في صحيفة الـ«واشنطن بوست» شدد فيه على أن كومي «ارتكب خطأ فادحًا، وأن الآثار المحتملة لإعلانه فتح التحقيق ستكون شديدة وستتأثر معها ثقة الجمهور في النظام بشكل سلبي، وخاصة بوزارة العدل والـ(إف بي آي)».. وكذلك انتقده ألبرتو غونزاليس، النائب العام الأسبق في عهد الرئيس جورج بوش الابن، بقوله أن «يلقي كومي هذا الإعلان من دون الحصول على مزيد من المعلومات ومن دون معرفة دقيقة بفحوى هذه الرسائل الإلكترونية خطأ فادح». كذلك ذكر ريتشارد باينتر، محامي بوش، في مقال صحافي أنه تقدم بالفعل بشكوى إلى مكتب المستشار الخاص للتحقيق ضد قام به كومي، وأضاف: «من المرجح جدًا أن تكون رسالة كومي إلى رؤساء لجان الكونغرس مخالفة للقانون الاتحادي الذي يمنع الموظفين الحكوميين من استغلال مناصبهم للتأثير على نتائج الانتخابات». وعلى الجانب السياسي، انتقد السيناتور هاري ريد، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، ما فعله مدير الـ«إف بي آي» ووصفه بأنه بمثابة الكيل بمكيالين، وأنه بذلك أقدم على تسييس وزارة العدل وتسييس المباحث الاتحادية.

المدافعون عن كومي
ولكن، بينما يركّز منتقدو كومي على أنه انتهك القواعد المتعارف عليها في تحييد الوكالات الحكومية الاتحادية وأقدم على توريط الـ«إف بي آي» في الصراع الانتخابي، يقول المدافعون عنه إنه أقدم على قرار يراه صحيحًا وينسجم مع ما يملي عليه ضميره المهني. وأشار المدافعون إلى سيل الانتقادات والاتهامات من جانب الجمهوريين التي واجهها كومي في يوليو (تموز) الماضي عندما خرج (بعد سنة ونصف من التحقيق في إيميلات كلينتون) ليعلن عدم توجيه أي اتهامات جنائية ضد المرشحة الديمقراطية. لقد اكتفى يومذاك باتهامها بـ«الإهمال» في استخدام خادم خاص لبريدها الإلكتروني، ومؤكدا أنه لم يحدث اختراق لبريدها من قبل قراصنة الكومبيوتر. وفي حينه، ضغط الجمهوريون طويلا على كومي واستدعوه للشهادة في جلسة استماع بالكونغرس ووجهوا إليه أسئلة واتهامات حادة. وأيضًا، في ذلك الوقت، هاجم الجمهوريون الرجل وشككوا في تورطه بتسييس المباحث الاتحادية ومساندته هيلاري كلينتون، مشيرين إلى لقاء لوريتا لينش وزيرة العدل مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون في أحد المطارات الأميركية، ولمحوا إلى تأثير بيل كلينتون، الرئيس السابق وزوج المرشحة الحالية، على وزارة العدل والتحقيقات التي تجريها.
في أي حال، لم يكن إعلان جيمس كومي المثير للجدل، أول موقف يتحدى فيه جميع الظروف حوله ويخلق دراما تزيد من سخونة الأحداث وتجتذب الانتقادات والاتهامات له. ففي عام 2004 رفض كومي بتحدٍ الاستجابة لمطالب البيت الأبيض عام 2004 للموافقة على عمليات تنصت تابعة لبرنامج «الوكالة الوطنية للأمن القومي» (إن إس إيه)، إذ رفض كومي - وكان في حينه يتولى وزارة العدل بالإنابة بسبب دخول الوزير جون آشكروفت المستشفى - موافقة وزارته على برنامج التنصت، وهو البرنامج الذي أصبح بعد ذلك في قلب عملية كشف النظام الأميركي الواسع لمراقبة الاتصالات. في ذلك الحين تعرض كومي لكثير من الانتقادات، وخاض بسبب موقفه واحدة من المعارك الداخلية الأكثر شهرة خلال فترة الحرب على الإرهاب التي شنتها إدارة الرئيس جورج بوش، ووقف وزير العدل آشكروفت مع صديقه كومي في رفض التوقيع على برنامج للمراقبة واعتبروه غير قانوني، بل هدد كومي بالاستقالة من إدارة بوش إذا ما جرى تمرير البرنامج. وبعد معركة طويلة امتدت تسعة أشهر، اضطر الرئيس بوش إلى تغيير البرنامج. وهذه أيضا، ليست أول مرة يجد فيها الـ«إف بي آي» نفسه وسط معمعة سياسية، إذ واجه عدد من مديري «المكتب» مشكلات وانتقادات، منهم لويس فريه مدير الـ«إف بي آي» من عام 1993 إلى عام 2001 الذي اختلف كثيرًا مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. غير أن سنوات مؤسس الـ«إف بي آي» إدغار هوفر تظل الأكثر غموضًا وإثارة، ففي سنواته الـ48 عمل «المكتب» بصفته أداة سياسية، وشنّ هوفر حملة شرسة ضد الشيوعيين واليساريين مستهدفًا كثيرا من نشطاء الحقوق المدنية، واستخدم سلطاته لابتزاز مسؤولين والتنصت عليهم وابتزازهم. ويشرح إيثان ثيودورس المؤرخ والبروفسور بجامعة ماركيت بقوله: «لعب الـ(إف بي آي) في تلك الفترة دورا مهما من وراء الكواليس لصياغة السياسة الأميركية خلال الحرب الباردة».

