جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

إعادة التحقيق في بريد كلينتون الإلكتروني تثير عاصفة في وجه مدير الـ«إف بي آي»

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض
TT

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

وضع جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي» (الإف بي آي)، يوم الجمعة قبل الماضي، نفسه ومؤسسته القضائية والأمنية المؤثرة في حياة الأميركيين، في وضع غير مسبوق. وجرّ عليه تهمة التدخل المتعمد بهدف التأثير على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، وذلك عندما أعلن إعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكتروني المتعلقة بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وحقًا، منذ ذلك الحين لا يتوقف هذا الرجل الذي فتحت عليه أبواب الانتقاد من جميع الجهات، سواءً من الديمقراطيين أو المسؤولين السابقين والحاليين والمؤرّخين والمحللين السياسيين، بسبب توقيت هذا القرار الذي لا بد أن يوثر في مسار الانتخابات. وذلك لأنه سيثير موجة من الشكوك والتساؤلات والتكهنات حول ما يمكن أن تحويه «الإيميلات» المكتشفة حديثًا من دون أن تتاح الفرصة الزمنية الكافية لكلينتون لتبرئة نفسها وتوضيح الحقيقة، وكذلك عن ماهية المسار القانوني في حال ثبوت الإدانة، وكيف سيكون موقف مكتب التحقيقات الفيدرالي في حال عدم وجود إدانة.
أثار إعلان جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي» (الإف بي آي) إعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكتروني (الإيميل) المتعلقة بهيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية، عاصفة من الانتقادات، بل والتهم بتسييسه الـ«الإف بي آي» ووضعه في خضم صراع انتخابي بغيض. وطرح كثيرون علامات استفهام سياسية حول أهداف كومي من اتخاذ هذه الخطوة وفي هذا التوقيت الحرج، وعدم التزامه بالقواعد المتعارف عليها من الامتناع عن إذاعة أو تسريب أي معلومات من شأنها التأثير على مسار الانتخابات في فترة 60 يوما قبل إجراء التصويت. وفي المقابل، ثمة من طرح شكوكًا بأن الرجل يحاول حماية نفسه أكثر من اهتمامه بالتأثير على مسار الانتخابات الرئاسية، وآخرون رأوا أن فعلة كومي تؤدي إلى زعزعة ثقة الرأي العام الأميركي بالوكالات الاتحادية مثل الـ«إف بي آي» بل وفي عمل وزارة العدل الأميركية نفسها.

الآراء مع.. وضد
وعلى صعيد آخر، فتح إعلان كومي جدلاً أخلاقيًا حول مدى صوابية أو خطأ خطوته في ظل القيم الأخلاقية والمهنية التي تحكم عمل وكالات إنفاذ القانون في البلاد. وهنا أيضًا تباينت الآراء ما بين هجوم شديد وعاصف ضد كومي وتحذيرات من تأثير إعلانه فتح التحقيق على مسار الانتخابات وعلى ثقة الرأي العام الأميركي، وبين تأييد وتصفيق وثناء من الجانب الآخر على كومي - وهو من مناصري الحزب الجمهوري - الذي يرى مؤيدوه أنه رجل شجاع أدى واجبه دون الخوف من لوم اللائمين.
كان الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي عين كومي في منصبه خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2013، أول المدافعين عن مدير الـ«إف بي آي»، قبل أن ينتقده تلميحًا وليس بالاسم لاحقًا، ففي مقابلة صحافية نشرت صباح الأربعاء الماضي، قال أوباما: «لا أعتقد أن هناك قاعدة عندما يكون هناك تحقيقات. نحن لا نعمل على أساس تلميحات أو معلومات ناقصة أو تسريبات نحن نعمل على أساس قرارات ملموسة تم إجراؤها». ومن ثم سعى الرئيس إلى النأي بنفسه عن الجدل الدائر، رافضًا التعليق على سير التحقيق واكتفى بالقول: «لقد تعمدت بذل أقصى الجهد لكي أثبت امتناعي عن التدخل فيما يفترض أن تكون عملية مستقلة».

