لم تأخذ موضوعة السلام الأهمية نفسها التي احتلّتها موضوعة الحروب في العالم. من هنا جاء كتاب «عالم أوحد: تطوّر التعاون الدوليّ» Un seul monde. L’évolution de la coopération internationale)) لمؤلّفه غيوم ديفان (Guillaume Devin)، الصادر عن منشورات المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، ليُعيد النظر في الرأي السائد بأنّ التعاون الدولي ما هو إلا إيمان ساذج بعالمٍ مثاليّ. ففي كتابه هذا، الصادر حديثًا بترجمته العربيّة عن «مؤسّسة الفكر العربي»، الذي ترجمته نصير مروّة، يرى ديفان تبيان أنّ التعاون المذكور يلعب دورًا أساسيًا في سيرورة السلام وفي مسار إحلاله، حتّى لو جاء ذلك بطيئًا وغير منتظم في هذا العالم الذي يفتقر إلى الكمال.
أعاد المؤلّف الاعتبار إلى التعاون الدولي من حيث إنه مفتاح قراءة العلاقات الدوليّة المُعاصرة، متجاوزًا الاعتقاد السائد بأنّ «التعاون الدوليّ» هو تعبيرٌ على قدرٍ من الضبابية والغموض، لكونه نُظر إليه بوصفه «ضربًا من الطوعيّة المُنظَّمة»، وفقًا لتعبير سكوت باريت (Scott Barrett)، متيقّنًا بأنّ «الاعتراف بالآخر، والعمل المنسَّق، والسعي إلى أهداف مشتركة، هي الأشكال المختلفة والصُّور المتنوّعة للنشاطات التعاونيّة»، وأنّ هذه «لا تَستبعِد النّزاع مطلقًا، ولكنّها تسعى إلى احتوائه ضمن إطار مقبول، أي داخل إطار منظّمة دولية، ومن ضمن قواعد قانونية، وتفاوض». وقد تطلَّب منه ذلك رصد فكرة «التعاون» ودخولها مفرداتنا ومصطلحاتنا منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، ليستخلص جوهرها. فتضمَّن «التعاون» بالنسبة إليه وضعيّة الترابط أو الارتهان المُتبادَل بين الفاعلين، بحيث لا يستطيع أي طرف منهم أن يبلغ أهدافه، من دون أخذ الآخرين بعين الاعتبار، وذلك في إطار من «التنسيق والتعاون» اللذَيْن يفترضان «إيجاد حلٍّ مواتٍ ومُجزٍ للجميع»، تكون مسألة توزيع المغانم فيه قائمة على النحو الأفضل بحسب المصالح المُشتركة. وإذا كان ذلك ليس سهل التحديد على الصعيد الدوليّ، فإنه لا يعني أنه يشكّل «سديمًا ضبابيًا يعصى على التناول ويصعب على الإدراك».
بمثل هذه الموضوعيّة العلميّة، يُزعزِع غيوم ديفان الأفكار السائدة عن التعاون الدّولي، ليخلصَ إلى أنّه «كلّما كانت نشاطات التعاون الدولي كثيرة، ومتنوّعة، وكثيفة، تقلَّصت فُرص النزاعات المسلَّحة. التعاون يخدم الأمن، بما في ذلك الأمن التقليدي بين الدّول، لأنه يُعطيه بُعدًا جماعيًّا».
فهذا هو الحال مثلاً عندما أقرّ مجلس الأمن مرارًا، منذ سنوات 1990، أنّ النزاعات الداخلية للدول يمكن أن تشكِّل تهديدًا للسلام والأمن الدوليَّين (البوسنة، الصومال، رواندا، ألبانيا، هايتي، جمهورية أفريقيا الوسطى، شاطئ العاج، السودان، وليبيا)، وفي هذه الحالة تُصبح التنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي، وحماية الأهالي المدنيّين، والإدارة الرشيدة أو التسيير الصالح للموارد الطبيعية، ومهمّات أخرى كثيرة سواها، مسائل تنتمي إلى الأمن القومي كما تنتمي إلى الأمن الدولي في الوقت عينه. وهكذا، فإنّ أبعاد الأمن، الداخلية والخارجية، تُصبح متضامنة فيما بينها. وقد التزم مجلس الأمن السَّير في هذا السبيل، وبات من الصعب عليه أن يعود القهقرى إلى الوراء.
9:11 دقيقه
تطوّر التعاون الدولي
https://aawsat.com/home/article/768216/%D8%AA%D8%B7%D9%88%D9%91%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A
تطوّر التعاون الدولي
إصدار جديد عن «مؤسّسة الفكر العربيّ»
غلاف الكتاب
تطوّر التعاون الدولي
غلاف الكتاب
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


