كتب جديدة عن السعودية.. الفهم وسوء الفهم

مقاربات جديدة حيال التخطيط الاقتصادي.. وإعادة النظر إزاء أجندة الإصلاح الداخلية من زوايا جديدة

أغلفة بعض الكتب التي تتناول السعودية بصفتها كيانًا حيًا ومجتمعًا متغيرًا
أغلفة بعض الكتب التي تتناول السعودية بصفتها كيانًا حيًا ومجتمعًا متغيرًا
TT

كتب جديدة عن السعودية.. الفهم وسوء الفهم

أغلفة بعض الكتب التي تتناول السعودية بصفتها كيانًا حيًا ومجتمعًا متغيرًا
أغلفة بعض الكتب التي تتناول السعودية بصفتها كيانًا حيًا ومجتمعًا متغيرًا

يتسابق كتاب كثيرون في أوروبا والولايات المتحدة في الكتابة عن المملكة العربية السعودية وشؤونها، لأسباب متباينة؛ تاريخية وسياسية، فهي دولة عربية كبيرة، ولاعب رئيسي في النظام الجيو - سياسي في منطقة الشرق الأوسط، ومستودع أكبر احتياطي للنفط في العالم، بالإضافة إلى التغييرات الكبيرة التي تشهدها المملكة، التي تجسدت في «رؤية 2030». ولكن القليل من هذه الكتب يتناول المملكة العربية السعودية بصفتها كيانًا حيًا ومجتمعًا متغيرًا، يتعذر فهمهما وإدراك ماهيتهما من خلال الكليشيهات التي عفا عليها الزمن، بينما يسقط كتاب آخرون ضحية أفكارهم المسبقة، وتصوراتهم أو أغراضهم الآيديولوجية، أو في أفضل الأحوال، نتيجة عدم معرفتهم بالبلد معرفة موضوعية شاملة تساعدهم على الفهم الصحيح. وتنشر «الشرق الأوسط» هنا أهم ما جاء في تلك الإصدارات، التي نشرت حديثًا في عدد من الدول الأوروبية، والأميركية.
إن أعددنا قائمة تضم عشرين أو أكثر من البلدان التي دائما ما تظهر أخبارها في الصحف ووكالات الأنباء، وليس ذلك دائما لأفضل الأسباب، فسوف تحتل المملكة العربية السعودية مكانا بارزا بكل تأكيد.
هل تشعرون بشيء من القلق حول الموقع المستقبلي للإسلام في خضم النظام العالمي الذي يزداد تعقيدا؟ حسنا، لن يمكنك الوقوف على عرض كامل للأمر من دون معرفة بعض المعلومات المهمة حول المملكة العربية السعودية. ولعلكم تتساءلون ما الذي سوف يحدث في منطقة الشرق الأوسط الجاثمة على نيران الحروب المشتعلة في العراق، وسوريا، واليمن، والتي تبعث بمزيد من التهديدات والمخاطر، بما في ذلك التحركات الجماعية للاجئين التي تلوح في أفق البحر الأبيض المتوسط، وأوروبا، وربما وصولا إلى الكتلة القارية الأوروبية الآسيوية.
ومرة أخرى، لا يمكن استبعاد المملكة العربية السعودية، وهي الدولة العربية الكبيرة واللاعب الرئيسي في النظام الجيو - سياسي في منطقة الشرق الأوسط، من مشهد الأحداث وتحليلاتها. وهناك، أيضا، مكان بارز للمملكة العربية السعودية، سواء بصفتها ضحية من ضحايا الإرهاب، أو باعتبار أن بعض الإرهابيين هم قلة قليلة من مواطنيها. ولأنها مستودع أكبر احتياطي للنفط في العالم، فإن المملكة العربية السعودية تحتل كذلك مكانة بارزة في أي دراسة علمية معنية بشؤون الوضع العالمي للطاقة.
إن المملكة، التي تحتل موقعها في نقطة التقاء قارتي آسيا وأفريقيا، هي الأقرب من الطرق الملاحية العالمية الأكثر ازدحاما، كما أن لديها موقعها المهم على رقعة الشطرنج الجيو - استراتيجية العالمية، ولقد سلطت الضوء في الآونة الأخيرة على مشكلة قرصنة الخطوط الملاحية في خليج عدن والبحر الأحمر.