مهاجمون و«نيران صديقة»
أما عن المهاجمين بلا تحفظ فحدث ولا حرج، إذ جاءت سهام الانتقادات والاتهامات من كل حدب وصوب. والملاحظ أنها لم تأت فقط من جانب الساسة والمؤيدين الديمقراطيين الذين صدموا من توقيت إعلان كومي، وشعروا بقلق جدي على وضع مرشحتهم هيلاري كلينتون وحظوظها في السباق الرئاسي، بل جاءت أيضًا من «نيران صديقة» عبر بعض كبار قادة الحزب الجمهوري. إذ قال رئيس السيناتور تشاك غراسلي، لجنة الشؤون القضائية بمجلس الشيوخ، إن «رسالة كومي كانت غامضة، فهو لم يوضح الخطوات التي سيأخذها المكتب والضرورة الملحة في إعادة النظر في الرسائل في هذا التوقيت». وتابع غراسلي: «بينما لا أتفق مع أولئك الذين اقترحوا أن تكون التحقيقات سرّية، وتُجرى بعد الانتخابات، فإنني أوافق على أن إعلان كومي لم يقدم تفاصيل كافية. ولسوء الحظ، هذا ليس عدلاً لا للكونغرس ولا الشعب الأميركي لأنه لم يعط تقييما كاملا عن الكشف».
في هذه الأثناء، تشير مصادر داخل الـ«إف بي آي» إلى أن المناخ العام داخل «المكتب» هو الظلام والغموض حيث لا أحد يريد أن يتكلم أو يرغب في التنبؤ بما ستحمله الأيام المقبلة. ومع تكتم الـ«إف بي آي» إزاء سير التحقيقات المبدئية في الوقت الراهن تتزايد في بعض الأوساط تكهنات بأن رسائل البريد الإلكتروني قد تحمل مفاجآت كبيرة. ولكن، مع هذا، وقع أكثر من مائة من المدعين الاتحاديين السابقين ومسؤولي وزارة العدل بيانًا انتقدوا فيه كومي. كذلك نشر كثير من المسؤولين السابقين مقالات في الصحف الأميركية انتقدت مدير الـ«إف بي آي» واتهمته بانتهاك كل المبادئ والقواعد المتعارف عليها بتحاشي التدخل في السياسة.
وشنت صحيفة الـ«نيويورك تايمز» العريقة، التي تساند - مثل معظم الصحف الوطنية الجادة - المرشحة الديمقراطية، حملة شعواء ضد كومي. وقالت إن «رسالته القصيرة والغامضة إلى رؤساء لجان الكونغرس يوم الجمعة الماضي أدت إلى إحداث هزة كبيرة في معركة الانتخابات حول رسائل بريد إلكتروني قد تكون، أو لا تكون، ذات صلة بالتحقيقات السابقة التي سبق أن أجراها (المكتب) حول خادم البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون». وتابعت الصحيفة أنه تبين أن كومي لا يعرف شيئا عن فحوى رسائل البريد التي تم العثور عليها أثناء تحقيق منفصل في رسائل أنتوني واينر زوج هوما عابدين، إحدى مستشارات هيلاري كلينتون والمقربات منها. أيضًا رأت الصحيفة أن كومي «لم ينظر إلى الآثار المترتبة على إعلانه قبل أيام معدودات من الانتخابات»، ومن ثم، اتهمته بأنه كان أكثر حرصًا على حماية نفسه من اتهامات يوجهها إليه الكونغرس حول إخفاء معلومات، وشككت الصحيفة في حصول المحققين الاتحاديين على أمر قضائي لفحص رسائل البريد الإلكتروني.
وبالتالي، اعتبرت الـ«نيويورك تايمز» أن قرار كومي كان متهورًا وعديم المسؤولية «بشكل مذهل»، خصوصا أنه سيتوجب على وزارة العدل وعلى الـ«إف بي آي» فحص مئات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني لتحديد ما إذا كان هناك حقًا أي شيء له صلة بكلينتون قبل 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أي يوم الاقتراع في انتخابات الرئاسة. ورأت أن ذلك بمثابة خلق «سخونة وتشويق للانتخابات السياسية مشابه لسخونة وتشويق مباريات كرة القدم»، قبل أن تشير إلى غضب حقيقي في أوساط موظفي إنفاذ القانون - أي الأجهزة الأمنية - من الإدارتين الديمقراطية والجمهورية، وداخل الكونغرس، الذين يتمسكون بقاعدة معروفة هي تحاشي نشر معلومات عن تحقيقات خلال الفترة التي تسبق الانتخابات بمدة 60 يومًا، كي لا يكون لتلك المعلومات أي تأثير على التصويت والناخبين. الـ«نيويورك تايمز»، من جهة ثانية، وفي تقارير أخرى شبّهت كومي بمؤسس الـ«إف بي آي» الشهير إدغار هوفر (ومديره بين عامي 1924 و1972، وهو الرجل الذي يحمل «المكتب» في العاصمة واشنطن اسمه)، معيدة إلى الأذهان دسّ هوفر أجهزة تصنت في مكتب زعيم حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ ومنزله. وذكر كاتب المقال سكوت شين أن وجهة نظر جيمس كومي هي بأن على وكالات إنفاذ القانون المحافظة على الأمن بعيدًا عن أي توجهات سياسية أو تأثيرات خارج القانون. وأشار الكاتب إلى محاضرة سبق أن ألقاها كومي في جامعة جورجتاون العام الماضي أشار فيها إلى «التعلم من أخطاء الماضي».
أما سانفورد أونغار، الأكاديمي والباحث المتخصص في تاريخ الـ«إف بي آي» بجامعة جورجتاون، فقال معلقًا على تصرّف كومي: «أنا لا أقصد الإساءة إلى كومي لكن المقارنة ظالمة ما بين كومي وإدغار هوفر، فالذين يعرفون جيمس كومي جيدا يدركون أنه لم يتصرف لترجيح كفة الانتخابات إما لصالح كلينتون أو ترامب، وهو إذا كان مذنبًا في شيء، كما يقولون، فذنبه نوعٌ من الغطرسة الأخلاقية والرغبة في الظهور بوضع الرجل المستقيم الطاهر اليد على الملأ».
وفي العاصمة واشنطن، أيضًا، تلقى كومي انتقادات قاسية من إريك هولدر، النائب العام (وزير العدل) السابق، الذي كتب مقالا في صحيفة الـ«واشنطن بوست» شدد فيه على أن كومي «ارتكب خطأ فادحًا، وأن الآثار المحتملة لإعلانه فتح التحقيق ستكون شديدة وستتأثر معها ثقة الجمهور في النظام بشكل سلبي، وخاصة بوزارة العدل والـ(إف بي آي)».. وكذلك انتقده ألبرتو غونزاليس، النائب العام الأسبق في عهد الرئيس جورج بوش الابن، بقوله أن «يلقي كومي هذا الإعلان من دون الحصول على مزيد من المعلومات ومن دون معرفة دقيقة بفحوى هذه الرسائل الإلكترونية خطأ فادح». كذلك ذكر ريتشارد باينتر، محامي بوش، في مقال صحافي أنه تقدم بالفعل بشكوى إلى مكتب المستشار الخاص للتحقيق ضد قام به كومي، وأضاف: «من المرجح جدًا أن تكون رسالة كومي إلى رؤساء لجان الكونغرس مخالفة للقانون الاتحادي الذي يمنع الموظفين الحكوميين من استغلال مناصبهم للتأثير على نتائج الانتخابات». وعلى الجانب السياسي، انتقد السيناتور هاري ريد، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، ما فعله مدير الـ«إف بي آي» ووصفه بأنه بمثابة الكيل بمكيالين، وأنه بذلك أقدم على تسييس وزارة العدل وتسييس المباحث الاتحادية.

