العلم يقلب تصوراتنا ويجعل الفلاسفة يقومون بمحاكمة عنيفة للعقل

حين تخدعنا حواسنا وتقدم لنا عالمًا على غير حقيقته

العلم يقلب تصوراتنا ويجعل الفلاسفة يقومون بمحاكمة عنيفة للعقل
TT

العلم يقلب تصوراتنا ويجعل الفلاسفة يقومون بمحاكمة عنيفة للعقل

العلم يقلب تصوراتنا ويجعل الفلاسفة يقومون بمحاكمة عنيفة للعقل

إن كوني «أعرف»، هي قضية إنسانية بامتياز. فقطعة الحجر تمر عليها أحداث كما تمر بالإنسان، وقد تترك فيها آثارًا كما تترك به. إلا أن الإنسان يعرف ما يحيط به وما يمر عليه من خبرات. فأنت مثلاً، تعرف ما هو ماثل أمامك، ولديك صور لما تراه وما تسمعه. كما أنك تملك القدرة على الرجوع إلى الماضي وربط الحاضر به، ناهيك على تمكنك من القيام باستدلالات متعددة، إذ تحلل وتركب كل المعطيات المحصل عليها، في أسماء كلية وتوليفات وخلاصات واستنتاجات عامة، تجمع بها شتات الواقع. لكن هل ما يعرفه المرء بتلقائية وعفوية هو الحقيقة؟ ألا يكذّب العلماء دومًا، نظرتنا الخامة إلى العالم، ويفاجئوننا بمعارف لا نتوقعها أبدًا؟ هذا ما سنحاول أن نلقي نظرة عليه.
* الواقعية الساذجة
هي نظرية الإنسان العادي مسوقا إليها بإدراكه الفطري التلقائي والعفوي. إذ تصبح المعرفة مجرد نقل لما يجري في العالم من وقائع وأحداث. بعبارة أخرى، تنطلق الواقعية «الساذجة»، من كون الحقائق الخارجية هي الأصل، ومعرفتي بها بمثابة الصور الذهنية الخاصة بها. فمثلاً، إذا شاهدت كرة وقلت عنها إنها كروية الشكل وبيضاء اللون، فهذا يعني أن هناك، خارج نفسي، شكلا كرويا ولونا أبيض لا دخل لذاتي في حدوثهما. فكل ما وقع، هو أنها أمور ارتسمت في ذهني كما هي في الواقع كنسخ ذهنية. فلا فرق بيني وبين آلة التصوير التي تنقل العالم خاما كما هو. وبعبارة أخرى، نقول إننا نحن البشر، نتعامل فيما بيننا، على الأساس نفسه، وهو التقاط صورة يكون بينها وبين أصلها شبه تام. بمعنى أن لكل جزء من تفصيلات الشيء المرسوم جزءًا يقابله في الصورة. وتأتي اللغة بعد ذلك، لتقوم بعملية وصف ما نعرف، فتحول الصورة الذهنية إلى صورة لفظية. فحين أقول مثلا: «الحاسوب الأسود على الطاولة»، فلفظ الحاسوب يشير إلى الحاسوب الماثل أمامي، ولفظ الأسود يشير إلى اللون المنبعث من هذا الحاسوب، وكلمة (على)، تشير إلى العلاقة بين الحاسوب الأسود والطاولة. فاللغة هي وسيط أمين بين الأشياء الخارجية وصورها الذهنية.
إن الواقعية «الساذجة»، القائمة على الإدراك الفطري العفوي، هي ما تجعل الإنسان العادي يرى الأرض ثابتة ومنبسطة، والشمس متحركة، والكون مغلقا، والسماء زرقاء، والقمر مضيئا وصقيلا، والخفاش طائرا، والثعبان يسمع، والثور يخشى اللون الأحمر، والبياض بياضا، والعصا معوجة في الماء... فمعارفنا تكون نقلاً مطابقًا لما نراه لا زيادة ولا نقصان.