وتجتذب المملكة العربية السعودية قدرا من الاهتمام أكبر من المعتاد لسبب آخر: هو أنها تمر بفترة انتقالية تتميز بتغيير في الأجيال، ومقاربات جديدة حيال التخطيط الاقتصادي، وإعادة النظر إزاء أجندة الإصلاح الداخلية من زوايا جديدة. وليس من المستغرب، أن تجود قرائح بعض الكتاب في أوروبا والولايات المتحدة ببعض الكتب الجديدة حول المملكة العربية السعودية وشؤونها.
ويمكن تقسيم تلك الكتب إلى فئات ثلاث: بعض منها تقارير صحافية مباشرة تغلب عليها بعض الانتقاءات التاريخية والتكهنات المستقبلية. والبعض الآخر رسائل جامعية تستند في كثير من الأحيان إلى أسس العمل الأكاديمي. وفي الفئة الأخيرة نجد الكتب التي يحاول أصحابها تصفية بعض من الحسابات الآيديولوجية مع المملكة العربية السعودية.
وما ينقص هذه الفئات، مع بعض الاستثناءات القليلة، أو، على أقل تقدير، الفئة التي لم تنل حظها الكافي من الاهتمام، هي الكتب المعنية بالمملكة العربية السعودية بصفتها كيانًا حيًا، ومجتمعًا متغيرًا، يتعذر فهمهما وإدراك ماهيتهما من خلال الكليشيهات التي عفا عليها الزمن، ولنضرب على ذلك مثالا؛ فكثيرا ما وصفت المملكة بأنها «مجتمع مغلق». ولكن كيف يمكن توصيف الدولة التي يعيش 30 في المائة من سكانها في خارجها، مغتربين في أكثر من 80 بلدا حول العالم، بأنها «مجتمع مغلق»، هذا بالإضافة إلى ملايين الحجاج الأجانب الذين يفدون إلى الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية كل عام؟ الادعاء بأن المملكة مجتمع مغلق أمام العلماء الأجانب ووسائل الإعلام الخارجية، هو من الادعاءات التي يصعب الدفاع عنها؛ إذ يمكن للمرء في زيارته لأي من المدن السعودية الكبرى مقابلة نصف دزينة من العلماء والأكاديميين، وأغلبهم من أوروبا أو من الولايات المتحدة، وهم يعملون في مشروعات بحثية غالبًا ما تقوم المملكة العربية السعودية بتمويلها. أما بالنسبة لوصول وسائل الإعلام الخارجية، فهناك من يعتقدون أن كبار المسؤولين السعوديين يمضون كثيرًا من أوقاتهم في الحديث إلى الصحافيين والمراسلين الأجانب.
أما بالنسبة للدين، فهناك كليشيهات تصور المملكة على أنها المكان الذي ينبع منه الإيمان بلون أحادي الطيف. وفي واقع الأمر، ورغم كل شيء، فإن المملكة العربية السعودية تضم مجاميع من كل المدارس الإسلامية تقريبًا، ناهيكم بالمغتربين المسيحيين، والهندوس، والبوذيين، وأتباع الديانات الأخرى، الذين يعيشون في المملكة العربية السعودية.
هناك كتب، أيضًا، تصور المملكة العربية السعودية على أنها مجرد صحراء؛ ماديًا وثقافيًا.
ما يتعلق بالجزء المادي قد يكون صحيحًا إلى حد كبير، رغم أنه في هذه الأيام حتى صحراء الربع الخالي المذهلة، الواقعة في جنوب شرقي المملكة، ليست منطقة معزولة تمامًا كما كان حالها قبل نصف قرن من الزمان. أما بالنسبة للثقافة، فيمكن وصف المملكة العربية السعودية بأي شيء إلا أنها صحراء جرداء؛ فالمكان برمته مليء بالشعراء، والرواة، والمؤرخين، والأكاديميين، والمفكرين، وهي الفئة العزيزة للغاية على قلوب العرب. حتى البرامج التلفزيونية السعودية، بما في ذلك البرامج الكوميدية منها، حازت الآن جمهورَها العريض داخل وخارج حدود المملكة. وشهدت البلاد أيضا إحياء كثير من الفنون القديمة والحرف التقليدية، وإن كانت بسبب أن الطبقة الوسطى باتت توفر السوق الطبيعية لاستيعابها.