المدافعون عن كومي
ولكن، بينما يركّز منتقدو كومي على أنه انتهك القواعد المتعارف عليها في تحييد الوكالات الحكومية الاتحادية وأقدم على توريط الـ«إف بي آي» في الصراع الانتخابي، يقول المدافعون عنه إنه أقدم على قرار يراه صحيحًا وينسجم مع ما يملي عليه ضميره المهني. وأشار المدافعون إلى سيل الانتقادات والاتهامات من جانب الجمهوريين التي واجهها كومي في يوليو (تموز) الماضي عندما خرج (بعد سنة ونصف من التحقيق في إيميلات كلينتون) ليعلن عدم توجيه أي اتهامات جنائية ضد المرشحة الديمقراطية. لقد اكتفى يومذاك باتهامها بـ«الإهمال» في استخدام خادم خاص لبريدها الإلكتروني، ومؤكدا أنه لم يحدث اختراق لبريدها من قبل قراصنة الكومبيوتر. وفي حينه، ضغط الجمهوريون طويلا على كومي واستدعوه للشهادة في جلسة استماع بالكونغرس ووجهوا إليه أسئلة واتهامات حادة. وأيضًا، في ذلك الوقت، هاجم الجمهوريون الرجل وشككوا في تورطه بتسييس المباحث الاتحادية ومساندته هيلاري كلينتون، مشيرين إلى لقاء لوريتا لينش وزيرة العدل مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون في أحد المطارات الأميركية، ولمحوا إلى تأثير بيل كلينتون، الرئيس السابق وزوج المرشحة الحالية، على وزارة العدل والتحقيقات التي تجريها.
في أي حال، لم يكن إعلان جيمس كومي المثير للجدل، أول موقف يتحدى فيه جميع الظروف حوله ويخلق دراما تزيد من سخونة الأحداث وتجتذب الانتقادات والاتهامات له. ففي عام 2004 رفض كومي بتحدٍ الاستجابة لمطالب البيت الأبيض عام 2004 للموافقة على عمليات تنصت تابعة لبرنامج «الوكالة الوطنية للأمن القومي» (إن إس إيه)، إذ رفض كومي - وكان في حينه يتولى وزارة العدل بالإنابة بسبب دخول الوزير جون آشكروفت المستشفى - موافقة وزارته على برنامج التنصت، وهو البرنامج الذي أصبح بعد ذلك في قلب عملية كشف النظام الأميركي الواسع لمراقبة الاتصالات. في ذلك الحين تعرض كومي لكثير من الانتقادات، وخاض بسبب موقفه واحدة من المعارك الداخلية الأكثر شهرة خلال فترة الحرب على الإرهاب التي شنتها إدارة الرئيس جورج بوش، ووقف وزير العدل آشكروفت مع صديقه كومي في رفض التوقيع على برنامج للمراقبة واعتبروه غير قانوني، بل هدد كومي بالاستقالة من إدارة بوش إذا ما جرى تمرير البرنامج. وبعد معركة طويلة امتدت تسعة أشهر، اضطر الرئيس بوش إلى تغيير البرنامج. وهذه أيضا، ليست أول مرة يجد فيها الـ«إف بي آي» نفسه وسط معمعة سياسية، إذ واجه عدد من مديري «المكتب» مشكلات وانتقادات، منهم لويس فريه مدير الـ«إف بي آي» من عام 1993 إلى عام 2001 الذي اختلف كثيرًا مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. غير أن سنوات مؤسس الـ«إف بي آي» إدغار هوفر تظل الأكثر غموضًا وإثارة، ففي سنواته الـ48 عمل «المكتب» بصفته أداة سياسية، وشنّ هوفر حملة شرسة ضد الشيوعيين واليساريين مستهدفًا كثيرا من نشطاء الحقوق المدنية، واستخدم سلطاته لابتزاز مسؤولين والتنصت عليهم وابتزازهم. ويشرح إيثان ثيودورس المؤرخ والبروفسور بجامعة ماركيت بقوله: «لعب الـ(إف بي آي) في تلك الفترة دورا مهما من وراء الكواليس لصياغة السياسة الأميركية خلال الحرب الباردة».

