ثلث رؤساء لبنان جنرالات

عون سيكون رابعهم.. وفؤاد شهاب أبرزهم

ثلث رؤساء لبنان جنرالات
TT

ثلث رؤساء لبنان جنرالات

ثلث رؤساء لبنان جنرالات

الجلسة المقررة اليوم لانتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، ستكون مختلفة عن سابقاتها الـ46 اللواتي دعا إليهن رئيس البرلمان نبيه بري منذ عام 2014، ولم يكتمل أي منها بسبب مقاطعة نواب كتلة العماد ميشال عون، وحليفه «حزب الله»، لها. وستشهد هذه الجلسة، على الأرجح، انتخاب الرئيس الـ13 للبنان، وهو العماد ميشال عون، بشكل شبه محسوم، سواء بالالتزامات السياسية أو بالقراءات والإحصاءات، ما لم تطرأ مفاجآت غير محسوبة، وهذا أمر مستبعد إلى أقصى الحدود.
لكن انتخاب عون في جلسة علنية، منقولة مباشرة على الهواء، بحضور سياسي ودبلوماسي واسع، سينطوي على ثلاث مفارقات متشابهة: الأولى، أن رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» يعود اليوم إلى قصر بعبدا رئيسًا، في الشهر نفسه الذي أخرجه فيه من القصر قصف الطائرات السورية، في أكتوبر (تشرين الأول) 1990، أي قبل 26 عامًا، عندما كان عون يمارس من هناك صلاحياته بوصفه رئيسًا للحكومة العسكرية، وذلك بعد تمرّده على اتفاق الطائف، ورفضه الاعتراف بشرعية الرئيس المنتخب إلياس الهراوي، وقبله الرئيس رينيه معوض الذي اغتيل بتفجير ضخم، في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، في يوم عيد الاستقلال.
المفارقة الثانية أن عون استطاع أن يعود إلى قصر بعبدا رئيسًا، لينهي دوامة الفراغ في الرئاسة التي عاشها لبنان في ثلاث مراحل (1988 و2007 و2014)، وكان هو السبب المباشر للفراغ، بفعل الإصرار على انتخابه دون سواه من المرشحين. أما الثالثة، فإن عون سيكون ثالث جنرال (قائد للجيش اللبناني) يصبح رئيسًا للجمهورية على التوالي، بعد الرئيسين إميل لحود (انتخب في عام 1998)، وميشال سليمان (انتخب في عام 2008)، والرابع بعد العماد فؤاد شهاب الذي انتخب رئيسًا في عام 1958، لكن هؤلاء جميعًا وصلوا إلى الرئاسة بانتخابهم بالأغلبية النيابية في البرلمان، ولم يصل أي منهم إلى السلطة بانقلاب عسكري.
عهد كلّ من هؤلاء الرؤساء كان مختلفًا عن الآخر، باختلاف الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي يتأثر بها لبنان، لكن الحقبة الشهابية كانت الأكثر نجاحًا وتميزًا في تاريخ لبنان. كان فؤاد شهاب قائدًا استثنائيًا للجيش اللبناني في خمسينات القرن الماضي، بقدر ما كان رئيسًا استثنائيًا. وقد مكّنته حنكته في قيادة الجيش من انتشال لبنان من حرب أهلية في عام 1958، وقادته إلى رئاسة البلاد، خصوصًا في ذروة انقسام اللبنانيين بين مشروعين متناقضين؛ مشروع ما كان يعرف بـ«حلف بغداد» بقيادة بريطانيا التي حاولت ضمّ لبنان إليه، ومشروع القومية العربية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر.
ولا يخفي وزير العدل الأسبق شارل رزق، ابن المدرسة الشهابية، أن مرحلة الرئيس فؤاد شهاب «كانت استثنائية بكل المقاييس»، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن شهاب «كان قائدًا استثنائيًا في زمن استثنائي، استطاع أن يبني معظم مؤسسات الدولة، ويتوجها بوضع الركن الأساسي للنظام البرلماني، على قاعدة أكثرية عابرة للطوائف تحكم، وأقلية عابرة للطوائف تعارض».
لم يكن شهاب وحده في ضفة الأكثرية الحاكمة، بحسب الوزير رزق الذي قال: «كان معه في النهج نفسه (رئيس الحكومة الراحل) رشيد كرامي، و(الزعيم الدرزي) كمال جنبلاط، والد النائب وليد جنبلاط، وشخصيات مسيحية وإسلامية أخرى. أما في الجانب الآخر، فكان (رئيس الجمهورية الراحل) كميل شيمعون و(رئيس الحكومة الراحل) صائب سلام وشخصيات أخرى من كل الطوائف».