وصدقوا أو لا تصدقوا، هناك عدد ليس قليلا أيضا من الرسامين السعوديين الذين تستحق أعمالهم الفنية مزيدا من التقدير والاهتمام. وسوف تتضمن احتفالات توزيع جوائز الأوسكار المقبلة في هوليوود فيلما روائيا سعوديا للمرة الأولى، وهو فيلم كوميدي، ومن الأفلام المرشحة للحصول على جائزة أفضل فيلم أجنبي لهذا العام. (سوف يدخل الفيلم السعودي منافسا لفيلم روائي إيراني في المسابقة ذاتها!)
«المجتمع المحافظ» هو أحد الأوصاف الملحقة دائما بالمملكة العربية السعودية، الذي يصورها على أنها مجتمع مناهض للتغيير. ورغم ذلك، فإن هناك بعضًا مما يسمى «الدول النامية» التي خبرت مختلف مستويات وصعوبات التغييرات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية التي مرت بها المملكة العربية السعودية منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي، عندما اتخذ العاهل الراحل الملك سعود بن عبد العزيز أولى خطواته نحو الإصلاح.
ويمكن لأولئك الذي تابعوا أحوال المملكة العربية السعودية خلال نصف القرن الماضي الشهادة على التغيرات المادية الهائلة، التي غيرت من وجه الحياة تماما في المدن والقرى السعودية شبه المهجورة، وحولتها إلى مراكز حضرية حديثة. ويمكن لنتائج تلك التحولات الهائلة ألا ترضي أولئك الذين يقتلهم الحنين إلى الماضي العربي الرومانسي القديم. ولكن ليس بمقدور أحد إنكار مختلف مجالات التغيير المشهودة حاليا في مختلف أصقاع المملكة.
وكان استحداث أدوات الحياة الحديثة كافة في المملكة العربية السعودية، وبوتيرة سريعة، من نظام الهواتف المبكر، الذي كان محظورا لفترة طويلة، قد نقل المملكة إلى العصر الحديث لتكنولوجيا المعلومات العالمية. ودخل كثير من الجوانب الأخرى للحياة المعاصرة كذلك في نسيج المجتمع السعودي، ملتفّة في بعض الأحيان على حالات التردد العصيبة أو العداءات الناجمة عن بعض التفسيرات الدينية. ومن بين هذه الملامح الحديثة كانت المصارف، وشركات التأمين، والمؤسسات العامة، وبطبيعة الحال، الخدمات المدنية والعسكرية المنظمة تنظيما حديثا. كما نتج عن توفير التعليم الأساسي الإلزامي والتوسع السريع في التعليم الثانوي والجامعي، للبنين والبنات على حد سواء، وجود جيلين من المواطنين السعوديين من أصحاب الخلفيات التعليمية ذات الطراز الحديث.
ومن التوصيفات الأخرى التي وصفت بها المملكة العربية السعودية، صفة «المجتمع القبلي»، من حيث استحضار صورة محاربي الصحراء القدماء الذين ينطلقون على الجياد أو الجمال إلى المعارك بالسيوف والرماح. ومع ذلك، فإن المملكة العربية السعودية اليوم مجتمع حضري إلى حد كبير، وظهرت أشكال جديدة من التنظيم إلى حيز الوجود، بما في ذلك النقابات المهنية، وغرف التجارة والصناعة، والأندية الأدبية والاجتماعية، ونقابات الخريجين، وجماعات الضغط التي تنظم الحملات لنصرة مختلف القضايا. وبالطبع، هناك مجلس الشورى السعودي، الذي تطور وبشكل مطرد إلى جهاز تشريعي حديث مفعم بالحيوية والنشاط.