بطاقة شخصية
ولد جيمس كومي في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1960 في مدينة نيويورك، وهو متزوج من باتريس، وأب خمسة أطفال. والمعروف عنه أنه ينتمي للحزب الجمهوري ولقد تبرّع لحملة السيناتور الأميركي الجمهوري جون ماكين في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2008، كما تبرّع لحملة المرشح الجمهوري ميت رومني في انتخابات 2012 الرئاسية.
حصل على درجة البكالوريوس من كلية ويليام وماري بولاية فيرجينيا، وعلى الإجازة في القانون من كلية الحقوق بجامعة شيكاغو. وفي بداية حياته المهنية شغل منصب أستاذ مساعد بكلية الحقوق بجامعة ريتشموند في فيرجينيا.
ومن عام 1996 إلى عام 2001 تولى كومي منصب المدعي العام للمنطقة الشرقية من ولاية فيرجينيا ومنصب مساعد وزير العدل للمنطقة الجنوبية من نيويورك. وتولى منصب نائب المدعي العام للولايات المتحدة من 2003 إلى 2005 وتدرّج في عدة مناصب أخرى في وزارة العدل، منها منصب المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك؛ حيث تولي التحقيق في عدد من جرائم الإرهاب والقضايا الجنائية الكبيرة.
وقبل أن يتولى كومي منصب مدير الـ«إف بي آي» عمل باحثًا في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وكان يشغل في الوقت نفسه منصب عضو بمجلس إدارة بنك إتش إس بي سي HSBC، وفي الفترة من 2010 إلى 2013 عمل مستشارًا قانونيًا لشركة بريدجووتر، وهي شركة لإدارة أموال المؤسسات في ولاية كونكتيكت، وقبلها عمل نائب رئيس ومستشارا عاما في شركة لوكهيد مارتن العالمية. وفي سبتمبر عام 2013 عيّن مديرًا للـ«إف بي آي»، وجاء تعيينه في وقت اتسعت معه دائرة فضيحة تجسس أجهزة الاستخبارات الأميركية على الأميركيين من جانب، وعلى الدول الأخرى وقادة أوروبا من جانب آخر. وهو وإن كان قد عيّنه في هذا المنصب الحساس رئيس ديمقراطي، فإنه كان يعد من أبرز المسؤولين في وزارة العدل إبان عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وهو متخصص في شؤون الأمن القومي لأكثر من عشرين سنة، وله سمعة جيدة ومواقف شجاعة واستقلالية كبيرة.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.