* نقد العلم الحديث للواقعية الساذجة
إن ظهور العلم الحديث في القرن السابع عشر، جاء ليهاجم الواقعية الساذجة. فهي لا تعبر عن الحقيقة، بل هي نقل مزيف ومضلل للواقع. فحواسنا تعطي للذهن صورا خادعة فهي وكأنها «تشهد زورا». لقد اكتشف الإنسان أن عقله مملوء بصور خاطئة. ولعل أهم حدث صادم جعل البشرية تستفيق من سباتها وتلقائيتها تجاه العالم الخارجي، تمثل في الثورة الكوبيرنيكية، التي نبهتنا إلى أن الأرض تدور، وأنها سماوية وليست مركزا كما اعتقدت البشرية لقرون. ليأتي بعد كوبيرنيكوس (1473 - 1543)، جيوش من العلماء، سيبرزون أن العالم ليس مغلقا بقبة سماوية، بل هو منفتح بشكل لا نهائي، إلى درجة الرعب. وهنا نستحضر جيوردانو برونو الذي مات من أجل هذه الفكرة. كما نتذكر أيضا، قول عالم الرياضيات والحكيم بليز باسكال، الذي راعه الأمر، فقال عبارته الشهيرة: «إن هذا العالم الأزلي واللانهائي يرعبني». كما نتذكر وبقوة، الفيلسوف ديكارت، الذي دخل في موجة شك عارمة سببها الثورة الكوبيرنيكية، باعترافه هو شخصيا، في إحدى رسائله إلى صديقه مرسن، إذ يقول: «وإني لأعترف بأنه إذا كانت فكرة حركة الأرض خاطئة، فإن جميع أسس فلسفتي ستكون باطلة كذلك». والأمر نفسه يقال عن العالم يوهانس كبلر (1571 - 1630)، الذي ضرب فكرة دوران الكواكب في السماء محولاً إياها إلى إهليلج. وهذا طبعا فيه ما فيه من نسف للتصورات القديمة، ناهيك بالانقلاب الفيزيائي المدوي جراء كل هذه التحولات، والتي كان بطلها الأول المتمرد غاليليو (1564 - 1642). فهذا الرجل زاد من تعميق الهوة بين العلم والواقعية الساذجة، ببحثه عن الدلائل والحجج الملموسة وليس الرياضية فقط لإثبات مركزية الشمس. فهو من طوّر المنظار الهولندي، وضاعف قوته إلى أزيد من ثلاثين مرة، ليوجهه مباشرة وبحماسة، نحو السماء، في سنة مشهورة هي 1609. فاستطاع أن يكتشف نجومًا جديدة، ما جعل مملكة السماء تتسع. كما اكتشف أقمارا أربعة للمشتري تدور حوله، ما يعني أن الدوران يمكن أن يكون لغير الأرض، وهو ما يجعل فكرة مركزية الأرض مهددة. كما نشر أولى الخرائط حول القمر الذي أصبح شبيها بالأرض، به الوديان والجبال. فسطحه ليس ناعما أو مصقولا، لكنه سطح وعر وغير مستو، به نتوءات وهوات عميقة وتعرجات.
إذن، سيساهم العلم في قلب تصوراتنا، بحيث سيصبح الإنسان مضطرا إلى إعادة النظر ومسح الطاولة من جديد. وهذا ما سيجعل الفلاسفة يقومون بمحاكمة عنيفة للعقل، باحثين عن المنهج الملائم والمسعف لإنقاذ الذهن من عفويته، وإدخاله إلى عالم البناء عوض الجاهزية. إذ ستصبح الأسئلة الطاغية هي: ما الطريقة التي على الذات أن تشتغل بها؟ هل العقل به عيوب؟ أم هو مكبل بثقل الأفكار المتوارثة والجاثمة عليه؟ هل يمكن القول إن العقل كسول سريع القبول بالجاهز؟ وهو ما يحتم ضرورة تحريكه ولجمه وجعله أكثر يقظة، خاصة وأننا اكتشفنا أنه يتقبل ما يأتي من الحواس من دون تمحيص وتدقيق؟ إن الذي يدعو إلى طرح هذه الأسئلة، هو ﺫلك الإحساس الذي انتاب المفكرين جراء الثورات والانقلابات السالفة الذكر، التي نبهتنا إلى زيف الحواس. فالعالم قدم لنا نفسه بطريقة مضللة. والنظرة الخام إلى العالم، لا تبوح بالحقيقة إلا بعد جهد جهيد، وإنفاق لسواد الليل وبياض النهار من قبل العقل. فالعقل الذي يقبل الجاهز ساذج ومغفل، وجب أن يتحصن بالمنهج لإعادة بناء الحقيقة. فلو كانت الحقيقة هي ما يظهر مباشرة، لتمكنا بسهولة من إدراك أن الأرض تدور. والذي يؤكد كلامنا، هو أنه لا يوجد فيلسوف لم يكتب في مسألة العقل وتشريحه، بل محاكمته. فذاك أصبح الشغل الشاغل لهم. ولا بأس من التذكير ببعض عناوين الكتب التي هيمنت في القرن السابع عشر والثامن عشر. فقبل كتاب ديكارت، «مقال في المنهج لحسن قيادة العقل»، كتب فرنسيس بيكون (1561/ 1626) كتابه «الأرغانون الجديد»، أو الآلة الجديدة التي يجب أن توجه العقل، وتزيل أوهامه. وبعد ديكارت، كتب اسبينوزا (1632/ 1677) كتابًا بعنوان «رسالة في إصلاح العقل وفي أفضل منهج نسلكه لمعرفة الأشياء معرفة صادقة». كما ألف جون لوك (1632/ 1704) كتابه الذي يعد أول تشريح للعقل البشري بعنوان «محاولة في الفهم البشري»، حيث كانت محاولته في تنظيف المعرفة وتحرير العقل مما هو خطأ، عن طريق اكتشاف حدوده. ثم جاء كتاب آخر لفيلسوف استطاع أن يخلف أثرا كبيرا على فلسفة كانط، ويوقظه من سباته، إنه الفيلسوف ديفيد هيوم (1711/ 1776)، بعنوان «تحقيق في الذهن البشري». وكم لكلمة تحقيق من دلالة هنا. فهذا الكتاب هو حديث عن الجغرافيا الذهنية وتحديد لأجزاء العقل وقواه المتمايزة. هو بحث في أصل الأفكار المكدسة في الذهن وعلاقتها بالواقع. سيتوج هذا المسلسل من التحقيق في العقل، بأشهر محاكمة كان بطلها الحكيم العالمي كانط (1724/ 1804)، بعناوين لكتبه تتضمن كلمة نقد وهي: «نقد العقل الخالص»، و«نقد العقل العملي»، و«نقد ملكة الحكم»، أي نقد للعقل النظري وللعقل الأخلاقي وللعقل الجمالي. هذه الكتب تدل على أن البحث عن الحقيقة، بناء لا يتم إلا بعد محاكمة العقل والعودة إلى الذات والبحث في قدراتها وإمكاناته.
نخلص إلى أن المعرفة العلمية جاءت ضدا على الحس المشترك، إلى درجة أن الحقيقة أصبحت ليست جاهزة، بل بناء صناعيا غريبا عن طبيعتنا حد المفاجأة. فأصبحت الأرض تدور، والثعبان أصم، والثور لا يرى الألوان، والخفاش يصنف ضمن الثدييات، والقمر تراب ومنعرجات، والبياض سبعة ألوان... وهكذا من المعارف التي لا تمكّننا حواسنا من استيعابها إلا بتشغيل العقل. وهنا نفهم لماذا كل هذا التمجيد للعقل.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».