العرب في الغرب.. ضائعون وسط فوضى التصنيفات العرقية

محاولات خجولة لتمييزهم في السجلات الرسمية

التعداد الرسمي ينظم كل 10 سنوات، وشملت استمارة عام 2011 «غجر ومتجول»، و«عربي» (غيتي) - استمارة التعداد السكاني ببريطانيا لعام 2001 - الاستمارة المحدثة لعام 2011 (مكتب الإحصاء الوطني البريطاني)
التعداد الرسمي ينظم كل 10 سنوات، وشملت استمارة عام 2011 «غجر ومتجول»، و«عربي» (غيتي) - استمارة التعداد السكاني ببريطانيا لعام 2001 - الاستمارة المحدثة لعام 2011 (مكتب الإحصاء الوطني البريطاني)
TT

العرب في الغرب.. ضائعون وسط فوضى التصنيفات العرقية

التعداد الرسمي ينظم كل 10 سنوات، وشملت استمارة عام 2011 «غجر ومتجول»، و«عربي» (غيتي) - استمارة التعداد السكاني ببريطانيا لعام 2001 - الاستمارة المحدثة لعام 2011 (مكتب الإحصاء الوطني البريطاني)
التعداد الرسمي ينظم كل 10 سنوات، وشملت استمارة عام 2011 «غجر ومتجول»، و«عربي» (غيتي) - استمارة التعداد السكاني ببريطانيا لعام 2001 - الاستمارة المحدثة لعام 2011 (مكتب الإحصاء الوطني البريطاني)