لقد فرض فؤاد شهاب نفسه رئيسًا قويًا في الداخل، وكرّس لبنان دولة مستقلّة في الخريطة العربية. وأمام هذه المعادلة التي أرساها، كان اللقاء الشهير الذي جمعه بالرئيس جمال عبد الناصر في خيمة نصبت عند الحدود السورية اللبنانية، في دلالة على عمق تمسّكه بلبنان بلدًا سيدًا حرًا مستقلاً.
ولم تقتصر إنجازات فؤاد شهاب على السياسة فحسب، برأي شارل رزق فـ«هو أول من أدخل الإصلاحات المالية والاجتماعية والإدارية على مؤسسات الدولة». ويؤكد وزير العدل الأسبق أن الجنرال شهاب «هو من أنشأ مصرف لبنان المركزي، ومجلس الخدمة المدنية، وهيئة التفتيش المركزي، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فكانت هذه المؤسسات والإدارات رائدة في مكافحة الفساد في عهده، وعبّدت الطريق أمام العهود التي تلته. ورغم نجاحه، رفض فؤاد شهاب التجديد لنفسه في رئاسة الجمهورية، مخالفًا كل تمنيات القوى السياسية، سواء في الحكم أو المعارضة».
الجنرال الثاني الذي وصل إلى سدّة الرئاسة، كان إميل لحود الذي انتخبه البرلمان في عام 1998، خلفًا للرئيس المدني إلياس الهراوي بعد تعديل دستوري. وقد كان الفرق شاسعًا بين العماد شهاب الرئيس وبين العماد لحود الرئيس؛ الأول استطاع أن يحيّد لبنان عن صراعات المحاور والأحلاف، أما الثاني فوصل إلى رأس السلطة بإرادة الوصاية السورية، فكان عهد لحود تكريسًا لإمساك النظام الأمني اللبناني السوري بكل مفاصل الدولة ومؤسساتها.
وليس سرًا أن لحود خاض حربًا طاحنة على كل الطبقة السياسية التي كانت تتوجس من حكم العسكر؛ كانت حربه معلنة على رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وحلفائه مثل وليد جنبلاط (وأحيانا رئيس البرلمان نبيه بري). وقد ازدادت هذه الحرب شراسة بعد الانقلاب الأبيض للحريري، بعدما اكتسح الأخير الانتخابات النيابية في عام 2000، وفرض بالأكثرية عودته إلى رئاسة الحكومة، وهو ما زاد نقمة السوريين عليه، فخاضوا في وجه الحريري الأب معركة التمديد للحود ثلاث سنوات، ولم ينسوا قوله الشهير: «إن لبنان لا يحكم من سوريا، ولا يحكم ضدّ سوريا». ومع بداية عهد لحود الممدد، بدأت مرحلة الاغتيالات في لبنان بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، ومن ثم اغتيال رفيق الحريري، وبعده عدد من الوزراء والنواب والسياسيين والإعلاميين والأمنيين.
وانتهى عهد لحود في 22 نوفمبر 2007، بشغور موقع رئاسة الجمهورية بسبب الخلاف الجذري بين فريقي 8 آذار و14 آذار على الرئيس العتيد؛ كان فريق سوريا في لبنان يرشّح النائب ميشال عون، بينما رشّح فريق 14 آذار النائب السابق نسيب لحود، مما أدخل لبنان في أتون الفراغ الثاني الذي دام ستة أشهر.
وفي 25 مايو (أيار) 2008، انتخب البرلمان اللبناني قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية، بموجب التسوية التي أرساها اتفاق الدوحة، لكن عهد سليمان انطلق مقيدًا بقوة نفوذ «حزب الله»، خصوصًا أن اتفاق الدوحة فرضه اجتياح ما يسمّى «حزب الله» وحلفائه لبيروت وجبل لبنان، واحتلاله العاصمة، وقتل عشرات المدنيين، حتى أن سليمان الآتي من المؤسسة العسكرية الجامعة لم ينجح في جمع اللبنانيين، لأن عهده حفل بإخفاقات أدت إلى الإطاحة بحكومة سعد الحريري، والانقلاب على الأكثرية التي أفرزتها انتخابات 2009، وفرضت حكومة اللون الواحد برئاسة نجيب ميقاتي.
طبعًا لم يكن ميشال سليمان في وضع يحسد عليه لأن الاغتيالات التي بدأت في عهد لحود استكملت في عهده، وطالت رموز 14 آذار، حتى أن إدارته لطاولة الحوار الوطني في بعبدا وصلت إلى طريق مسدود، بفعل تنصل الحزب من كل الاتفاقات التي أبرمت، وآخرها انقلاب الحزب على «إعلان بعبدا» الذي كان الحزب أول الموقعين عليه، والذي كان يقضي بتحييد لبنان عن الصراعات الخارجية، وإبعاده عن الأزمة السورية، وهو ما خالف أهواء «حزب الله» الذي ذهب بقرار منفرد، وانخرط في الحرب السورية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.