وللأسف، فإن أغلب الكتاب والمؤلفين في الشأن السعودي يخصصون مساحة كبيرة من مؤلفاتهم للحديث عن الماضي، منذ منشأ الدولة السعودية في القرن الثامن عشر، ويصورونه كمجتمع بدائي وذلك على حساب المجتمع السعودي القائم والحيوي والمتغير الذي تشهده المملكة في العصر الحاضر، وكذلك في الماضي. وهو مثل تأليف كتاب عن الولايات المتحدة الأميركية مع تكريس جُل صفحات الكتاب للحديث عن الأيام الأولى للمهاجرين الأوروبيين وحروبهم مع الهنود الحمر.
أما كتاب «المملكة العربية السعودية في المرحلة الانتقالية: رؤى حول التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية»، وهو من تأليف برنارد هيكال، وتحرير توماس هيغهامر، وستيفان لاكروا، ويتضمن إسهامات من بعض الأكاديميين السعوديين، فهو يقفز بالقارئ متجاوزا الماضي البعيد، ويخصص الفصول الخمسة عشر لمعالجة مختلف جوانب التطوير والتنمية في المملكة العربية السعودية.
وفي بعض الأحيان، يعترف الكتاب بواقع التغيير المشهود في المملكة العربية السعودية. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك كتاب يحمل عنوان «التفحيط في الرياض: ثورة التغيير في النفط والعمران والطرق»، من تأليف باسكال مينوريه. وهو يعرض لنا في كتابه صورة للشباب حديثي السن الذين ينطلقون في سياراتهم الحديثة يلتهمون الطرق السعودية السريعة التي غالبا ما تكون، لحسن الحظ، خالية من المارة أو السيارات. ويعد المؤلف هذا الأمر صورة من صور المشكلات الاجتماعية ذات النغمات المثيرة. ومع ذلك، فإن هواية «التفحيط» في الشوارع ليست بكل تأكيد من اختراع المملكة العربية السعودية. ففي واقع الأمر، أن المثال الأول لها كان في فيلم «ثائر بلا قضية» من إخراج نيكولاس راي في عام 1955 وبطولة الممثل الأميركي الراحل جيمس دين.
لو حاول السيد مينوريه أن يمعن النظر قليلا، لكان لاحظ أن للشباب السعودي وسائل أخرى للترفيه وقضاء الأوقات بدلا من مجرد تقليد جيمس دين. ومع ذلك، فإن الكتاب يستحق الاهتمام لأنه ينظر للمجتمع السعودي من زاوية فنون العالم الحديث المشتبكة بهموم الحياة الحضرية المعاصرة.
ومن الكتب التي تتبع آثار الماضي كتاب «تحديث الصحراء: الأميركيون، والعرب، والنفط على التخوم السعودية بين 1933 - 1973 (الثقافة، والسياسة والحرب الباردة)»، من تأليف تشاد باركر. وهو يسرد لنا قصة شركة «أرامكو»، أو شركة النفط الأميركية السعودية التي أسست في ثلاثينات القرن الماضي، وأصبحت واحدة من كبريات شركات الطاقة في الأسواق العالمية.
وأسلوب السيد باركر حاد بعض الشيء، وفي بعض الأحيان هادئ ولطيف. ولكنني أرى أنه يغالي كثيرا في الدور الذي تلعبه الشركة النفطية، والولايات المتحدة في المجمل، في صياغة وجه الحياة في المملكة العربية السعودية حاليا. والزعم المبالغ فيه بصورة خاصة، هو ادعاؤه أن «أرامكو» قد ساهمت في «بناء الدولة» في المملكة، وهو الأمر الذي لم تكن الشركة النفطية مؤهلة له من الناحية المادية أو مجهزة له من الناحية الفكرية.