بطاقة شخصية
ولد جيمس كومي في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1960 في مدينة نيويورك، وهو متزوج من باتريس، وأب خمسة أطفال. والمعروف عنه أنه ينتمي للحزب الجمهوري ولقد تبرّع لحملة السيناتور الأميركي الجمهوري جون ماكين في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2008، كما تبرّع لحملة المرشح الجمهوري ميت رومني في انتخابات 2012 الرئاسية.
حصل على درجة البكالوريوس من كلية ويليام وماري بولاية فيرجينيا، وعلى الإجازة في القانون من كلية الحقوق بجامعة شيكاغو. وفي بداية حياته المهنية شغل منصب أستاذ مساعد بكلية الحقوق بجامعة ريتشموند في فيرجينيا.
ومن عام 1996 إلى عام 2001 تولى كومي منصب المدعي العام للمنطقة الشرقية من ولاية فيرجينيا ومنصب مساعد وزير العدل للمنطقة الجنوبية من نيويورك. وتولى منصب نائب المدعي العام للولايات المتحدة من 2003 إلى 2005 وتدرّج في عدة مناصب أخرى في وزارة العدل، منها منصب المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك؛ حيث تولي التحقيق في عدد من جرائم الإرهاب والقضايا الجنائية الكبيرة.
وقبل أن يتولى كومي منصب مدير الـ«إف بي آي» عمل باحثًا في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وكان يشغل في الوقت نفسه منصب عضو بمجلس إدارة بنك إتش إس بي سي HSBC، وفي الفترة من 2010 إلى 2013 عمل مستشارًا قانونيًا لشركة بريدجووتر، وهي شركة لإدارة أموال المؤسسات في ولاية كونكتيكت، وقبلها عمل نائب رئيس ومستشارا عاما في شركة لوكهيد مارتن العالمية. وفي سبتمبر عام 2013 عيّن مديرًا للـ«إف بي آي»، وجاء تعيينه في وقت اتسعت معه دائرة فضيحة تجسس أجهزة الاستخبارات الأميركية على الأميركيين من جانب، وعلى الدول الأخرى وقادة أوروبا من جانب آخر. وهو وإن كان قد عيّنه في هذا المنصب الحساس رئيس ديمقراطي، فإنه كان يعد من أبرز المسؤولين في وزارة العدل إبان عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وهو متخصص في شؤون الأمن القومي لأكثر من عشرين سنة، وله سمعة جيدة ومواقف شجاعة واستقلالية كبيرة.



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.