نادرًا ما ينجح المواطن الأميركي من جذور عربية في تحديد هويته على الأوراق الرسمية، ولا يجد مكانه بين التصنيفات العرقية التي لا تسع إلا لخانات عنوانها «أبيض» و«أسود» و«عرق آخر». ولا يملك الأميركيون المتحدرون من الشرق الأوسط والمغرب العربي خيارات كبيرة ليعرّفوا عن أنفسهم في عمليات تعداد السكان.
إلا أن الإدارة الأميركية، وللمرة الأولى منذ أكثر من 45 عامًا، تتجه نحو إضافة إلى استماراتها فئة مخصصة للأميركيين القادمين من منطقة «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، تضاف إلى فئات «البيض» و«الأميركيين الأفارقة» و«الآسيويين». وقالت ريتشل ماركس، الخبيرة في مكتب الإحصاء، الوكالة الفيدرالية للإحصاءات المكلفة بهذه القضايا، إن «هذه الخطوة تهدف إلى تحسين المعطيات حول العرق والإثنية لنتمكن من إعطاء بلادنا معلومات مهمة عن تنوعنا المتزايد». ودخلت العملية مرحلتها الأخيرة، لكنها تثير انقسامًا بين الأميركيين المسلمين الذين يريدون احتسابهم ليكون لهم وزن سياسي، إلا أنهم يتردّدون في تمييز أنفسهم في ظل تصاعد الخطاب المعادي للإسلام.
بهذا الصدد، تساءل أسامة جمال، رئيس مجلس المنظمات الإسلامية - الأميركية: «في عصر دونالد ترامب، نخشى أن يؤدي تصنيفنا هذا إلى إلحاق الأذى بنا. هل علينا إعطاء أداة إلى شخص يريد منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة أو وضعهم تحت المراقبة؟، وهو لم يتخذ بعد موقفًا حيال هذه القضية». وأضاف جمال: «هل نحن بيض؟ لسنا سودا، (ولا آسيويين). هل الأمر يتعلق بلون البشرة أو بالمنطقة (التي ننحدر منها)؟ هذه المعضلة تطال الجميع».
وفي فرنسا، الإحصاءات الإثنية والعرقية محظورة منذ «نظام فيشي» أيام الحرب العالمية الثانية، الذي سمح خلال عهده بتجميع المعطيات حول يهود فرنسا، ما تسبب في إرسال عشرات الآلاف إلى معسكرات الاعتقال النازية. وقوبل اقتراح نيكولا ساركوزي عام 2009 بإعادة نظام تجميع المعطيات العرقية بهدف «تقييم مدى التمييز (العنصري) وفعالية السياسات العامة» (في حماية الأقليات)، وفق مقربين منه، برفض تام.
أما في بريطانيا، فتعتمد السلطات على الإحصاءات العرقية لتحديد ما إذا كانت جالية معينة تعاني من التمييز في مجالات الأمن والتعليم والتشغيل وغيرها. وعادة ما تحمل الصحف الوطنية في صدر صفحاتها الأولى عناوين مبنية على هذه الإحصائيات، إذ عنونت «الغارديان» البريطانية الأسبوع الماضي بأن «السود والأقليات معرّضون أكثر من غيرهم للتوقيف والتفتيش من طرف الشرطة». كما تستعين جهات حقوقية بهذه الإحصائيات في توثيق الانتهاكات التي تستهدف الأقليات من طرف جهات رسمية أو خاصة، ولعل أبرزها الدراسات المتعلقة بمستويات توظيف السود والآسيويين مقارنة مع المواطنين البيض.
وردّا على أسئلة «الشرق الأوسط»، أوضحت إيزابيل تريفينا، متحدثة باسم مكتب الإحصاء الوطني البريطاني، أن التعداد الرسمي للسكان الذي يحدد الانتماء العرقي ينظم كل 10 سنوات، وأن استمارة عام 2011 شملت خانتان جديدتان، هما «غجر ومتجول»، و«عربي». ويندرج التصنيف الأول الجديد تحت خانة «أبيض»، إلى جانب «إنجليزي، ويلز، اسكوتلندي، آيرلندي شمالي، بريطاني» و«آيرلندي» و«أبيض آخر». بينما يندرج تصنيف «عربي» ضمن «انتماء عرقي آخر». في المقابل، لم تذكر استمارة 2001، أي في التعداد السكاني قبل الأخير، العرب أو الغجر، كما كانت الاختيارات محدودة للغاية. وفي الاستمارة المحدثة عام 2011، شملت الاختيارات، إلى جانب «أبيض» و«آخر»، «أصول عرقية مختلطة»، و«آسيوي»، و«أسود».
لكن في الولايات المتحدة، تغذّي المعطيات حول الأصول الجغرافية أو لون البشرة عددا كبيرا من الإحصاءات الرسمية، ما يسمح مثلا بمعرفة أن معدل البطالة بين السود أكبر بمرتين مما هو عليه بين البيض. والإحصاءات التي تجري كل عشر سنوات في الولايات المتحدة تطرح بشكل واضح السؤال «ما هو عرق الشخص»، وتقترح تأشيرا مربعا أو أكثر من أصل 15 مربعا متاحا. إلا أن اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وتداعياتها الإعلامية والسياسية غذّت مخاوف من استخدام مثل هذه الأداة ضد المسلمين، ما أدّى إلى تعليق القضية.
وأثير الجدل في 2004 عندما قدم مكتب الإحصاء إلى السلطات معطيات حول أماكن وجود الأميركيين الذين قالوا في إحصاء العام 2000 إن لديهم «جدودًا» يتحدرون من الشرق الأوسط. وأوضح أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة «ستانفورد»، ماثيو سنيب، أن «هذا أثار غضبًا كبيرًا لدى المسلمين لأن هذا يولد لديهم شعورًا بأنها ستستخدم لمراقبتهم (...) وكان هذا هو الهدف على الأرجح».
ويعيد هذا الفصل أيضا إلى الأذهان ذكريات سيئة لم ينسها التاريخ، عندما اتهم مكتب الإحصاء بأنه ساعد في تحديد الأميركيين المتحدرين من أصول يابانية الذين وضعوا في معسكرات اعتقال خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن هذه المخاوف من تحويل هذه الوثائق إلى أداة لم تمنع عودة الملف إلى طاولة مكتب الإحصاء، الذي بدأ رسميًا بحث الموضوع مجددًا في 2014 بعد حملة لمجموعات ضغط. وقال جمال عبدي، من المجلس الوطني الإيراني الأميركي، لوكالة الصحافة الفرنسية إنها «مخاوف مشروعة، لكن علينا ألا نواجهها بالعيش في الظل وحجب إرثنا»، معتبرًا أنه وسيلة لإسماع صوتنا سياسيًا بشكل أفضل. وسيكون بوسع الدولة في المناطق حيث يتركز عدد كبير من المتحدرين من الشرق الأوسط، عرض خدماتها باللغة العربية كما تفعل بالإسبانية في أغلب الأحيان. بدوره، قال كوري سايلر، من مجلس العلاقات الأميركية - الإسلامية، إن «هذا سيساعد السلطات على تقديم أفضل خدمة ممكنة عبر أخذ التنوع الكبير لسكانها في الاعتبار». وفي نهاية الأمر، يفترض أن تحسم هذه القضية على المستوى السياسي. وفي حال حسم مكتب الإحصاء أمره، فإن الفئة الجديدة لا يمكن أن تظهر في الإحصاء المقبل في 2020 إلا بموافقة الكونغرس.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».