وليس هناك من شك أنه، بعد الاجتماع التاريخي الذي جمع العاهل السعودي الراحل الملك عبد العزيز بالرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت في عام 1945، قد احتلت الولايات المتحدة الأميركية مكانا بارزا في المشهد الجيو - سياسي السعودي الكبير.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن حاولت تصدر الدور الريادي في تنمية وتطوير المملكة العربية السعودية كما يشير باركر في كتابه،
حيث يقول إن الدبلوماسيين الأميركيين كانت لديهم أوامر مسبقة بالتركيز على «القضايا المعتادة» من حقوق الإنسان، والمساواة للمرأة، والتنوع الديني، من واقع أنها مسائل روتينية الطرح في معرض الاتصالات الرسمية الدائمة مع المسؤولين السعوديين. ولكن واشنطن لم تنتوِ أبدا ممارسة أي قدر من الضغوط الحقيقية على المملكة العربية السعودية في ما يتعلق بقضايا كهذه.
بل في الواقع، أصدر دين راسك، وزير الخارجية الأميركي في إدارة الرئيس الأسبق جونسون، أوامره إلى الدبلوماسيين الأميركيين عام 1965 بالابتعاد الواضح عن أي تصريحات تمس الشأن السعودي الداخلي، إذ قال آنذاك: «إن العاهل السعودي يدرك جيدا وأفضل منكم صالح شعبه وبلاده».
ويسرد كتاب توبي ماثيزن الذي يحمل عنوان «السعوديون الآخرون: التشيع، والمعارضة، والطائفية» افتراضات روتينية يدلي بها كثيرا مختلف الكتاب حول الشأن السعودي أن الدولة التي أسسها الملوك السعوديون المتعاقبون كانت ملتزمة للغاية بمصادقة علماء الدين على سياساتها الداخلية. غير أن السيد ماثيزن، رغم كل شيء، يقول إن الأمور في المملكة العربية السعودية لم تكن بمثل هذه البساطة.
في واقع الأمر كان الدين في المملكة الناشئة، هو الملحق بالدولة، وليس العكس من ذلك. وفي أغلب الحالات والقضايا تقريبا، كانت مصالح الدولة، وعلى رأس أولوياتها الاستقرار والأمن، تتفوق على الاعتبارات والتفسيرات الدينية التي كان يثيرها غالبية رجال الدين.
وكما هو ملاحظ بالفعل، كانت شبه الجزيرة العربية مفعمة بالتنوع الديني بأكثر مما كان معروفا أو مفترضا.
ومنذ القرن الثامن الميلادي، كانت هناك طوائف شيعية تعيش في المدينة المنورة، وقبائل الشيعة الإسماعيلية في نجران، ناهيكم بالشيعة الزيدية، وهي من العشائر الأصيلة الموجودة في مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية
ويحاول السيد ماثيزن توصيف شيعة المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية بأنهم محرومون من حقوقهم، ولكنه سرعان ما يلاحظ أن تلك الطائفة لديها مدارسها الدينية الخاصة، والمعروفة باسم الحوزات العلمية، التي تشرف على تعليم وتدريب علماء المذهب الشيعي، ومن بينها إحدى الحوزات الخاصة بالنساء، وهي على اتصالات دائمة ومنتظمة مع رجال الدين الشيعة في مدن النجف، وبيروت، وقُم، كما يُسمح لهم دوما بإقامة الاحتفالات الشعبية الخاصة بالأعياد الدينية في تقويمهم السنوي، ولا سيما في شهري المحرم وصفر من كل عام.
ويكرر سيمون روس فالانتين الخطأ نفسه الذي وقع فيه كثير من المؤلفين عن الشأن السعودي، وذلك في كتابه المعنون: «القوة والتعصب»، حيث تصور وجود عقيدة دينية محددة ورفعها لمستوى الدين الرسمي في المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، يعلم علماء الدين الإسلامي جيدا أنه لا يوجد في الإسلام ما يُعرف بمذهب محدد، وأن الدولة السعودية تقدم نفسها للعالم بصفتها دولة ملتزمة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف وليس بنسخة ما من أي آيديولوجية دينية محددة.
ومن الواضح أن فالانتين قد بذل قصارى جهده للوقوف على التجاوزات ووضعها تحت أضواء المسرح العالمي، حيث يستشهد بعدد من القواعد والقيود الصارمة التي يفرضها المجتمع السعودي، وكثير منها يعود بجذوره إلى التقاليد القبلية القديمة بدلا من كونها تفسيرات لتعاليم الدين الإسلامي. ومع ذلك، كان من الأمانة بمكان؛ حيث أشار إلى أن كثيرا من هذه القيود يُحتفى بها من خلال التجاهل بأكثر من الالتزام بها.
والتحدي الذي يواجهه فالانتين وغيره من المؤلفين الغربيين حول الشأن السعودي يكمن في أنهم يعجزون عن تحرير أنفسهم وأفكارهم من فكرة أن هناك «نموذجا مثاليا واحدا» ينسحب على كل المجتمعات. فالمملكة العربية السعودية بكل تأكيد ليست مجتمعا متحررا على الطراز الغربي، ومن الممكن، بطبيعة الحال، أن يكون أغلب سكانها لا يرغبون في المعيشة في المجتمعات الغربية المتحررة. ولكن السؤال الحاسم هنا هو ما إذا كان المجتمع السعودي متماسكا وفق قيمه وتقاليده الخاصة، وما إذا كان يحترم قواعده المنصوص عليها والمعمول بها.
هذا، ولم يُجهد فالانتين نفسه في التعامل مع المشكلة ومعالجتها على نحو مباشر. ولكن، وربما بسبب الجهل بالأمر، يحاول الكشف عن بعض ما يسميها التناقضات. وبناء على ذلك، فإن قائمته الخاصة من السلوكيات «الممنوعة» قد تكون بطول دليل الهواتف في مدينة جدة!
وفي الواقع، وفي كل عام، تستضيف جدة مهرجانا تحت شعار: «كنا كده»، (ما اعتدنا أن نكون عليه)، يعكس مدى التنوع الواسع الذي تحفل به المملكة، من حيث وتيرة الحياة المعاصرة المحسوبة والدرجة المدهشة من الحريات.
أما كتاب «المملكة العربية السعودية: المملكة على حافة الخطر»، من تأليف بول آرتس وكارولين رولانتس، فهو الحلقة الأخيرة من سلسلة مؤلفات ظلت تتنبأ بالتغييرات الجذرية الكبيرة في المملكة العربية السعودية. ولقد بدأت تلك السلسلة في عام 2012 بكتاب «المملكة العربية السعودية على الحافة: المستقبل الغامض للحليف الأميركي»، من تأليف توماس ليبمان، الذي، على العكس من العنوان، قد أظهر أن المملكة العربية السعودية ليست قريبة من أو تستشرف أي حافة أو هاوية تُذكر.
ويحاول بول آرتس وكارولين رولانتس، رغم ذلك، استخدام كليشة «الربيع العربي» لتبرير «الخطر» الذي يداهم المملكة كما يوحي عنوان الكتاب. وقد انتهى بهما الأمر أيضا بمناقضة فكرتهما الأساسية المطروحة بين دفتي الكتاب التي تفيد بأن المملكة العربية السعودية «قد» تكون في خطر داهم ووشيك. ولقد بذلا القليل من الجهد في تصوير أي تهديدات خارجية تواجهها المملكة العربية السعودية، أو قد واجهتها منذ تأسيسها، محاولين التركيز على التهديدات الداخلية، لا سيما من الجماعات الإرهابية.
تواجه المملكة العربية السعودية كثيرا من التحديات في منطقة غير مستقرة ومهتزة إثر الحروب الطائفية المنتشرة في المنطقة، من حيث الاشتباك مع طموحات بناء الإمبراطوريات، والفراغ العميق الذي يبتلع الدول واحدة تلو الأخرى في ثقب أسود هائل من الفشل المنهجي العقيم. والخيار المطروح يدفع الدول إما إلى استخدام تلك الخلفية المرعبة مبررا لفرض القبضة الأمنية الصارمة وتأخير كل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الضرورية، أو الوقوع في هوة الذعر والهلع والشروع في تغييرات مصممة على عجالة ومفعمة بالمخاطر الشديدة
تجنب كل من بول آرتس وكارولين رولانتس مناقشة تلك الخيارات المهمة. ولا تزال الحاجة ماسة وقائمة لإجراء فحص أعمق وتحليل أوسع لاحتياجات المملكة العربية السعودية الراهنة والآفاق المستقبلية المتوقعة.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.